في ميناء العطر هونغ كونغ «ثورة مظلات» تطالب بالديمقراطية

حجم الخط
2

تعني هونغ كونغ باللغة الصينية «ميناء العطر» لكن سكان هذه الجزيرة يشكلون الآن صداعا لحكومة بكين وتهدد احتجاجاتهم الحلم الذي دعا اليه زعيم الحزب الشيوعي السابق دينغ زياوبينغ «بلد واحد، نظامان مختلفان».
فالإحتجاجات التي تشهدها الجزيرة تعبر في شكل منها عن تغير في المزاج السياسي لدى السكان خاصة الجيل الشاب والرافض لتدخل الحكومة الصينية في العملية الديمقراطية، وخططها لجرد المرشحين لانتخابات الحاكم العام في عام 2017 ويطالب أبناء هذا الجيل برحيل الحاكم العام ، ليونغ تشون ـ يينغ. ويؤكدون على حقهم بالتمتع بديمقراطية كاملة وانتخاب من يريدون. وتعتبر التجمعات الإحتجاجية التي تشهدها الجزيرة الأكبر منذ أيام أول تظاهرات حاشدة منذ احتجاجات ساحة تيانامين عام 1989.
وتتعامل الحكومة الصينية بحذر مع الأحداث في الجزيرة، لحسابات محلية وخارجية. فهي وإن أكدت على أن ما يجري في الجزيرة شأن داخلي لا حق للدول الخارجية التدخل فيه إلا أنها لا تريد أن يخرج الأمر في هونغ كونغ عن اليد مما سيفتح ملفات أخرى قد تكون مثار قلق في مناطق تعيش فيها الأقليات وأهمها إقليم شينجاك في شمال البلاد الذي تعيش فيه أقلية اليوغور المسلمة والذي يشهد حركات إنفصالية وتمردا على الحكومة المركزية. لكن شينجاك غير هونغ كونغ التي تتمتع بموقع خاص نظرا لتاريخها مع الإمبريالية البريطانية.
فهذه الجزيرة الصخرية التي سيطر عليها الإنكليز بعد حرب مدمرة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر وقرر البرلمان البريطاني ضمها للإمبراطورية بعد الحرب التي عرفت بـ «حرب الأفيون» عندما رفضت السلطات الصينية السماح للسفن التجارية البريطانية ببيع الأفيون الذي كانت تزرعه بريطانيا في الهند عبر ميناء كانتون. ومن هنا فتاريخ هونغ كونغ يرتبط بكونها غنيمة حرب وازدهرت لتصبح من أهم المراكز التجارية في العالم وأنجحها. وتحولت الجزيرة أثناء الثورة الثقافية وتجارب الزعيم الصيني ماوتسي تونغ في الإشتراكية ملجأ لعشرات الألوف من الصينيين الذين هربوا من بر الصين إلى جزيرة هونغ كونغ التي كانت تديرها الحكومة البريطانية.
في عام 1984 اعترفت حكومة مارغريت تاتشر بالوقائع الإقليمية والتغيرات الجارية في الجزيرة وبر الصين ووافقت على إعادة الجزيرة للحكومة الصينية وهو ما تم في عام 1997 حيث كان آخر الحكام البريطانيين علىها كريس باتن، والذي يعتبر ممن أدخلوا عددا من التشريعات والإجراءات الديمقراطية قبل تسليم الجزيرة للحكومة في بكين.
هناك تساؤلات حول صورة هونغ كونغ في ظل الحكومة البريطانية وإن عملت هذه بإخلاص على بناء حكم ديمقراطي في الجزيرة على خلاف الحكم الشمولي في بر الصين. فالكاتب بن تشو المحرر الإقتصادي في صحيفة «إندبندنت» البريطانية يرى أن البريطانيين طوال تاريخهم في الجزيرة لم يكونوا حريصين على إدخال الديمقراطية رغم الفرص العديدة التي سنحت لهم لتعزيز الديمقراطية فيها. وكلها ضاعت أو ضيعت بسبب المفهوم «الفوقي» الذي شاع داخل الطبقة السياسية ووزارة الخارجية البريطانية وهو ان لا أحد من الصينيين في الجزيرة يريد أو يحتاج الديمقراطية. وهو ما ورد في مذكرات باتن، آخر حاكم بريطاني على الجزيرة والذي كتب أن المستشارين ظلوا يقولون له «لا أحد في هونغ يهتم بالسياسة». وهذا لا يعفي الحكومة البريطانية من المسؤولية إلا أن مرحلة ما بعد تسليم الجزيرة قدمت صورة مختلفة حيث عبر سكان الجزيرة عن رغبتهم بالحفاظ على المميزات التي تراكمت عبر تجربتهم التاريخية . وعلينا التذكر هنا أن التظاهرات الأخيرة ليست الأولى التي يرفع فيها سكان الجزيرة صوتهم ضد بكين، ففي عام 2003 اندلعت تظاهرات خطيرة حول قوانين مكافحة التخريب، وفي عام 2012 تظاهر أهل هونغ كونغ ضد خطط تعليمية أرادت الحكومة فرضها، وأبدت حكومة بكين وممثليها في الجزيرة مرونة. لكن المواجهة الجديدة تتعلق بهيبة الدولة وسلطتها على الجزيرة، وتريد أن يكون القرار بيدها وعلى ما يبدو متمسكة بموقفها ولن تتسامح مع من يريد كسر هيبتها. ومن هنا يفهم الهجمات التي قام بها الإعلام الرسمي على المحتجين باعتبارهم جزء من مؤامرة خارجية.
وبعيدا عن هـــــذا تكشف الأحداث الأخيرة عن وضع الصين التي تعيش ظروفـــــا مختلفة تداعت فيه الكثير من اليقينيات السابقة، وضع تعلمت فيه من دروس ساحة تيانامين في الماضي. فنحن أمام بلد تغير، لقد تغيرت «الصـــين وهونغ كونغ والعالم» كما تقول أليس وو، المستشارة السياســـية التي كتبت في «تشاينا مورنينغ بوست». وترى أن ما جرى كان حتميا ويكشف عن فقدان الثقة بنظام «دولة واحدة ونظامان مختلفان».
ويمكن النظر للواقع من أكثر من زاوية، فسكان هونغ كونغ يؤمنون بتميزهم وتميز نظامهم السياسي عن نظام الحزب الواحد، أما سكان بر الصين فيرون أن تمتع الجزيرة بخصوصيات لا يتوافق مع واقع الصين التي تغيرت كثيرا.
وتظل الصورة أعقد، فتغير الرؤية يتعلق بنجاح هونغ كونغ كمركز تجاري وتريد الحكومة الصينية استخدامه في خطتها الخمسية القادمة. وجزء من تغير العلاقة بين الجزيرة وبر الصين هو الموقف من الموجات الإجتماعية وزيادة مستويات الحراك الإجتماعي القادمة من بر الصين إلى الجزيرة وهو ما أثر على طبيعة السكان. كما أن جزءا من التغير له علاقة بظهور جيل من الشباب المستقل والذي يقود التظاهرات اليوم، وقد يكون للتغير علاقة بعدم «استلطاف» هذا الجيل لفكرة الحزب الواحد. وقد نكون أمام حالة حقيقية من البحث عن تقرير المصير تتساقط فيه النمطية المعروفة عن الصيني الباحث دائما عن المال والثروة.
ماذا سيحدث؟ يعتمد على تصرفات الحكومة الصينية والمتظاهرين الذين وافقوا على بحث مطالبهم مع ممثلة للحاكم. وهناك عدة سيناريوهات مطروحة بعضها قاتم وآخر واقعي، وكلها في النهاية افتراضات. ولن تلغي من طبيعة المجتمع في هونغ كونغ على الأقل المتظاهرين بمواصلة الإحتجاجات، فكما كتب معلق إن لم ينجح المحتجون بتحقيق صفقة مرضية لهم في انتخابات عام 2017 فسينجحون لاحقا.
وما سيحدد مصير التظاهرات هو ميزان القوة في أروقة الحكم في بكين، ومن هنا فالرئيس الصيني شي جين بينغ سيكون حذرا باستخدام اليد الحديدية لقمع المتظاهرين. وقد يجد نفسه في مرحلة قادمة مجبرا على التحرك حال استمرت التظاهرات غير المرخصة والعفوية، فللرئيس أعداء في داخل الحزب وقد يدفعونه لمواجهة مع المتظاهرين. وبعد رفض السلطات مطالب المتظاهرين فإن هناك ملامح تشدد في الموقف الرسمي، وإشارات عن احتمالات مواجهة.
وللتغلب على الوضع، ستكون مهمة الحكومة صعبة، خاصة أن الحركة غير مركزية وقابلة للتمدد في أي وقت، وطبيعة الحركة سلمية، فنحن هنا أمام متظاهرين منضبطين اعتذروا للناس على المضايقة وكتبوا لافتات «الكفاح من أجل الديمقراطية/ نأسف للمضايقة»، وهم ينامون في الشوارع المهمة في مدينة لا تنام، ويتشاركون في الطعام وينظفون النفايات، ولديهم وقت للحفاظ على البيئة واستخلاص المواد البلاستيكية القابلة للتدوير ويحتمون بالمظلات التي يستخدمونها ضد الشمس والمطر وما تمطرهم به الشرطة من الفلفل الحار، وصار البعض يطلق على الإنتفاضة «ثورة المظلات».
وهي بهذه المثابة تمثل تحديا للسلطات التي لا تستطيع تفريق التظاهرات من خلال اعتقال قادتها، فالتظاهرات في هونغ كونغ بلا قيادة، وهي عبارة عن تجمعات من أبناء الطبقة المتوسطة الذين يطالبون برأي في السياسة وينظمون أنفسهم معتمدين على وسائل التواصل الإجتماعي. فبهذه الوسائل والحشد الشعبي تقوم الجماهير في كل أنحاء العالم بالتعبير عن همومها وتطالعاتها بمستقبل أحسن. وتظاهرات هونغ كونغ في طابعها السلمي لا تختلف عن تظاهرات تركيا أو البرازيل. ومن هنا فما ستنتهي إليه الأمور في هونغ كونغ يهم بقية العالم، فالمتظاهرون ليسوا مجرد جماعة في بلد بعيد. فالعالم لم يعد معزولا وأبناؤه يتواصلون فيما بينهم.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية