أحبكِ أكثر

حجم الخط
0

سعاد قطنانيرغم الغربة وآلاف الأميال التي تبعدني عن لغتي… عن اسمي… عن أصلي وفصلي، لم تهدأ عيناي وأنا أنقلهما من شاشة لأخرى ومن موقع على الشبكة العنكبوتية لآخر… استقي مع كل خبر عن الثورات العربية ذلك الأمل بحرية أعرف أنها الطريق الأقصر للوصول إلى وطني فلسطين.

ويزداد يقيني مع كل هتاف وراية تـُرفع في كل شارع وفي كل ساحة عربية بأن فلسطين بقيت دائماً في عمق الروح وعمق الثورة… ومع كل صوت من الأصوات والحناجر المبحوحة الممتدة على مساحة الوطن العربي يلتهب الشوق والحنين أكثر فأكثر إلى وطني… ولأول مرة شعرت بأني خرجت من يأسي ومن نكبتي التي باعدت الوطن ليصبح حنيناً وشوقاً لا يرتوي.. ورغم غياب فلسطين عن المشهد الإعلامي في غمرة هذه الثورات إلا أني أرى فلسطين هذه الأيام وأكثر من أي وقت مضى تتألق وتتوهج في أعماقي… أراها كعروس اقترب يوم زفافها… أراها قادمة.. وأرى نفسي على أسوار القدس أكاد ألمس حجارتها وترابها وأشم رائحة الزعتر البري في مروجها… أرى نفسي أحدثها عن غربتي وشجوني من هنا من حافة العالم وأقول لها اليوم أحبك أكثر وأكثر… ففلسطين هي هويتي حين يحلو الحديث عن الوطن، وهي لغتي التي يلهج فيها لساني بكل الحروف والكلمات… هي عنواني الذي لم يتغير حين تغيرت كل عناويني… لم أكن أعلم كم أنا فلسطينية… فأنا لم أنزع الكحل من عيني لأستبدله بكحل أرض الوطن كما فعلت دلال يوماً… ولم أعانق شجرة زيتون في بلادي يوماً… لم يتخط جسدي حاجزا حال بيني وبينها… فهي الحلم في مخيلتي، بل هي اجمل من كل الأحلام…. في الغربة يصبح للوطن طعم آخر… طعم يذكرك به في حلك وترحالك. لونك.. شعرك… اسمك… كلها تفاصيل تشي بوطنك وأرضك… فالناس يشبهون أوطانهم…. وأوطانهم تشبههم… كل من في كندا يحمل في عينيه وطنين أو أكثر… وطناً جاء منه وما زال يستذكره أو يحاول ان ينساه.. ووطناً آخر يعيش فيه هو كندا… السكان الأصليون في كندا يعيشون كندا وتعيش فيهم كندا… الأشكال والألوان واللهجات والأسماء والعيون تفضح غربة الجميع في كندا إلا ذاك الهندي الأحمر ذو الجديلة الطويلة… في الجامعة وفي معرض الانفتاح على الثقافات وعلى ثقافة السكان الأصليين في كندا كانت لنا محاضرة أو جلسة مع واحد من السكان الاصليين… يومها أبعد زائرنا كل المقاعد الدراسية وجعلنا في حلقة دائرية افترشنا الأرض فيها بينما جلس هو في وسطها وبدأ بسرد حكايات الهنود الحمر واعتقاداتهم ونضالاتهم… ومن ثم جاء بنبتة خضراء باهتة… وقال إن هذه النبتة مباركة وتعطي الطاقة للهندي الأحمر بعد أن يعود من رحلة صيد طويلة فيلوكها أو يحرقها ليدع بخورها يتغلغل في مسامه ليعود ويولد من جديد… حين أشعل ذلك العود الباهت شعرت أني أعرف هذه الرائحة لكني لم أقل شيئاً… ولكن حين وزع على كل واحد منا بضع وريقات منها، أخذ جميع من في القاعة من زملائي في الصف ينظر باستهجان إلى تلك النبتة ولكني حين أخذتها، شممتها.. قربتها مني أكثر ومضغتها… إني أعرفها… هي الميرمية… هي الميرمية… قلت له: إني أعرف هذه النبتة، فيها نطيب شاينا، ونحرقها لنطيب بيوتنا بريحها، نسميها الميرمية. التفت إليّ وقال: من أين أنت، ما هو أصلك؟ قلت: فلسطينية. أجاب في دهشة من زملائي في الصف: أعرف قصتكم ولنا أشياء كثيرة متشابهة حتى هذه التي أسميتِها ‘ميرمية’. حينها أخفيت دمعتي… وأخفيت حزني حين استذكرت كم أني عن وطني بعيدة وغريبة…. وتذكرت كم أنا فلسطينية. لم تنته حكايتي مع فلسطينيتي… فحين طلب أستاذ مادة ‘ الكتابة للإعلام’ أن يحضر كل طالب منا رمزاً دينيا أو تاريخيا أو وطنياً من بلده الأصلي، خبأت رمزي في حقيبتي بانتظار دوري لأتحدث عنه، إلا أن أستاذي بادرني بسؤال بدا لي غريباً وقتها: أنت ساميّة ومسلمة… أليس كذلك؟ أجبته: نعم… ولماذا تسأل، وما علاقة السامية بالإسلام؟

أجاب: لا شيء فقط أسأل من باب الاستفسار والمعرفة.. كون أستاذي مفتوناً بالفايكنغ وبثقافة الفايكنغ وله عدة مؤلفات بهذا الخصوص ويبدو أن أصوله تعود لهم، فقد توقعت أن يحضر بعضاً من الرموز المتعلقة بالفايكنغ… أطفأ الأضواء وبدأ بعرض رموزه على ‘ البروجيكتور’ فما كان رمزه إلا ‘ علم إسرائيل’ تتوسطه نجمة داوود..!! حينها لم أعرف ما الذي أصابني. شعرت بقلبي يدق وكأن طبول العالم تقرع فيّ… شعرت أن الجميع يسمع صرخات قلبي…!! لا أعلم كيف كان لون وجهي… ولكن الأستاذ كان يمعن النظر بوجهي في العتمة، ثم أخذ نفساً عميقاً قبل أن يبدأ… حينها تساءلت في نفسي: هل ضاقت رموزهذا العالم ولم يجد أستاذي الكندي وفي قاعة الدرس إلا هذا الرمز؟

؟!! ماذاعلي أن افعل؟

؟ وماذا علي أن أقول؟

؟ لم أكن أعرف ولم أخطط لمثل هذه اللحظة حيث يفترسك الكذب والتضليل الإعلامي على مقاعد دراسة الإعلام!! تمالكت نفسي وجلست وأنا أشعر أن كل قطرة من دمي تكاد تفر مني، وكل شريان فيّ ينبض وكأنه قلب مستقل… صمتُّ وانتظرت ماذا سيقول… بدأ بالحديث عن نجمة داوود تاريخياً، وأنهى بالقول: إن هذا العلم الذي نراه أمامنا الآن ومنذ عام 1948 أصبح رمزا للدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ‘دولة إسرائيل’. بعد أن انتهى قال: من لديه سؤال أو تعليق… ؟! في تلك اللحظة رغم أني لم أخرج في مظاهرة يوماً، ولم أرفع شعاراً ولم أتعود أن ألقي بالشعارات، إلا أني لم أدرِ كيف امتدت يدي إلى حقيبتي وأخرجتُ كوفيتي لأضعها بين يدي ثم قلت له: أنا لدي تصحيح… إن هذا العلم هو رمز للاحتلال وللاعتداء على الشعوب… فقال وقد امتقع وجهه ككاذب صفعته الحقيقة: حقاً كيف هذا؟

؟ أنا لا أعرف!! ماذا تقصدين!

؟ أضفت والغصات تتلاحق في حلقي: إن إسرائيل تحتل أرضي منذ عام 1948، (وأمسكت بكوفيتي ورفعتها عاليا ) هذه الكوفية، هي رمز للأرض والمقاومة، هي رمز لارتباط الفلسطيني بأرضه ووطنه… لا أعلم إن كان زملائي في الصف قد عرفوا الحقيقة أو ربع الحقيقة ولكن ما أيقنته منهم أنهم عرفوا أن أستاذنا يكذب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية