باحثون يسائلون دور الإعلام المغربي في تنشيط النقاش العام السياسي والاجتماعي

جمال المحافظ
حجم الخط
0

الرباط – «القدس العربي» : أجمع مشاركون في ندوة حول «دور الإعلام في تنشيط النقاش العمومي» نظمها في الرباط، المركز المغاربي للدراسات والأبحاث حول الإعلام والاتصال على أن وسائل الإعلام ما زالت قاصرة عن القيام بمهامها في مواكبة القضايا المجتمعية وفق رؤية تستحضر البعد المهني للسلطة الرابعة بالمقارنة مع ما تتضطلع بمثيلاتها في البلدان الديمقراطية.
وانكب المتدخلون – سعيد بنيس، الأستاذ الباحث في السوسيولوجيا ومحمد الساسي الباحث في جامعة محمد الخامس في الرباط والكاتب الصحافي علي أنوزلا – على تناول الأدوار التي تضطلع بها وسائل الإعلام في تنشيط النقاش العمومي المجتمعي من زوايا متعددة. كما سلطوا الضوء على دور الإعلام في الارتقاء بمستوى النقاش العمومي في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية.
وإذا كان الإعلام هو التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير ولروحها وميولاتها واتجاهاتها، فإنه لا إعلام بدون جمهور مستقبل ومتفاعل مع الرسالة الإعلامية وأيضا لا إعلام دون فتح مجال للنقاش العمومي باعتبار هذا الأخير شكلا من أشكال التواصل والتفاعل العام بين الأفراد والجماعات، كما جاء في أرضية الندوة التي أكدت أن التنشيط يعد محركا ديناميكيا أساسيا لكل نقاش جوهري يتوخى طرح القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام، بعيدا عن كل تضليل.
وعلى الرغم من تأثير السياقات والتحولات السياسية والاجتماعية، على أداء الإعلام الذي لا يمكن أن يتطور إلا في ظل الحرية، وتوفر تشريعات متقدمة، واحترام لمواثيق أخلاقيات المهنة، فإن الإعلام لم يشهد تبعا لذلك تحولات نوعية لعاملين أساسين، ربطتهما الأرضية أساسا، بمميزات وخصائص الوضع السياسي، وفشل الإصلاح في الإعلام، رغم بعض المبادرات منها كما قال خلال الندوة جمال المحافظ، ما قام به محمد العربي المساري خلال توليه حقيبة وزارة الاتصال، والذي رفع شعار «إعلام الحقيقة»، الذى يقوم على أن المادة الخبرية هي كل معطى يساعد الجمهور على التفاعل بكيفية واعية مع محيطه، مع التمييز بدقة بين حدين: كيف لا نقع في طمس الواقع وكيف نتجنب التهويل، وأن يواكب الإعلام العمومي حركية المجتمع وأن يقترب من مشاغل المواطن ويوسع قدراته على التفاعل بوعي بما يعتمل في محيطه، عوض أن يظل مجرد ترديد صدى تحركات أعضاء الحكومة.
واستهل سعيد بنيس مداخلته بعنوان «الإعلام والوساطة المجتمعية» بالتساؤل عن ماهي نوعية الوساطة التي يقوم بها الإعلام ودوره في التاثير على الفضاء العام، موضحا أن الإعلام مطالب أن يميز بين الظواهر الاجتماعية والقضايا المجتمعية، وبمستوى النقاش العمومي السائد سواء كمجتمع أو كأفراد. داعيا في هذا الصدد الإعلام الى إيلاء الأسبقية للقضايا المجتمعية عوض التركيز على الظواهرالاجتماعية العابرة مع الانخراط في تجويد النقاش العمومي والانتقال من المقاربة التشاركية الى المقاربة التداولية. ولاحظ أن هناك تحولا من مواطنة واقعية الى مواطنة افتراضية بفضل الثورة الرقمية.

الانتقال إلى ممارسة النقاش العمومي

ويرى في هذا الصدد أن ما يروج في العالم الافتراضي هو نقاش عمومي هامشي مما يتطلب ممارسة نقد بناء ومسؤول، معتبرا أن ما نعيشه في الوقت الراهن ليس أزمة قيم بل احتباسا قيميا في ظل الانتقال من ممارسة النقاش العمومي الى ممارسة البوليميك.
وفي هذا السياق شدد على ضروة الانتقال من إعلام التلقي الى الإعلام النقدي المنتج الذي من سماته تجاوز الحساسيات والأساطير المتخيلة والمتحلي بالجرأة المعرفية والقادر على ابداع معايير موضوعية على المستويين الكمي والكيفي، مؤكدا تميز الإعلام في تنشيط ومواكبة النقاش العمومي المجتمعي والمساهمة في خلق فضاء عمومي، كما أن التطور الرقمي جعل من النقاش العمومي وقضاياه يصبح عابرا لما وراء الترابي والمحلي الى ما هو كوني.
وقال محمد الساسي في مداخلة بعنوان «النقاش السياسي في الإعلام العمومي» أن لا نقاش عموميا بدون توفر الحرية والتعددية والمشاركة والسلم المجتمعي والموضوعية ومساهمة الإعلام في عملية التنويرمتوقفا عند محددات واقع النقاش العمومي، الذي اعتبره يخضع لنظام الدورات، دورة الانفتاح ودورة التشدد، معتبرا أن لحظة اعطاء الكلمة لرموز حركة 20 فبراير/شباط في الإعلام العمومي شكلت قمة دورة الانفتاح. وعبر الساسي عن اعتقاده الراسخ بأن حدود الحرية مصطنعة في ظل غياب سلطة مضادة، وجعل ووحدة المرجعية الذي يغيب معها النقاش العمومي المأمول والمقاربة النقدية وأن هذه المحددات تتمثل كذلك في تذويب المسؤولية وهو ما يجعل النقاش العمومي أسير الغموض والاكتفاء بنقاش القضايا الاجتماعية إعلاميا وليس سياسيا أي أقل ما يكون من السياسة وأكثر من الترفيه وفق ما ذكره السياسي الذي سجل تقلص الحرية في الإعلام العمومي الذي يوظف في التطمين وخدمة الركود والسكون وارتفاع منسوب الشعبوية الدينية.
ولاحظ محمد الساسي أن الإعلام العمومي يتطرق بجرأة لبعض القضايا من قبيل الاجهاض والدعارة، لكن هذه الجرأة تغيب في تناوله للقضايا ذات الطبيعة السياسية، مؤكدا أن الاشكال لا يرتبط بمستوى الموارد البشرية الصحافية في الإعلام العمومي، بل الأمر يتعلق ربما بالضغوطات والإملاءات المفروضة عليهم خلال أدائهم لعملهم.

البرامج السياسية

وأشار علي أنوزلا الى أن الإعلام يضطلع بدور هام في الانتقال الديمقراطي الذي يؤدي تعثره الى تعثر الإعلام، ملاحظا أن دورات التشدد والانغلاق، هذه الأخيرة التي عادة ما تكون دوراتها أكبر مقارنة بدورات الانفتاح، وهو ما يرخي بظلاله على الواقع السياسي والمشهد الإعلامي على حد سواء، وبالتالي تتحول البرامج السياسية الى نوع من الكاستينغ، حسب قوله واعتبر أن التشريعات المنظمة التي تهدف الى التحكم بذلك الضبط، تنص على تقييد حرية الصحافة، مما يجعل غالبية الصحافيين يلجأون الى ممارسة الرقابة الذاتية خوفا من المتايعات القضائية والاعتقال.
وبعدما توقف عند بعض المحطات والأحداث التي عايشها ومنها «سوء الفهم الكبير» بين الصحافة وبعض المشرفين على تدبير الشأن العام، خلص أنوزلا الى أن انجاح النقاش العمومي، يتطلب ثلاث شروط حددها في الحرية والديمقراطية واعلاء شأن القانون وتوفر الإرادة السياسية التي لا تزال – في نظره- غائبة.
وعزا بروز ظواهر جديدة بفضل الثورة الرقمية، تنتقد السلطة خارج ضوابط أخلاقيات المهنة، الى ما اعتبره انحسارا في منسوب حرية الصحافة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية