الإيديولوجية الميتة والكاريزما الخائبة

حجم الخط
0

عبد الحفيظ بن جلولي يستفيض الوضع العربي بالمبادرة الحائرة التي تروم التغيير، من حيث انها تتشبث بذات الوضع القائم كمجاراة نفسية لمحاولة الوصول الى السلطة، ولعل فرضية البقاء فيها التي تتقاذف بها المعارضات العربية تكون ممكنة وصحيحة في الحالة المترهلة للسلوك السياسي المُحرَج امام الطلائع الشعبية العربية الصائرة نحو الراديكالية المطلبية في التغيير، باقتلاع النظام برمته، وحيث ذاك تزول الإيديولوجية الميتة التي تندمج بالضرورة ضمن بانوراما الأنظمة الحاكمة التي تنتج معارضاتها، ولهذا يتجاوز الناشئ كل المشهد السياسي القائم.

الحركة السياسية وإنتاج الخدعة:

تهدف الحركة السياسية كفعل الى تحقيق المرامي السامية للشعوب بالدرجة الأولى، وللقواعد الحزبية بالدرجة الثانية، فكل حركة تقدم ذاتها على أنها وطنية بالدرجة الأولى، تشتغل على الهم الكُلي والمطلب الجماهيري، لكن وهي تقدم نفسها، تسقط في مستنقع الذات المُخلّصة للجماهير من أغلال القهر والديكتاتورية والمحسوبية والبيروقراطية، وما إلى ذلك من الأمراض الاجتماعية والسياسية التي تنخر جهاز الدولة والمجتمع، متناسية أو متعمدة النسيان، التغاضي عن مسؤوليتها المباشرة في تنمية الوهن داخل الجسد السلطوي وتفجير السرطانات القاتلة، من خلال تزكية البرامج التي لم تكن شريكا في إنتاج الرؤى حولها، وهو ما يمنح شرعية لضروب الإنتاجات المتاخمة للفعل السياسي الذي يتمظهر في الحركة الدؤوبة من أجل تسيير دواليب الحكم، وما هو في الحقيقة سوى شكل من أشكال الشعوذة السياسية القائمة على ضرب الحظ ونرديات الأزمنة الخائبة، حين كان الديكتاتور يتخندق في خط الشعوب ويُسخر الآلة الإعلامية الرسمية لخدمة هذا الاصطفاف، لكن فقط لكي يضمن عدم تحرير ارادة الشعوب في المطالبة بالتغيير، لأنه يعلم علم اليقين انه سوف يواجه ذلك بالقوة الغاشمة وإراقة الدماء، ولا يريد أن يصل الى تلك المرحلة لأنها اهدار للمال العام وللطاقة التي يعتبر النظام في أَمَس الحاجة إليها، ولا يهمه دم المواطنين ولا الخسائر البشرية أو المادية، لذلك كان يبادر الى انتاج معارضته الوديعة، ولهذا يوم سقطت الأنظمة سقطت بالضرورة كل رموزها السياسية، سواء الحاكمة أو المعارِضة.

الكاريزما الخائبة:

تتمأسس الخيبة في جحور السياسة العربية وتقدم ذاتها بقوة خارقة غير معتادة، ففعل السياسة لم يتفجر بعد، لذلك كما يقول الأستاذ هيكل إن بحر السياسة في العالم العربي جف نبعه، ومن يحاول السباحة فيه تتكسر جبهته، ولأنه كذلك تعمد النخب السياسية المتلونة بحِربائية طاغية الى التأسيس لكيمياء جديدة سياسية تمنح المظهر وقوة الحضور قيما رمزية تستطيع بها اختراق الوجدان الجماهيري، ولا يهم في مثل هذه المسرحة للواقع السياسي كل أخطاء المرحلة، ومن ذلك مثلا أن تتقدم حركة مجتمع السلم في جهة من جهات الوطن بتنظيم ندوة حول الإعلام والتغيرات السياسية الحاصلة، أو ندوة حول حرية التعبير، من دون إعارة أدنى اهتمام الى أن المشهد السياسي المتأزم كان أحد المتسببين فيه هم الشركاء السياسيين المنضوين تحت لواء التحالف، فكيف تناقش وضعا أزمويا وتنفي مسؤوليتك الثابتة في حدوثه. وتجد افتعال المواقف الحضورية التي تجعل الذات الحزبية ممثلة في قياداتها تتبحر في عمق اللغة كي تفيد من تدفق المعنى والتغطية على الحدث بإيقاع اللغة، والدفع بهالة من المصطلحات قصد ترتيب الزوغان عن المشاكل الجوهرية المطروحة على المستوى الفكري الذي يتناول الجذور وليس المظاهر، وهو ما تحاول الطبقة السياسية إقحام الجماهير في أتونه حتى لا تكاد تنفذ الى الجوهر، لأن الجوهر يحرج بالأسئلة الوجودية من حيث انه يقف على الحقائق التي يكشفها السؤال المتعمق عَرَض الظاهر المرضي، وبالتالي يصبح المهرب الوحيد من المواجهة المحتملة أو الحاصلة هو التسلح بمعول اللغة، التي تستقر في الوجدان الجماهيري كلما كانت إيقاعية، يتسرب صداها المُنغم الى الذات بما يجعل المتلقي مسحورا بضخامة الجسم الموسيقي والمعنوي للكلمة، وهو ما يُنتج الكاريزما الخائبة التي تفتعل الموقف لأجل تمرير الفكرة والحضور المهرجاني للشخصية.

حرب المصطلح.. تجاوزات الواقع:

عبر رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية عن رؤية حزبه للإصلاحات المُزمع القيام بها من قبل النظام، بأنه يجب ان تكون عميقة وشاملة وسلسة، ثم أجاب عن سؤال التصريحات المتناقضة التي تخرج من أروقة الحزب حول ما يجري على الساحة الوطنية، بأن حزبه يفرق بين الرأي والقـــــرار، ثم قال انه في إطار دعم القدرة الشرائية للمواطن ورفع الأجور يجب تطبيق ما سماه بتصنيف الأسعار، ويرى المتتبع لتسطـــير الكلام بأنه مدبج بترسانة من المصطلحات، التي لا تعبر عن شيء بقدر ما تحاول استعراض قوتها البلاغية على مسرح الحدث التغييري، فالمصطلح في حالة انعدام قناة للتجاوب معه يعتبر ترفا فكريا ولعبا حزبيا، كل المراد منه هو المحافظة على هيكل الهيئة وبقية أثر لها ضمن الخريطة السياسية. كما يدخل انتاج المصطلح في إطار لعبة تستهدف ابدال مصطلح السلطة بمصطلح مقترح من قبل المعارضة، وبالتالي يصبح هناك تجاذب يخلق معارك تنافسية هامشية تستنزف طاقة الرؤية لدى المواطن البسيط الذي يمكن ان تكون لديه فكرة بسيطة حول كيفية ادراج شبكة القُفة ضمن توازنات دهاليز السياسية المعتمة.

يبقى الهدف من لعبة المصطلح هو تتويه الرأي العام بين ما هو كائن وما يجب ان يكون، حيث يلعب الإعلام الدور المفعل لمعادلة الإلهاء، ولعل السيد أبو جرة سلطاني حين شكر الإعلاميين على المساهمة في تداول مصطلحات حزبه المتعلقة بالإصلاحات، كان يدرك هذا الدور الذي يعيد الحياة للإيديولوجيا الميتة والكاريزما الخائبة. إن تفحص مصطلحي الرأي والقرار وسَوقهما في إطار التصريحات المتناقضة الصادرة عن الحزب، يبدو من شكل ترتيب دفعهما محاولة الهروب من ظاهرة الخلافات داخل الحزب، وقطع الطريق أمام الأسئلة المحرجة في هذا النطاق، فالحزب يعيش أزمة انشقاق في الصف من خلال مواقف القيادة تجاه ما يدور حوله الكلام على تقييم حقبة التحالف وانعكاساتها المدمرة على بنية الحزب، ولكي لا يُعمق الانشقاق بتصريحات ضد هذا أو ذاك، إذ أن السؤال الإعلامي النبيه يفتش في العمق ويحفر في النسق، ولعل سؤالا بسيطا حول الرأي والقرار، وعلاقتهما بالتناقض في التصريحات، من مثل لماذا يستمر الرأي حتى بعد إصدار القرار، حيث المعروف ان الأقلية في الديمقراطية تذعن لرأي الأغلبية احتراما للأصوات الغالبة، ويصدر ذلك عن قناعة بأن العملية السياسية تمت في شفافية وديمقراطية، فلم نسمع يوما في الديمقراطيات العتيقة أن الأقلية ثارت ضد الأغلبية الفائزة متهمة اياها بالتزوير في الانتخابات، ولم نسمع يوما ان الشعب شكك في فوز أحد الرؤساء الغربيين، لأن الضامن الوحيد للنزاهة هو القانون، والإرادة الحرة، وهما العاملان اللذان نفتقدهما في مؤسساتنا.

معركة خاسرة.. الفهم للدولة:

في إطار عرضه للإشكال القائم حول تعديل الدستور أو تغييره، صرح السيد أبوجرة بأن الدستور غير مهم، وقال انه لن يُعرض على المجلس التشريعي، لأن التغيير يمر عبر الاستفتاء الشعبي، والسؤال الذي يطرح هو ما هو المهم في العملية السياسية التي ينظمها حتما الدستور، فهو القانون الأساس الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويحمي حقوق الشعب ويبين حدود السلطات الثلاث، ولابد من الإشارة الى أن الأنظمة السياسية تبادر الى تشكيل المجلس الوطني التأسيسي، الذي يضم كافة الاتجاهات السياسية الوطنية قصد تبادل الرؤى والكشف عن التطلعات في اطار الجماعة الوطنية واللحمة السياسية، التي تبلور رؤاها من أجل ترتيب كافة الخيارات الممكنة من أجل الخروج من حالة الطوارئ، كما حدث ابان انقلاب 1969 أو ما يعرف في الأدبيات السياسية بالتصحيح الثوري، ومن ضمن أولويات المهام المجلسية هو صياغة دستور جديد للدولة، يحدد شكلها ومهامها والثوابت الوطنية.

إن الإشكال الواقع في الوعي السياسي العربي يتمثل في الشرخ الواسع في مفهوم الطبقة السياسية بين ما هو نظري وما هو تطبيقي، فالدستور المكتوب يُنظر اليه على انه مجرد قواعد، لأن الثابت في الوعي هو تجاوز القواعد القارة بين الدفتين، لهذا يتساءل المجموع الوطني، كيف السبيل الى تفعيل القوانين المحبرة على الورق؟

سؤال وجيه لا تكفي الإجابة عنه بمباشرة سطحية لا تستدعي القائم على ذاته والقائم على الهيئة والقائم على السلطة، وشبكة العلاقات التي تربط بينهم من حيث انهم شركاء في العملية السياسية، وهو ما تفطنت اليه الديمقراطيات العريقة، فعادة ما يُقصى عندنا القائم على ذاته في العملية السياسية، وهو المواطن، وهو الرقم الأهم فيها، لأنه يمثل الثقل الأكبر الذي يشكل الوعاء الانتخابي، وبالتالي يحسب ألف حساب لصوته، ليس من حيث انه يصب في النهاية لصالح هذا أو ذاك، ولكن من حيث ان الطبقة السياسية ملزمة بأن تستوفي حقه في الوفاء بكافة الوعود الانتخابية التي تصب في صالحه، لذلك يمكن لأوباما ان يخلف وعوده الانتخابية الخارجية، لكن لا يمكن ان يُخل بالتزاماته الانتخابية تجاه السياسة الداخلية أو تجاه المواطن الأمريكي بشكل أدق. فكم من وعد أُنجز في حق المواطن، وكم من عملية سياسية أخذته في حساباتها بتحسيسه بأهمية وواقعية شراكته؟ ‘ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية