زياد خداش: “غارقون بالضحك”

حجم الخط
0

تحت عنوان “شمس”، يكتب القاصّ الفلسطيني زياد خداش: “قادماً من سورية ــ مجدل شمس، وفي الحافلة القادمة مبكراً جداً من الخالصة إلى القدس (يسمونها كريات شمونة) جلست أربع ساعات بجانب جندي إسرائيلي، في حضنه كانت تستيقظ من سباتها بندقية، وفي حضني كانت تنهض من نومها بلادي”. هذا نموذج من مجموعة “خطأ النادل”، عن “الأهلية”، 2015، التي شاء خداش أن يصنّفها أنواعياً في خانة “نصوص”؛ لكنها، في أكثر من مستوى إنصاف واحد، تتجاذب عناصر القصة القصيرة جداً، وقصيدة النثر السردية على غرار مقترحات إدغار ألن بو، إلى جانب ركونها في قصّ الأحدوثة المفتوحة الوجيزة. وهي، بهذا، عالية الوفاء لكثير من الخصائص التي ميّزت كتابة خداش، في اللغة والبناء والأجواء، وحتى في نبرة المفارقة الساخرة المبطنة التي يندر أن تفارق نصوصه.

في مجموعته الجديدة هذه، “غارقون بالضحك”، ثمة 41 نصاً (تحت خانة “قصص قصيرة” هذه المرّة!)؛ تتراوح أطوالها بين نصف صفحة وثماني صفحات، وتمزج بين التفصيل الواقعي، الذي يقترب من التسجيل والتوثيق؛ وبين التفصيل ذاته وقد انعتق وتحوّل، ليكتسب سمات عجائبية أو سوريالية؛ في اشتغال مخيّلة منسرحة طليقة، ليست مع ذلك منفلتة من عقال التوظيف المحسوب. نحن في فلسطين دائماً، وحيفا مثل نابلس ورام الله ومخيم الجلزون ومستوطنة بيت إيل وحاجز قلنديا وشارع أبو ريا ومقهى الانشراح… لكنّ أسماء العلم هذه ليست مسميات المكان وحده، أو وحدها، فحسب؛ بل هي كذلك، وفي صيَغ عديدة بارعة التمثيل وماكرة الإشارة، مهاد مجازية وترميزية للمعيش الفلسطيني تحت شرط الاحتلال، على صعيد فردي ذاتي وآخر عامّ جَمْعي (كاتب القصة القصيرة الفلسطيني مع الجنود الإسرائيليين على حاجز عطارة، كريم الرومانسي” محمّم الموتى في المخيم، زياد والحقيبة التي قسّمت هويته في جسوم كثيرة…).

أصدر خداش “نوماً هادئاً يا رام الله”، بالاشتراك مع وداد البرغوثي، سنة 1993؛ وتتالت إصداراته في القصة القصيرة والنصوص والمقالات، وبينها “خذيني آلة موتي”، “الشرفات ترحل ايضاً”، “كأن شخصا ثالثا كان بيننا”، “شتاء ثقيل وامرأة خفيفة”، “أوقات جميلة لأخطائنا النضرة”، “أن تقعي أرضاً ويكون اسمك أماني”، و”أسباب رائعة للبكاء”. هنا، من “غارقون بالضحك”، هذه القصة بعنوان “يمشي وينظر إلى الساعة”:

وقع على الأرض ومات، نشروا صورته ميتاً في الصحف، لم يتعرف عليه أحد.

المعلومة الوحيدة عنه كانت من مساعد طباخ في فندق مجاور.

ــ منذ سنوات طويلة وهو يمشي في المدينة وبين الشارع والشارع كان ينظر إلى الساعة.

في مقبرة المدينة لم تستطع أمّ الإجابة عن سؤال ابنها:

ــ ماما ليش الاسم على هذا القبر طويل؟

وقرأ:

منذ سنوات طويلة وهو يمشي في المدينة وبين الشارع والشارع كان ينظر إلى الساعة“.

مكتبة كل شيء، حيفا 2019

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية