ابراهيم درويش’كانت لفتة مهمة ان يختار منظمو محاضرة المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد – لندن لهذا العام، عنوانا لها ‘الكرامة الانسانية في القدس’، فبين موضوع المحاضرة وقصة سعيد المقدسي تشابه، فالمحاضرة عن هدم مقبرة اسلامية كبيرة في المدينة المقدسة، وبناء مركز لـ ‘الكرامة’ فوقها، ولا علاقة لسعيد بالمقبرة الا من ناحية الانتماء للقدس، ولكن ما يجمعهما ان اسرائيل ومثقفين منها وخارجها حاولوا تجريد سعيد من انتمائه إلى المكان، خاصة بعد الحملة التي رافقت صدور مذكراته ‘خارج المكان’. والمحاضرة وان لم تكن عن هذه العلاقة والتجذر في المدينة المقدسة الا انها عن استمرارية العطاء الفكري لسعيد الذي توفي عام 2003 واستمراره في المشهد العام وقلب الحياة الثقافية البريطانية، ولهذا لم يطلق عليها المنظمون اسم ‘التذكارية’ التي ترتبط عادة بالتقاليد الاكاديمية. في جانب موضوع محاضرة هذا العام فهي تؤشر الى المشهد المتواصل من التذويب والمصادرة والاقتلاع الذي تمارسه اسرائيل ضد المعالم العربية والاسلامية في القدس وكانت آخرها تدمير المقبرة التاريخية ‘ماميلا’ او مأمن الله، غربي القدس (تبعد 2 كم عن باب الخليل) والتي تحوي رفات مئات من العلماء والقادة وابناء العلائات المقدسية منذ الحروب الصليبية الى الآن. وان كانت مقبرة ‘ماميلا’ تمثل تاريخا عريقا للقدس فانها تمثل بالنسبة للمحاضر رشيد الخالدي، استاذ كرسي ادوارد سعيد للدراسات العربية في جامعة كولومبيا،الذي قدم المحاضرة يوم الثلاثاء في المتحف البريطاني، جزءا من تاريخ عائلته حيث دفن عدد من ابناء عائلته فيها. وكان الخالدي واضحا في بداية محاضرته ‘محاضرة ادوارد سعيد السنوية الثانية في لندن’ عن علاقته العاطفية بالمقبرة وانه كان واحدا من ستين شخصا وهيئة وقعوا على العريضة التي قدمت للامم المتحدة كي يلفتوا انتباه المؤسسة الاممية إلى المخاطر المحيقة بالتراث الاسلامي في فلسطين، مع اعترافه بأن هذه المؤسسة دائما تعمل ببطء، ووجه العريضة هو الاذن الذي حصل عليه مركز سيمون فيزنتال في لوس انجليس بإقامة مركز ‘الكرامة الانساني’ على تراب المقبرة. وهو تناقض واضح ومثير للسخرية حيث يتم حفر القبور من اجل تأكيد الكرامة الانسانية، وما لفت الانتباه في هذا السياق ان الخالدي اثناء زيارة وزارة الخارجية الامريكية حيث التقى مع مسؤولين فيها ليخبرهم عن المشروع وخطورته على سكان القدس من العرب وتاريخهم ليفاجأ بسؤال احد المسؤولين عن العريضة ان كانت تؤثر على شرعية وجود اسرائيل. واستغرب الخالدي من سؤال يطرحه مسؤول كبير في دولة تحكم العالم، ويتساءل: كيف وصل الخطاب السياسي الامريكي لهذه الدرجة المتدنية واللغة التي تمتُّ الى لغة اليمين المتطرف؟ في محاضرته عرض الخالدي قصة المقبرة والكفاح من اجل انقاذها وفي ثنايا الحديث عن كرامة الموتى المهدورة في بلد يريد اقامة مركز للكرامة على كرامتهم المنتهكة، قدم الخالدي قصة المقبرة وتاريخها، حيث استهل حديثه بالاشارة الى عملية النهب الفارسي للقدس والاحتلال الصليبي لها في القرن الحادي عشر الميلادي، كي يقارن بين نهب الماضي ونهب الحاضر. ووجه الحديث ان ‘ماميلا’ كانت المكان الذي القى فيه الفرس قتلاهم من ابناء المدينة عندما احتلوها عام 614 قبل الميلاد، وفيها دفن الصحابة والتابعون عند الفتح الاسلامي للمدينة عام 636 وفيها دفن قادة جيش صلاح الدين عندما حرر القدس عام 1187. وقدم الخالدي مقاربة تاريخية وعرضا مفصلا عن وضعية الاماكن المقدسة الاسلامية التي الحقت بما يعرف بحارس املاك الغائبين الاسرائيلي على خلاف الوقفيات المسيحية واليهودية التي ظلت تحافظ على استقلاليتها الدينية عن الدولة. وهذا امر ملفت لأن هذه الهيئة تظل مفتاحا للمصادرة والاستيلاء على املاك ‘الغائبين’. وتحدث الخالدي عن العهود المتكررة التي قطعتها الدولة على نفسها لحماية الاماكن الاسلامية لتعود مرة اخرى لحنثها. ففي قصة ‘ماميلا’ لم تف اسرائيل بوعدها عندما سمحت ببناء مصف للسيارات قريب منها في الستينيات من القرن الماضي. فاسرائيل تعرف ان المقبرة معلم اثري مهم وهو ما اعترفت به ادارة الانتداب البريطانية عام 1944، بل واعترفت اسرائيل عام 1948 بانها مقبرة اسلامية تؤوي العديد من جنود صلاح الدين والعلماء المسلمين. لكن معرفة اسرائيل شيء وتصرفاتها شيء آخر. ففي ثنايا القصة نجد ان ما تعرضت له المقبرة من اعتداءات وليّ ٍ لعنق القانون وتجاوزات قانونية وانتهاكات في عرف القوانين الدولية وميثاق جنيف، هي صورة عمّـا حدث لكل المشاهد الاسلامية والمقابر التي لم تراع كرامة موتاها. وسرد الخالدي الاجراءات الاسرائيلية التي قادت لتدمير المقبرة على الرغم من تقرير البحث الاركيولوجي الذي اكد للمحكمة العليا الاسرائيلية خطأ الادعاءات التي اقامت عليها بلدية القدس ودائرة ارض اسرائيل هدم ما تبقى من المقبرة 220 قبرا اضافة الى اكثر من 500 قبر دمرت في فترات سابقة، مشيرا الى ان الباحث الذي اوكلت اليه مهمة البحث لم يعط له الوقت الكافي كي يقوم بالتنقيب عن بقايا الموتى ويثبت ان القبور كانت مأهولة. والمهم في محاضرة الخالدي انها وضعت واحدة من قصص الهدم المستمر للتراث الفلسطيني والانساني من قبل اسرائيل، حيث سلطت الضوء على الشبكة المعقدة من الاجراءات والقوانين التي تقوم بناء عليها ومتذرعة بها لمصادرة اراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم. وبالعودة الى مركز سيمون فيزنتال، والذي يقوم ببناء المركز وكلفته 200 مليون دولار، فقد شرع ببناء المركز الذي صممه فرانك غيهري عام 2005 وكان من المتوقع الانتهاء منه عام 2007 لولا احتجاجات تقدم بها متولي المقبرة ومؤسسات اسلامية وعليه قررت المحكمة العليا الاسرائيلية وقف البناء ثم عادت وسمحت بتدمير ما تبقى منها والسماح بمواصلة البناء وذلك بناء على كون المقبرة قد هدم اجزاء منها في الستينيات وبني عليها مصف للسيارات، ولأن العديد من الاماكن القديمة قد بني فوقها بسبب تاريخ القدس الذي يعود إلى آلاف السنين. ويبدو ان المركز الامريكي اختار المكان الطاهر بالنسبة للمسلمين وقرر بناء المركز عليه ليكون صورة عما تريده اسرائيل فالتصميم يحتوي على متحف، ومركز تعليمي، وقاعة مؤتمرات، ومسرح ومكتبة. وبعد ان حصل المركز على القرار كتب معلق في صحيفة ‘هآرتس’ الاسرائيلية قائلا ان مركز فيزنتال ‘احتفل بيومه في المحكمة، وبعمله هذا فقد داس على قيم الكرامة الانسانية والتسامح والاخوة والثقة المتبادلة’ التي يدعي المركز انه يعمل من اجلها. فنبش القبور وتدميرها و ‘رميها’ في مكان مجهول يعتبر من اكثر الاعتداءات على كرامة الانسان، وعلى حرمة الميت التي يؤكد على احترامها الاسلام كما جاء في محاضرة الخالدي. وهو الذي قال عندما اقرت المحكمة العليا قرار الهدم ‘ان التجاهل الفظ لأبسط القيم الأساسية للتسامح من خلال بناء هذا المتحف في أعرق مقبرة إسلامية في القدس ليس مجرد إهانة من قبل مركز سيمون فيزنتال للكثير من الأسر المقدسية، مثل أسرتي، التي دفن أجدادها هناك منذ عدة قرون، بل يمثل انتهاكا صارخا أيضا للمسؤوليات الأخلاقية والمعنوية والقانونية التي تقع على عاتق الحكومة الإسرائيلية، التي احتجت هي نفسها مرارا وتكرارا على تدنيس المقابر اليهودية القديمة في القدس بين عامي 1948 و 1967’. ومهما يكن في تفاصيل المحاضرة فقد اكد الخالدي على اهمية الفعل وان كان صغيرا من اجل تنوير الرأي العام حول المخاطر المحدقة بالهوية الفلسطينية فالحملة التي قادتها العائلات المقدسية ضد عملية البناء، شملت مقالات ومقابلات مع الاعلام، وحملات قانونية، ومحاولة للفت انتباه صناع القرار الامريكي، والوصول الى الامم المتحدة واليونسكو. وشاركت في الحملة 15 منظمة حقوقية. في قصة تنظيم الحملة من اجل ‘ماميلا’، تأكيد على ان الفعل وان كان صغيرا سيترك في النهاية اثره ويحدث حراكا في البحيرة الراكدة، وهو ما المح اليه الخالدي في حديثه عن التظاهرات على الحدود في لبنان وسورية وداخل الارض المحتلة في ذكرى النكبة، مقاربا مع ما حدث في القاهرة من الزحف نحو ميدان التحرير والذي بدأ بجماعات صغيرة ثم كبرت كرة الثلج واسقطت النظام. مقبرة ‘ماميلا’ كانت اكبر المقابر الاسلامية في القدس وقد قدرت مساحتها عام 1929 بنحو 138 فداناً وهي المساحة التي سجلت فيها في دائرة الاراضي عام 1938. ولأنها من اقدم واكبر المقابر الاسلامية فتاريخها لم يفت الرحالة المسلمين فقد ذكرها عبدالغني النابلسي في رحلته بانها ‘اكبر مقابر البلد وفيها خلق كثير من الاكابر والاعيان والشهداء والصالحين وفيها عدد كبير من الصحابة والتابعين’، ومن بين الصحابة الذين دفنوا فيها عبادة بن الصامت، ولم يفت تاريخها على مؤرخ القدس عارف العارف الذي وصفها في كتابه ‘المفصل في تاريخ القدس’، حيث رأى فيها عنوانا لتاريخ المدينة وتطورها في الوقت الذي قالت فيه اسرائيل ان المقابر وهمية، فبالاضافة للموتى الذين دفنوا في مقابر جماعية منذ عهد الغزو الفارسي والحكايات التي تقول ان الصليبيين دفنوا فيها الالاف ممن ذبحوهم، فالمقبرة تضم رفات اكثر من سبعين الفا من المسلمين والعلماء والزهاد والاعيان وظلت مدفنا حتى عام 1927، عندما اصدر المجلس الاسلامي الاعلى امرا حظر فيها الدفن بسبب اكتظاظها. وقام المجلس الإسلامي الأعلى أيام الانتداب البريطاني على فلسطين بترميمات متكررة لسور المقبرة وغرفة الحارس. ويمكن النظر الى ما آل اليه حال المقبرة حيث انه نهاية لسلسلة اعتداءات على المقبرة بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فلم تسلم المقبرة في تلك الفترة من اذى اليهود التي القوا فيها القمامة حسب تقارير مدير الاوقاف التي تعود لتلك الفترة. وظل اليهود يلاحقون المقبرة قضما وتشويها، بعد النكبة، ففي عام 1967 حولت اسرائيل جزءا كبيرا من المقبرة الى حديقة عامة ، دعيت بحديقة الاستقلال، بعد أن جرفت القبور ونبشت العظام البشرية وقامت بزرع الأشجار والحشائش فيها، وشقت الطرقات في بعض أقسامها، وظلت المقبرة تعاني من الحفريات والمشاريع، ففي عام 2000 قامت شركة الكهرباء الإسرائيلية بأعمال حفريات في المقبرة، في الجهة المقابلة بجانب الشارع الرئيسي مما اقلق راحة الموتى، فيما تم استخدام جزء من المقبرة كمقر دائم لوزارة التجارة والصناعة الإسرائيلية. وتجب الاشارة إلى ان كل اعمال الحفر والتشويه تمت في عهد رئيس بلدية القدس السابق تيدي كوليك. قصة ‘ماميلا’ هي قصة فلسطين المسروقة وقد ذكـّر الخالدي مستمعيه البريطانيين والعرب بما عانى منه الفلسطيني، سواء كان بشرا او حجرا، حيا أو ميتا، من ملاحقة الاسرائيلي له. ‘ماميلا’ يبني عليها الاسرائيليون متحفا للكرامة، تماما كما بنوا على انقاض دير ياسين مستشفى للامراض العقلية، وعلى انقاض تلك القرية او تلك مصانع وقرى زراعية فيما تركوا مآذن المساجد عالية بعدما حولوا المسجد الى معلم سياحي او تركوه مهجورا يعيش فيه مدمنو المخدرات. لرشيد الخالدي العديد من الكتب والدراسات عن الهوية الفلسطينية اضافة الى ‘القفص الحديدي’ (2006) و’ تحت الحصار: صناعة القرار في منظمة التحرير الفلسطينية اثناء حرب عام 1982′ و ‘بذور القومية العربية’، اضافة إلى العديد من الكتب والدراسات الاكاديمية وقد قدمت المحاضر مريم سعيد، ارملة الراحل ادوارد سعيد، وذكـّرت بأصول عائلة المحاضر المتجذرة في القدس، واشارت الى ان جده احمد سامح الخالدي هو من المربين والمؤرخين المشهورين وكان مديرا للكلية العربية والتي تعتبر من اهم المدارس في فلسطين الانتدابية. و’ محاضرة ادوارد سعيد في لندن’، تنظمها وتدعمها ماريا وسمير قرطاس الى جانب ‘مؤسسة قطان’، و’لندن بوك ريفيو’، و’ المتحف البريطاني’. ومن الاسماء التي ستقدم المحاضرة في الاعوام القادمة: اهداف سويف (2012) ونعوم تشومسكي (2013) ونعومي كلاين (2014) ودانيال بارينباوم (2015).ناقد من اسرة ‘القدس العربي’