واشنطن-“القدس العربي”: خفف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه إيران، مدعياً بأنها قد تراجعت، كما رحب بالهدوء بعد التوترات المتزايدة بين واشنطن وطهران، والتي أثارت المخاوف من احتمال اندلاع حرب في المنطقة. وكان واضحاً من خلال خطابه الأخير أنه كان يبحث عن مخرج من طريق الأعمال العدائية والقتالية بعد أن فشلت الضربات الصاروخية الإيرانية في قتل أو إصابة أي شخص في قاعدتين عراقيتين تأويان أفراداً أمريكيين وقوات التحالف.
وبدلاً من ذلك، قالت إدارة ترامب إنها ستفرض عقوبات اقتصادية إضافية على طهران، ودعاء الحلفاء الأوروبيين إلى لعب دور أكبر في ضمان الاستقرار في المنطقة، كما ناشد قادة إيران العمل مع الولايات المتحدة بشأن “الأولويات المشتركة”.
ولبضعة أيام، كان العالم على أهبة الاستعداد، ويتساءل كيف سترد إيران على الضربة الأمريكية ضد الجنرال قاسم سليماني في الأسبوع الماضي، وما هي الخطوات المقبلة لإدارة ترامب؟ وفي نهاية المطاف، أفسحت التحذيرات الأمريكية الصارمة وخطابات ترامب الصارخة ضد استهداف الأصول الأمريكية، المجال لفتح الطريق أمام الدبلوماسية، على الرغم من أن الجهود المماثلة لم تثمر حتى الآن.
وتفاخر ترامب بأنه أزال سليماني وزعيم تنظيم “الدولة” أبو بكر البغدادي، وأنه لم يفقد أي أمريكي حياته، وهاجم كعادته ما وصفه بالمفاوضات الحمقاء لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما مع طهران، وتباهى الرئيس الأمريكي بأن استثماراته في الإنتاج العسكري والنفطي قد أعطت الولايات المتحدة نفوذاً كبيراً على إيران.
ووفقا لمسؤول سابق في الإدارة الأمريكية، فإن ترامب يريد استخدام ما حدث مع إيران كدليل إضافي على أنه رجل قوي، وأنه يعرف كيف يتعامل مع الأعداء، مشيراً إلى أن الخبراء ورجال الصحافة يبالغون في فهم ما سيأتي بعد ذلك.
وكانت نبرة ترامب بمثابة تطور مرحب به للحلفاء في الكونغرس، حيث استرضت كلماته “الجمهوريين الصقور” الذين احتفلوا بالضربة ضد سليماني، وفي الوقت نفسه، لم تتم المخاطرة بقطع حملة “أمريكا أولا” والتي تقترح إنهاء تورط الولايات المتحدة في النزاعات الخارجية.
عقوبات جديدة
ولكن من غير المرجح، وفقا لاستنتاجات بعض الخبراء، أن يكبح خطاب ترامب الأخير، بعد الضربات الإيرانية، القلق المحيط بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، أو بالتوجهات الإيرانية المستقبلية على الرغم من أن ضرباتها لم تسفر عن وقوع إصابات، وهي علامة اعتبرها الخبراء تعني أن إيران لا تتطلع إلى رد فعل أمريكي أكثر عدوانية.
وقال الباحثان مورغان شالفانت وبريت صاموئيل إن طريقة تعامل ترامب مع طهران تدعو للاهتمام، إذ فرض عليها عقوبات من الانسحاب من الصفقة النووية، واعتبرها مراراً من الإجراءات الإيرانية الاستفزازية، بما في ذلك إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار واستهداف ناقلات النفط الأجنبية في مضيق هرمز، وفي كل حال، اختار ترامب نشر قوات إضافية ومعدات في المنطقة أو فرض عقوبات، ولكنه امتنع عن استهداف طهران بشكل مباشر.
وتذبذبت تصريحات ترامب بين التهديدات الشاملة ضد إيران وقادتها والتعبير عن استعداده للقاء هؤلاء القادة أنفسهم، وبالنسبة للعديد من المحللين، فإن عدم القدرة على التنبؤ بترامب، وخاصة في عام الانتخابات، يمكن أن يجعل من الصعب على الحلفاء التعامل مع الطريقة التي يأمل في المضي بها في المنطقة.
وعلى أي حال، أشاد العديد من المشرعين بخطوات ترامب في التهدئة، وعلى سبيل المثال، أيد النائب مايك غالاغر “جمهوري” سياسة ترامب في تخفيف التوتر مع إيران من خلال التركيز على العقوبات بدلاً من المزيد من الأعمال العدائية.
وقال غالاغر، وهو من قدامى المحاربين في حرب العراق وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، إنه يعتقد أن الولايات المتحدة ستمضي في اتجاه زيادة الضغط الاقتصادي الأقصى على النظام الإيراني، وأضاف “إذا لم يفعل الإيرانيون الكثير من الرد بعد إخراج قاسم سليماني من ساحة المعركة، فهذا انتصار هائل لإدارة ترامب.
وكان ترامب قد أكد خلال خطاب ألقاه أمام الشعب الأمريكي أنه سيفرض عقوبات جديدة على طهران في أعقاب الهجمات الصاروخية على قاعدتين عراقيتين تستضيف القوات الأمريكية.
وجاءت تصريحات ترامب بعد أقل من أسبوع من أمره بشن غارة جوية اسفرت عن مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وقد تم وصف هذه الخطوة كإجراء دفاعي من قبل إدارة ترامب، على الرغم من أن الديمقراطيين رفضوها باعتبارها استفزازاً غير ضروري.
وقالت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، إنه يجب ضمان سلامة اعضاء الخدمة العسكرية، وانهاء الاستفزازات التي لا داعي لها من قبل الإدارة ومطالبة إيران بوقف أعمال العنف.
آفاق جديدة في الصراع
وقد أسفرت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأسبوعين الماضيين، وفقا لمجموعة من المحللين، عن آفاق جديدة في الصراع المستمر منذ 40 عاماً، حيث ردت طهران على الضربة الأمريكية في العراق ضد قائد الحرس الثوري وقائد قوة القدس قاسم سليماني بإطلاق صواريخ على قواعد عسكرية أمريكية في العراق.
وعلى الرغم من عدم وقوع إصابات، فقد تبادل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الأعلى الإيراني التوبيخات وإصدار التحذيرات الصارمة بشأن التصعيد المحتمل بعد الوضع الحالي. وحسب ما ذكره العديد من الباحثين، فإن الأيام والأسابيع المقبلة ستخبرنا إذا كانت العمليات العسكرية ستستأنف في هذه الأثناء، وهناك قلق أمريكي بشأن استخدام إيران للإرهاب بشكل متصاعد مقابل قلق إيراني من النهج الأمريكي ضد هذا التوجه.
وقال محللون أمريكيون إن إيران تحتفظ بمجموعة من القدرات غير المتماثلة، التي يمكن استخدامها في الصراع المستمر مع الولايات المتحدة إذا سمح المرشد الأعلى بمثل هذه العمليات، ومن بين هذه القدرات مواصلة دعم ما تسميه واشنطن بالنشاط الإرهابي في جميع أنحاء المنطقة وأجزاء أخرى من العالم.
وبالنسبة لبعض الخبراء، فقد أثبتت التطورات الأخيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران أن سياسة الضغط الأقصى لإدارة ترامب غير فعالة، وقالت باربرا سلافين مديرة مبادرة مستقبل إيران في مجلس الأطلسي للعلاقات الخارجية إن سعي الولايات المتحدة لمنع إيران من تصدير أي نفط، والذي بدأ بعد عام من انسحاب أمريكا من الاتفاقية النووية الإيرانية لعام 2015 كان أمراً مقلقاً للغاية للمجتمع الدولي، الذي كان يريد إنهاء الأزمة.
وتعليقاً على تهديدات ترامب بفرض عقوبات جديدة على إيران، أضافت باربرا بأنها لا تستطيع تخيل ما تبقى للعقوبة، فقد كانت سياسة الضغط الأقصى بأكملها بمثابة الفشل الأقصى. وأوضحت الباحثة أن الدول لا تتفاوض أو تساوم عندما يكون “ظهرها على الحائط” لا سيما الدول الاستبدادية، فكلما زادت الضغوط التي تمارس ضدها، كلما أصبحت أكثر عناداً، وأكدت أنها لا تعتقد أن هذه السياسة برمتها قد تم تنفيذها في المقام الأول لأسباب سياسية محلية، وأن دونالد ترامب أو إدارته قد أظهرت فهماً حقيقياً للعواقب.
ورفض العديد من المحللين المقارنة بين استجابة إيران لتكتيكات الضغط العالمي في الماضي كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية وبين ما يحدث الآن، وقالوا إن الحرب التي استمرت ثماني سنوات قضت على الاقتصاد الإيراني، وأودت بحياة أو جرح مليون شخص، وكما انتهت الحرب من حيث بدأت، فلم تخسر إيران أي أرض، وأصرت على صدور قرار من الأمم المتحدة يلقي باللوم على الرئيس العراقي السابق صدام حسين لبدء تلك الحرب.