الاتحاد الأوروبي يلعب دور العاقل في المواجهة الأمريكية الإيرانية

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

خلال الأسبوع الأول من التصعيد الشرس في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لعب الاتحاد الأوروبي دور الطرف العاقل الذي يحاول ان يبلور موقفا متميزا يدعو إلى التهدئة وتخفيف التوتر ومنع التصعيد العسكري. وقد أظهرت التحركات الدبلوماسية الأوروبية نجاحا ملموسا، بمقاييس مؤشرات ردود الفعل بين الطرفين المصارعين، بعد عملية اغتيال قائد فيلق القدس، الجنرال الإيراني قاسم سليماني فجر الجمعة 3 كانون الثاني/يناير 2020. ونستطيع من خلال متابعة التحركات الأوروبية منذ ذلك التاريخ رصد المؤشرات التالية:

أولا: عمدت دول الاتحاد الأوروبي التي لها وجود عسكري في العراق وغيرها من الدول الأوروبية وكندا، أولا وقبل أي شيء إلى ضمان أمن قواتها ومواطنيها في كل من العراق وإيران. وقد تضمنت الإجراءات الاحترازية التي تم إعلانها بصورة منفردة من جانب القوى الأوروبية الرئيسية، طلب عدم السفر مؤقتا إلى كل من البلدين المعنيين، واتخاذ كافة احتياطات الأمان اللازمة للمواطنين المقيمين في كل منهما. وفي هذا السياق قررت بريطانيا مثلا تخفيض عدد العاملين في سفارتيها في كل من طهران وبغداد، مع استمرار العمل، وبقاء السفيرين. كذلك قررت ألمانيا ودول حلف الناتو تخفيض عدد أو نقل كل الجنود الذين يتولون مهاما للحلف في العراق. وفي هذا السياق أعلنت ألمانيا تخفيض العدد، بينما أعلنت دول أخرى أوروبية وغير أوروبية نقل كل أو بعض جنودها من العراق إلى الكويت والأردن.

ثانيا: سعت القوى الأوروبية الرئيسية بسرعة إلى تنسيق مواقفها من التصعيد الأمريكي، قبل البدء في ممارسة دبلوماسية نشطة مع الطرفين المتصارعين. ولتحقيق ذلك جرت عشرات المكالمات الهاتفية بين رؤساء السلطات التنفيذية وبين وزراء الخارجية والدفاع، كان من أهمها الاتصالات التي جرت بين باريس وبرلين ولندن وبروكسل. وقد ساعدت هذه الاتصالات على بلورة موقف مشترك من الناحية المبدئية، يقوم على الدعوة إلى ضبط النفس والالتزام بتخفيض التوتر ومنع تدهور الموقف، كما يدعو إلى الحوار من أجل نزع فتيل الأزمة، مع ضرورة الضغط المعنوي على إيران لاحترام بنود الاتفاق النووي مع القوى الرئيسية في العالم.

وعلى أساس هذا الموقف الذي تبلور بسرعة، جرت اتصالات بين القيادات الأوروبية مع كل من الولايات المتحدة وإيران والعراق. وكان من أهم الاتصالات تلك التي جرت بين المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك الاتصال الطويل والمهم الذي أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع الرئيس الإيراني حسن روحاني. وإلى جانب الاتصالات مع كل من ترامب وروحاني، فقد جرت أيضا اتصالات مهمة مع الرئيس العراقي برهم صالح، ومع رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

ومن أجل تعزيز وحدة الموقف الأوروبي فقد التقي وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في بروكسل في اليوم السابق للضربة الصاروخية الإيرانية، التي استهدفت قاعدتين للقوات الأمريكية في العراق. وتم في الاجتماع الثلاثي الاتفاق على أن يسافر إلى واشنطن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب لعرض الموقف الأوروبي على الإدارة الأمريكية، ومحاولة الاتفاق على ترتيبات من شأنها أن تحقق ما تسعى إليه أوروبا من وقف التصعيد في الشرق الأوسط.

ثالثا: اتفقت دول الاتحاد الأوروبي على عقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية يوم الجمعة 10 كانون الثاني/يناير لمناقشة الأزمة الأمريكية-الإيرانية وتداعياتها والموقف في العراق، واتخاذ قرارات واضحة بشأن التداعيات المحتملة خصوصا فيما يتعلق بأمن وسلامة المواطنين الأوروبيين المدنيين والعسكريين في المنطقة، وكذلك أمن الممرات البحرية، خصوصا مضيق هرمز، مع تقديم مقترحات لاحتواء الصراع، وفتح الطريق إلى حوار، يضمن تخفيف التوتر والتهدئة على المدى الطويل.

الدور المستقل

وعلى الرغم من وحدة الموقف الأوروبي ظاهريا، فإن بعض الدول تسعى إلى اتخاذ موقف أكثر تشددا من إيران. وقد عبر رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان بشكل صريح عن ذلك، داعيا لأن يكون الموقف الأوروبي أقرب ما يكون إلى موقف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع وجود خلافات في وجهات النظر، فإن الاتجاه الذي عبرت عنه القوى الأوروبية الرئيسية، إلى جانب مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو يميل إلى استمرار المحافظة على الدور الأوروبي المستقل، الذي يدعو للتهدئة وتخفيض التوتر والحوار. وقد أظهر كل من الرئيس الجديد للمجلس الأوروبي تشارلز مايكل، والرئيس الجديد للمفوضية الأوروبية أورسولا فون در لين في تصريحاتهما، التزاما بالموقف الأوروبي المستقل.

ويمكن القول بشكل عام أن لغة التصريحات الأمريكية منذ يوم 8 كانون الثاني/يناير قد اختلفت عنها قبل ذلك، بما في ذلك التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي ووزيري الخارجية والدفاع. وظهر هذا الاختلاف في تبني موقف أقل تشددا والتراجع عن التهديد بضرب مواقع ثقافية في إيران، مع التأكيد على الالتزام بالقانون الدولي الذي يعتبر الاعتداء على مواقع ثقافية وتاريخية جريمة حرب طبقا لمعاهدة لاهاي عام 1947 والقرار أصدره مجلس الأمن الدولي عام 2017 وافقت عليه الولايات المتحدة. كما تضمنت لغة التصريحات الأمريكية الجديدة، اتجاها إلى وقف التهديد بشن عمليات قتالية أو توسيع نطاق المواجهة مع إيران، رغم إعلان الاستعداد لأي حرب في حال حدوث ذلك من الطرف الآخر.

ومع أنه لا يمكن أن نعزو سبب التحول في لغة التصريحات الأمريكية إلى الموقف الأوروبي، إلا إنه لا يمكن إنكار التأثير المعنوي لهذا الدور. وقد اهتم الرئيس الأمريكي بالدعوة إلى دور أكبر لحلف الناتو في العراق، وزيادة مشاركة الأوروبيين في جهود الحد من المواجهات في الشرق الأوسط. ويلاحظ ان البيانات الرسمية التي صدرت بشأن الاتصالات الهاتفية، خصوصا بين كل من جونسون وميركل من ناحية وبين ترامب من ناحية أخرى، قد تضمنت التأكيد على مواصلة الحوار بشأن الوضع في العراق وإيران.

رابعا: الاهتمام الأوروبي الشديد بالمحافظة على الاتفاق النووي، بوصفه السبيل الأفضل لمنع الانتشار النووي في إيران والخليج، والمحافظة على استقرار المنطقة. وقد أثار إعلان إيران امتناعها عن الالتزام ببنود الاتفاق النووي فيما يتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم وكميته مخاوف كبيرة عند الأوروبيين. وتعتبر القوى الأوروبية الرئيسية الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني، مع كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، أن التزام إيران الكامل بالاتفاق يمثل حجر زاوية في علاقتها بالعالم، وبالاستقرار في الخليج والشرق الأوسط. وقد رد وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بقوة على قرار إيران تخفيض التزامها ببنود الاتفاق. ووصف وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان هذا القرار بأنه يفرغ الاتفاق من محتواه، وانه لا يجب السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي.

الاتفاق النووي

وتعتبر دول الاتحاد الأوروبي بشكل عام أن المحافظة على الاتفاق النووي، تحتل الترتيب الثاني في أولويات سياستها تجاه إيران، بعد تحقيق التهدئة المطلوبة أولا. غير أن أوروبا فشلت منذ عام 2018 في أن تقدم إلى طهران ما يقنعها بالمحافظة على التزاماتها في الاتفاق النووي، خصوصا فيما يتعلق بتعويضها عن العقوبات التي أعادت الولايات المتحدة فرضها منذ قرر ترامب من جانب واحد الانسحاب من الاتفاق. وتدعو إيران دول الاتحاد الأوروبي إلى إظهار مصداقية رغبتها في المحافظة على الالتزام بالاتفاق النووي، عن طريق تقديم حزمة التعويضات التجارية التي وعدت بها من خلال آلية للتجارة تتجنب العقوبات الأمريكية INSTEX. وتبني إيران موقفها بشأن تخفيف التزاماتها، على أساس أن طرفا من أطراف الاتفاق انسحب منه بقرار منفرد، وأن الأطراف الأوروبية لم تقدم ما وعدت به لتعويض إيران عن ذلك، في مقابل التزامها الكامل بالاتفاق.

وقد أكدت بريطانيا، المعروف عنها انحيازها للموقف الأمريكي، ان الاتفاق النووي مع إيران هو أفضل الطرق لمنع الانتشار النووي، والحيلولة دون دخول منطقتي الشرق الأوسط في حلقات جديدة من تصعيد التوتر. لكن نجاح الاتحاد الأوروبي في تحقيق ذلك يتوقف على القدرة على تقديم الحوافز الكافية لإيران للامتثال، وكذلك على ممارسة الضغوط الكافية على الولايات المتحدة لمنع التصعيد، والكف عن فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، وهي العقوبات التي أدت فعلا إلى تعقيد جهود التنمية في إيران.

على الصعيد العالمي تتخذ الصين وروسيا موقفا متضامنا مع إيران، وتدعو إلى عدم التصعيد، لكنها تدين سياسة الغطرسة الأمريكية وتحذر من نتائجها، وتندد باللجوء إلى الحرب أو التهديد بها، وتدعو لإسقاط العقوبات. أما على الصعيد العربي فإن سلطنة عمان تلعب دورا دبلوماسيا نشطا في المواجهة الأمريكية-الإيرانية، مستندة على إسهاماتها في تسهيل التوصل إلى الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية عام 2015.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية