بغداد ـ «القدس العربي»: لن يتمكن العراق من الصمود طويلاً بوجه العقوبات الاقتصادية الأمريكية المزمع فرضها على هذا البلد المثقل بالأزمات، في حال مضت حكومة تصريف الأعمال بتنفيذ قرار البرلمان القضائي بإخراج القوات الأمريكية من العراق، وفيما تشير التحليلات السياسية إلى أن تغيير سياسة واشنطن تجاه بغداد يأتي بعد توقيع حكومة عبد المهدي 8 اتفاقيات استراتيجية مع الصين في أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، الأمر الذي أثار غضب الولايات المتحدة.
وكشفت وسائل إعلام أمريكية معلومات استقتها من مسؤولين عراقيين تفيد أن الولايات المتحدة حذرت العراق من مخاطر فقدان إمكانية الوصول إلى حساب الاحتياطي الفدرالي في نيويورك الذي يحتفظ بعائدات النفط إذا طردت بغداد القوات الأمريكية.
وعلى هذا الأساس، عقدت اللجنة المالية في البرلمان العراقي اجتماعاً بحضور محافظ البنك المركزي ورئيس ديوان الرقابة المالية ووكيل وزير المالية، فضلا عن معاون المدير العام للمصرف العراقي للتجارة لبحث «المخاطر المحتملة» التي ستواجه العراق في حال فرض العقوبات، والتي لا يمكن مقارنتها بالحصار المفروض على العراق في تسعينيات القرن الماضي.
عضو اللجنة المالية، والتي حضرت الاجتماع الأخير، النائبة ماجدة التميمي، قالت في بيان لها، إن «الحضور عن الجانب الحكومي قدموا عرضا عن المخاطر المحتملة في حال فرض عقوبات على العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومنها: إمكانية إيقاف تزويد العراق بالدولار النقدي، وهو إجراء سهل اتخاذه من قبل الولايات المتحدة نظرا لأن الدول لديها السيادة الكاملة على عملتها، وهذا من شأنه التأثير سلبا على ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار وهنا ليس للعراق خيار سوى الذهاب إلى التعامل بعملات أخرى مما سيحتاج إلى فترة ليست بالقصيرة، مثال ذلك التحول إلى التعامل بعملة اليورو، مما يعني الدخول بمفاوضات ليست بالهينة مع البنوك الأوروبية، اذْ أن معظم البنوك العالمية لديها شروط صعبة وقيود للتعامل مع العراق بوصفه بلدا غير مستقر ولديه مشاكل عديدة وسيتم التعامل معه بحذر شديد، فضلا عن أن التحول إلى عملات أخرى يتطلب تغيير السلوك التجاري للبلد».
وطرحت التميمي تساؤلاً مفاده: «هل البلد المعني لديه الإمكانية على تزويد العراق بالكمية التي سيحتاجها من العملة نقدا، إذ أن هذه الدول قد لا تمتلك هذه الإمكانية في ضخ كميات كبيرة من العملة النقدية؟».
ومن بين المخاطر المحتملة هو ذهاب الولايات المتحدة الأمريكية إلى «حرمان جهات معينة في العراق من القيام بنشاطاتها أو قد تصدر حظرا للتعامل معها من قبل معظم الشركات العالمية لما لها من تأثير على هذه الشركات (بشكل مباشر أو غير مباشر) تحكمها مصالح تلك الشركات، مثال على ذلك حظر التعامل مع شركات معينة مختصة بتسويق النفط العراقي».
الجهات الدائنة
واعتبرت أن «الخطر الآخر هو إدراج كيانات معينة بالحظر، هذه الكيانات قد تكون (أشخاصا أو شركات أو مصارف) إذْ تقدم الخزانة الأمريكية قائمة بأسماء محددة لحظر التعامل معهم بالدولار أو قد تقوم بتجميد أصولهم»، في حين أشارت إلى أن «الاحتمال الآخر هو تقديم طلبات من قبل الجهات الدائنة للضغط من أجل تعجيل تسديد ديونهم (دول أو أفراد) وبشكل فوري، وهنا نشير إلى أن العراق مديون بـ (28) مليار دولار كديون خارجية عدا الديون البغيضة (ديون دول الخليج) البالغة (41) مليار دولار، وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية عام 2004، المادة 21 الفقرة ج منها، فقد تحققت الحصانة على احتياطي البنك المركزي (غطاء العملة)».
مختصون ماليون: مُقبلون على مخاطر أقسى من حصار التسعينيات
وفي حال جاء قرار الحكومة العراقية بسحب الأموال العراقية من الولايات المتحدة الامريكية وإيداعها في مصارف الدول الأخرى، فعدّت التميمي إنه «سيكون بدرجة الخطورة ذاتها، إذْ تنفذ البنوك العالمية قرارات الولايات المتحدة الأمريكية لوجود تأثيرات مباشرة وغير مباشرة عليها، فضلا عن أن أغلب المصارف العالمية ليس لديها الاستعداد للتعامل مع العراق بسبب ارتفاع درجة المخاطر فيها، ولابد من التنويه ان كل مدفوعات العراق هي بعملة الدولار، وعليه، فإن العراق سيخسر حال التحويل الى عملات أخرى (خسائر فرق التحويل)».
ويعوّل العراق على النفط كمورد أساسي لموازناته المالية، والذي تحوّل أمواله بشكلٍ مباشر إلى البنك الفدرالي الأمريكي، وسط غياب شبه تام لإيراداته الأخرى من القطاعات التجارية والزراعية والصناعية وغيرها، والتي لا ترفد الناتج الإجمالي المحلي بشيء يُذكر.
ومن الجدير بالذكر أن موازنة عام 2020 ارتفعت فيها النفقات الجارية وبشكل ملحوظ، فضلا عن زيادة الأعباء التي ستتحملها الموازنة لاسيما في فقرة الرواتب، اذْ قفزت فقرة تعويضات الموظفين من (43) تريليون (نحو 36 مليار دولار) في موازنة 2019 إلى (53) تريليون دينار (44 مليار دولار) في موازنة 2020.
ونوهت التميمي إلى أن «لا يمكن مقارنة الحصار الاقتصادي الذي تم فرضه على العراق في التسعينيات وكيفية ادارته وتدبير الأموال اللازمة لتسديد الالتزامات مع الوضع الراهن للعراق الذي لا يستطيع أن يتحمل هكذا صدمات، إذ يوجد فرق كبير في أعداد الموظفين ومن ثم الرواتب، فضلا عن وجود شركات صناعية رابحة آنذاك استخدمت أرباحها لتغطية الرواتب»، ناهيك عن «مقدار الاعتمادات المستندية والتي جلها بالدولار وإلى وجود (14) مليار دولار مبالغ محجوزة لغرض تغطية استيرادات القطاع الحكومي وكفالات وزارة المالية».
وختمت عضو اللجنة المالية البرلمانية بالقول: «لا بد من دراسة الموقف والأخطار المحتملة على العراق بشكل مستفيض تمهيدا لاتخاذ القرارات السليمة، ووضع البدائل المستندة الى تحقيق مصلحة العراق أولا وأخيرا».
إلى ذلك، حذّر رئيس حزب الحل جمال الكربولي، أمس الأحد، في «تغريدة» له في موقع «تويتر»، من تداعيات التهديد الأمريكي بتجميد رصيد العراق في بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي الذي يضم أموال النفط المودعة ولما لذلك من آثار كارثية على الاقتصاد العراقي، مؤكداً: «لا تغامروا باقتصاد العراق».
وكردٍ على العقوبات الأمريكية وتحوّل السياسة الأمريكية تجاه العراق، رأى ائتلاف «دولة القانون»، بزعامة نوري المالكي، أن دخول الاتفاقية مع الصين حيز التنفيذ «خطوة مهمة ومرحلة جديدة سيشهدها البلد»، معتبراً هذه الاتفاقية «نهضة جديدة بالتاريخ العراقي».
تدهور البنى التحتية
النائب عن الائتلاف منصور البعيجي، قال في بيان له أمس، إن «البلد يعاني من تدهور البنى التحتية بجميع المحافظات طيلة الفترة السابقة، لذلك أن دخول الاتفاقية حيز التنفيذ يعتبر انجازاً كبيراً للبلد كونه سيسهم بتشغيل آلاف من الأيدي العاملة العراقية وإزدهار كبير وانتعاش بالاقتصاد العراقي». وأضاف أن «هذه الاتفاقية تعتبر من أهم الاتفاقيات التي عقدتها الحكومة، وذلك لأنها تمت وفق تسليم كمية من النفط الى الصين ولا تشمل فوائد او دفع أموال بالأجل، ولن تكلف الحكومة العراقية أي أعباء مالية في المستقبل، إنما هي تمت وفق تسليم كمية من النفط إلى الصين بالمقابل دخول شركاتها إلى العراق».
وتابع أن «على الحكومة العراقية أن تتعامل بحزم مع أمريكا لأنها تسعى جاهدةً من أجل إفشال هذه الاتفاقية، كونها تمثل ضربة كبيرة لأمريكا، وكونها تدرك جيدا أن هذه الاتفاقية ستنعش الاقتصاد العراقي وتستكمل إنشاء الموانئ، خصوصا ميناء الفاو الكبير ناهيك عن تشغيل آلاف من الأيادي العاملة». واعتبر النائب عن ائتلاف المالكي، الاتفاق مع الصين أنه «مهم وحيوي، ودخوله حيز التنفيذ يمثل مرحلة جديدة بتاريخ الاقتصاد العراقي وعلى كافة المجالات، لذلك، سندعم بقوة هذه الاتفاقية وسنسعى لإنجاحها وتذليل أي صعوبات قد تواجهها بالتعاون مع الحكومة برلمانيا من خلال تقديم الدعم الكامل لها».