من الرابح من سقوط صنعاء؟

حجم الخط
2

مضى حتى الآن ما يقارب النصف شهرً على استيلاء جماعة الحوثي (أنصار الله) على العاصمة صنعاء وكل يوم أنقضى من هذه الأيام يعطي صورة أوضح للمشهد السياسي اليمني ويفرز دلائل ويكشف عن علامات لما ستؤول إليه البلاد في المستقبل القريب.
دخل الحوثيون صنعاء بسهولة تامة فاجأت الرأي العام على المستوى الداخلي والخارجي حتى اعتبره البعض لغزاً محيراً عجز الجميع عن الإمساك بخيوطة لحل عقدته. فالدولة محايدة متخاذلة راضية عما يجري ولا ينقصها إلا أن تنثر المشاقر (باقات الورد) على جموع المحررين كما يسمون أنفسهم أو ترش على رؤوسهم ماء الورد. ومن جهة أخرى حزب الإصلاح ( الإخوان) يتركون مؤسساتهم ومقراتهم الحزبية وجامعة الإيمان لقمة سهلة بيد الحوثي عدوهم اللدود، وكذلك وسط حالة هدوء سياسي بين حزب المؤتمر والحوثيين.
وقعت الأحزاب السياسية على اتفاق الشراكة الوطنية الذي تقضي أبرز بنوده بتشكيل حكومة كفاءات كحل للأزمة السياسية الناتجة عن الفشل الذريع لحكومة الوفاق الوطني في أداء مهامها، ويبدو أن الحكومة المقبلة لن تختلف عن سابقتها نظراً لوجود أزمة ثقة حقيقية بين جميع الأطراف وأبرز دليل على ذلك عدم التوافق على اسم رئيس الحكومة الجديدة حتى الآن.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو من سيكون الرابح الأول من سقوط العاصمة صنعاء؟ هل الحوثيون أنفسهم؟ أم دول إقليمية ؟ أم مكونات سياسية أخرى داخل البلاد؟
بالنسبة للحوثيين فهم يعرفون تمام المعرفة أنهم لم يكن بإمكانهم السيطرة على عاصمة البلاد بتلك الطريقة السهلة لولا أن الجميع من حلفاء داخليين وخارجيين وخصوم سياسيين شاركوا جميعاً في تسليمها وتقديمها لهم على طبق من ذهب.
صنعاء لم تسلم للحوثيين حباً فيهم وإنما جاء ذلك نتيجة لحسابات رأى البعض أن فيها تحقيقاً لمصالحهم السياسية والاستراتيجية ولجأ إليها آخرون هروباً من مواجهة قد يكونون فيها الخاسر الأكبر. لكن هذا لن يستمر طويلاً فمصالح الحوثي تتصادم مع مصالح حلفائه السياسيين كحزب المؤتمر الذي يتزعمه الرئيس السابق علي عبدالله صالح، فحزب المؤتمر يمتلك قاعدة شعبية كبيرة جداً ويسعى زعيمة للزج بنجله في سباق الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهذا ما لا يريده الحوثيين حيث أن الأخير خاض أكثر من ست حروب ضدهم في السابق. لذلك فحالة الوئام المؤقتة بين الحوثيين وحزب المؤتمر لا يمكن أن تدوم طويلاً وستنتهي بخلاف يتخلص فيه طرف من الآخر على طريقة محاولة الحوثيين القائمة في التخلص من حزب الإصلاح.
وكون اليمن هي المركز الرئيسي لحركة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب فسيناريو الصدام المسلح على الطريقة العراقية المبني على الاختلاف المذهبي بين الحوثيين (الشيعة) وعناصر القاعدة(سنه) قد بدأ في مناطق مختلفة من البلاد كالبيضاء والجوف وشبوه وعمليات قليلة حتى الآن في العاصمة نفسها. وكون كلا الطرفين عبارة عن مليشيات مسلحة متواجدة بشكل متبعثر في الكثير من المناطق فهذا قد ينتج عنه حالة غير مسبوقة من الفوضى في أرجاء البلاد.
أما بالنسبة للدول الخارجية كإيران والسعودية والولايات المتحدة فهدفها الرئيسي هو تمزيق البلاد ونشر سموم الفرقة بين الجميع كي تضمن استمرار مصالحها فإيران مثلاً لا يهمها من يحكم اليمن بقدر ما يهمها من سيضمن لها تضييق الخناق على دول الخليج وتعزيز تواجدها في خليج عدن وتحكمها بطريق الملاحة البحرية سواءً قام تحقق لها ذلك على يد الحوثيين أو غيرهم وذلك تماشياً مع سياستها الخفية في تحقيق حلمها القومي الملتحف لحاف الدين.
بسقوط صنعاء لا يوجد رابح غير دول الدعم الخارجي أما اليمنيون بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم السياسية فما هم إلا كبنادق شطرنج لا تعرف مصيرها وإلى أين سيقودها اللاعب الماهر الذي يتحكم بها لتحقيق مآربه.
اليمن الآن يقف في مفترق طرق خطير جداً فأمامه طريقان لا ثالث لهما، إما الصلح السياسي والتراضي بين جميع الأطراف والوقوف صفاً واحداً لإنجاح مهام الحكومة المقبلة، لكن هذا مع الأسف لا يبدو واضحاً أبداً في الأفق، أو الاستمرار في مسلسل تصفيات الخصوم والحروب والاقتتال وتعليق البلاد على كف عفريت لا قدر الله والعبور بالوطن إلى عالم المجهول.
الكاتب نبيل الهتاري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية