تساؤلات عديدة يقدمه فيلم «الغرفة» ( the room)، طارحًا مختلف الإشكاليات وهي تخوض عميقًا في تركيبة النفس البشرية، حيثُ من الشائع والمتعارف عليه، أن كل شيء في هذه الحياة يرتبط في أساسه بتحقيق الحاجات، وهي الأصل في النجاة والدافع للتكيّف، مع اختلاف الظروف وتنوعاتها، ومن أجلها تقام الحروب وشتى الصراعات في كل مكان، وبسببها هناك جوع وقتل وخراب ولاطمأنينة، وهناك ما يقابلها من امتلاء وحياة وسلام وطمأنينة، حيث تبدو الحياة وفق هذه المعادلة المستفِزة للقيم الإنسانية، معادلة ظالمة تقوم على المقايضة، والضريبة والمقابِل وأيضا قبول اللاشيء كنتيجة وجزاء لكل شيء يُضحى به .
تدور أحداث هذا الفيلم حول عائلةٍ مؤلفةٍ من زوج وزوجة، في بيت جميل محاط بالأشجار والزروع، ثم يكتشف الزوج، وجود باب مخفي تحت أغلفة الجدران وله قفل غريب، يؤدي إلى غرفة. وذات ليلة يكتشف الزوج عن طريق المصادفة لغز الغرفة الخفية، التي تأتي بأي شيء يطلبه الشخص وهو بداخلها، بمجرد أن يبدأ كلامه بكلمة «أريد» ويكمل، فيظهر عنده ذلك الشيء في الغرفة بعد ثوان معدودة .

بمرور الوقت ينزاح الغموض مجددًا، فتظهر حقائق أخرى تتعلق بالغرفة، وكان من ضمنها اكتشاف الزوج مقتل العائلة التي كانت تسكن البيت من قبل، والقاتل «جون دو»، دخل على إثر ذلك المصحة العقلية وبقي فيها مباشرة بعد مقتلهم. وهنا بعد أن يتعرف الزوج «مات»، على القاتل، ينكشف سرٌ آخر ومفصلي يدفع بالقصة إلى الأمام، حيث يكتشف أن النقود التي طلبها عبر الغرفة تحولت إلى تراب يملأ جيوبه خارج المنزل. في هذا الموضع الذكي في نقل عتلة الأحداث، تبدأ الفكرة بالنضج أكثر، بدون عجالة أو تشويش أو التباس، حيث يظهر هناك شرطان يزيدان من تشويق القصة وحبكتها، ويرتفع فيها إيقاع التوتر والترقب، فكان الشرط الأول يفترض بقاء الشيء الذي يطلبه الشخص من الغرفة داخل المنزل، بخلاف ذلك يتحول إلى تراب. أما الشرط الثاني فإنه يوجب قتل صاحب الطلب، أو الخالق كما تم وصفه في الفيلم، حتى يتسنى للمخلوق/ الشيء، أن يصبح حقيقيًا تمامًا، داخل وخارج البيت. وكأنها إشارة إلى أن الخيالات يمكن أن تكون قاتلة، ويمكن أن تكون شيئا من الإيهام والهلوسة، خصوصًا عندما يكون الإنسان خاضعًا لحاجاته ورغباته، بدون حدود أو قناعة، وكأن الفيلم يريد القول، لا تسرح في خيالاتك كثيرا، فهي بمجرد تعرضها لضوء الحياة الخارجية، ضوء الواقع الملموس، يتلاشى المحسوس ولا يبقى منه سوى ما تدفع ثمنًا باهظا لأجل تحقيقه. إنها مثلُ ديناميكية تحقيق الأحلام الشهيرة. ما يختلف في خيالات هذه الغرفة، أنها ليست خيالات نقية تمامًا، بقدر ما هي حقائق محدودة وموجودة ضمن شروط او أنصاف حقائق. وهو ما منحها أبعادًا تأويلية في ترسيم كيفية قراءتها واستيعابها، ومن ثم إحالتها بالشكل الصحيح إلى ما تريد قوله، وإلى ما نريد قوله عبر الفهم والاستنتاج، بالاعتماد على الخبرات الحياتية الأساسية لدى المشاهد/ المتلقي .
فكرة هذا الفيلم تحيل قليلا إلى الإعجازي المذكور في قصص المسيح، إذ كان المسيح في واحدة من قدراته الممنوحة إليه، يستطيع أن يخلق كائنات حية، لكنّ شرطها الذي يجعلها مختلفة عن خلق الله، إنها مخلوقاتٌ مؤقتةٌ، ما أن ينصرف عنها الناس حتى تختفي أو تعود إلى أصلها.
يعضّد الفيلم رؤياه العميقة والمختلفة من خلال الحوار، الذي حدث بين «مات» الزوج والقاتل «جو دو»، عندما قال له القاتل «الشخص الوحيد الأكثر خطورة من شخص لا يستطيع الحصول على ما يريد، هو الشخص الذي يستطيع الحصول على أي شيء».
ينتهي الفيلم ولا تنكشف آلية عمل الغرفة في تحقيق الرغبات، وهل هناك من صنعها؟ أم أنها كانت موجودة فقط؟ هل هي إشارة من القائمين على الفيلم، إلى طرق الخلق الغامضة؟ أم أنه مجرد غموض؟
على المستوى الشخصي، كنت دائما أرى أن تعدد الخيارات والاحتمالات، تفرض على صاحبها الضياع، أكثر مما تعطيه الاسترخاء والثبات وحرية الاختيار. بسهولة يهتز العالم وتفقد الأشياء قيمتها ولذتها، ما أن تصبحَ موفورةً ويسهل الحصول عليها. وهناك في بداية الفيلم عند اكتشاف سر الغرفة، يظهر الزوجان في حالة من التعب والملل والتفسخ، بعدما أصبح كل شيء ممكنًا ويسيرًا، ولا يحتاج إلى أي جهد، إذ يطيح بهما الإسراف .
كما ويذكّر هذا الفيلم بفيلم آخر هو bruce almaighty «بروس العظيم» لجيم كيري، حيث يأخذ دور الإله بصورةٍ مؤقتةٍ، ويبدأ بتحقيق كل رغبات وحاجات البشرية، بدون التفكير بالعواقب، فتزداد المشاكل وتظهر المصائب والأهوال، بشكل مضاعف عما كانت عليه . كذلك الأمر أن يملك الإنسان مصباحًا سحريًا لتحقيق كل ما يريده أو يتمنى ذلك، فهو يخِل بكينونته ويطعن بمغزى وجوده وأهميته، ويحرمه من أهدافه التي تمنحه خريطة الحياة..
ثم هناك الطفل الذي يصبح محرّك الأحداث الأهم، ويمنحها طاقة عالية تغذي كل مفاصل الحكاية، ويجعلها مشدودةً من جميع جهاتها بالقوة نفسها. وكيف يكبر ويكتشف أنه بلا أب ولا أُم، وأنه مجردُ خيال أو فكرة، كما وصفه الزوج في الفيلم .ومن الذكاء أن تتحول الأشياء خارج البيت إلى تراب بعد أن تشيخ بسرعة هائلة، ولا تتحول إلى تراب بشكل مباشر، كما حصل مع الطفل، ذلك أن أغلب ما تخيله الإنسان في الماضي استطاع تحقيقه علميًا في ما بعد. هناك علاقة وثيقة بين ما يتخيله الإنسان وقدرته على تجسيد تلك الخيالات، كما حصل في روايات الخيال العلمي، وعلاقتها بالعلم، الأمر الذي دعا بعض الشركات العالمية إلى تسجيل حقوق حصرية على مثل هذه الخيالات الإبداعية. وهناك جانب آخر يمكن من خلاله تفسير هذه العملية، حيث إن وجود الأشياء في عالم المحسوسات هو نصف الطريق، فيما لو أريد لها التحول إلى أشياء ملموسة، وهناك تفسير أخير، حيث الخيالات يمكن تحطيمها بسرعة، إذا ما استحضرت بدون مناخ مساعد، وما يجيء بسهولة يندثر بسهولة وفق القاعدة المعروفة .
ينتهي الفيلم ولا تنكشف آلية عمل الغرفة في تحقيق الرغبات، وهل هناك من صنعها؟ أم أنها كانت موجودة فقط؟ هل هي إشارة من القائمين على الفيلم، إلى طرق الخلق الغامضة؟ أم أنه مجرد غموض؟
يعد هذا الفيلم إنجازًا سينمائيًا ناجحًا من جميع نواحيه، على مستوى السيناريو والتمثيل، والموسيقى والقصة، والقدرة الهائلة على تفكيك الغموض تفكيكًا مدروسًا ومحسوبًا، ودس كمية مقبولة من الغموض لا تجعله مستحيلا أو معقدًا على المشاهد. فكانت العملية متوازنةً تمامًا من حيث الإخراج والسرد والتسلسل الدقيق للأحداث، الذي يُعد واحدًا من أهم أسرار نجاح الأعمال الفنية التي تتسم بطابع الغموض، فما أن ينهدم جزء من الضباب حتى يبتنى جزء من القصة، ولربما يرجع سبب هذا المزج المثير الناجح، لكون مخرج هذا الفيلم كريستيان فولكمان كان قد اشترك في كتابة السيناريو. هذا العمل من إنتاج سنة 2019 أوكرانيا ولم يأخذ نصيبه المستحق من الضوء .
صحيحٌ أننا شاهدنا في الماضي كثيرًا من الأفلام التي تحمل العنوان ذاته، أو عنوانًا مقاربًا أو أنها تتحدث عن الغرفة بين غموض ورعب، لكن الغرفة في هذا الفيلم لن ينساها أحد، لأنها تعيش داخل الإنسان، يحملها معه أينما ذهب، ذلك أنها تفضحُ الإنسان المسكوت عنه في الإنسان .
٭ كاتب عراقي