انطلاق فعاليات مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة: حفلات فنية تجمع بين البعدين الموسيقي والروحي وندوات فكرية لإضفاء روح على العولمة

حجم الخط
0

فاس (المغرب) ـ ‘القدس العربي’: انطلقت مساء الجمعة الدورة السابعة عشرة لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة تحت شعار ‘حِـكم الكون’، وتستمر إلى غاية 12 حزيران (يونيو) الجاري. وتستقطب هذه الدورة التي تقام برعاية العاهل المغربي العديد من الأسماء البارزة في المجال الفني، عربيا وعالميا، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: جوليا بطرس، كاظم الساهر، عبد المالك، يوسو ندور، ماريا بثانيا، بن هاربر، أسماء المنور… وغيرهم. ويبدو من خلال البرنامج المتنوع لدورة هذا العام أن المهرجان وصل إلى درجة عالية من النضج، تجاوز فيها مرحلة الاستهلاك الثقافي والفني إلى مرحلة الخلق والابتكار والتجديد؛ ومن ثم، يلاحظ أن البرمجة الحالية لا تقتصر على تقديم أعمال فنية جاهزة، بل إن المهرجان سعى في بعض مواده إلى أن يقدم إبداعات جديدة خاصة بهذه التظاهرة، من بينها: أوبرا ‘مجنون ليلى أو الحب الصوفي’ بمشاركة أربعين فنانا قادمين من آسيا ومن الشرق والغرب لإحياء هذه الحكاية ذات الصيت العالمي، وكذا اللقاء الفني الذي سيجمع فريد أياز (من باكستان) مع كبار منشدي السماع المغربي بمصاحبة الجوق العربي الأندلسي لمدينة فاس برئاسة محمد بريول، علاوة على العمل الإبداعي الذي يحمل عنوان ‘نواح’، حيث ستغني فرانسواز أطلان أغاني تقليدية فلسطينية وسيفاردية، تجمع فنانين وعازفين من المغرب وفلسطين. وسيتميز برنامج الدورة أيضا بحضور الفنانة اللبنانية جوليا بطرس التي لم تزر المغرب منذ عدة سنوات، وستغني عن ‘صوت الضمير’. كما سيؤدي كل من الفنان العراقي كاظم الساهر والمطربة المغربية أسماء المنور معاً ‘حكايات الروح’، وتهدي النجمة البرازيلية ماريا بثانيا جزءا من ريبرتوارها إلى مريم البتول، ويقدم النجم السنغالي يوسو ندور حفلا تكريميا للشيخ سيدي أحمد التيجاني، فيما يعود الفنان الأمريكي بن هاربر إلى جذور الموسيقى الشعبية الأمريكية. ومن فرنسا، يأتي الفنان عبد المالك لينشد إلهاما شعريا متجددا. ومن اللافت للانتباه في دورة هذه السنة كذلك إدماج منتدى ‘من أجل إضفاء روح على العولمة’ في فعاليات المهرجان، مما سيجعل من مدينة فاس مرصدا فكريا لمراقبة وتحليل بعض المتغيرات المتسارعة التي يعرفها العالم العربي في الوقت الراهن والعالم ككل، إن على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي. وهنا، سيكون للمتتبع فرصة لتأمل الحراك الحالي في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا من زاوية فكرية وروحية، من شأنها أن تفكك منظومة العوامل التي أدّت إلى هذا الحراك، في أفق استشراف مداخل الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي الدائمين في العالم العربي. كما سيُقارب المنتدى قضايا ذات بعد اقتصادي صرف ترتبط بالأزمة المالية والاقتصادية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، ومآل الإنسان في ضوء التحديات المادية والتقنية المتجددة.

وهكذا، ستكون مدينة فاس طيلة الفترة الممتدة من 03 إلى 12 حزيران/يونيو الحالي قبلة للعديد من المفكرين والفاعلين في شؤون الثقافة والفكر والاقتصاد والفن العريق، بالإضافة إلى جمهور عريض من داخل المغرب وخارجه، ممن حجزوا مقاعدهم مسبقاً في فضاءات مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة: باب المكينة، متحف البطحاء، الدور والرياضات العتيقة بمدينة فاس… وغيرها. ومن خلال سمة التنوع والتعدد التي تطبع جمهور المهرجان، يتأكد من جديد أن المغرب أرض للتسامح والتعايش والتواصل والتلاقح الثقافي الذي يذيب جل أشكال الاختلافات الثقافية واللغوية والعقدية والإثنية، لتنتصر في النهاية قيم الجمال والمحبة والصفاء الروحي. مقاربات وجدانية وفكرية وروحيةوقال فوزي الصقلي (المدير العام لمهرجان الموسيقى العالمية العريقة) في تصريح لـ’القدس العربي’، إن هذه التظاهرة تمثل ورشا فكريا وحضاريا كبيرا وذا بعد مستقبلي، ويتعدى النطاق المحلي ليعانق آفاقا عالمية، مشيرا بهذا الخصوص إلى النقاشات العلمية والأكاديمية التي تتم في إطار ‘منتدى من أجل إضفاء روح على العولمة’، معتبرا أن هذا العمل الثقافي يساهم في تغيير نظرتنا للأشياء وللعلاقات داخل المجتمع ويقارب مفاهيم التنمية والربيع العربي وغيرها. وأكد الصقلي أن الفضاء الثقافي الذي يتيح التفكير في البحث عن وسائل من أجل البناء خلال تناول مجموعة من القضايا الراهنة، مؤكدا التلازم الموجود بين المشروع الثقافي والمجتمع. واعتبر أن البناء المجتمعي عملية معقدة ومركبة، وتتطلب تضافر الجهود والقدرات الخلاقة لكسب الرهان. كما لاحظ أن منتدى المهرجان إذ يركز على الجوانب الثقافية والأخلاقية والروحية في التنمية، فإنه في الوقت نفسه يؤكد على ضرورة توسيع الآفاق وإزالة الحواجز الفكرية والثقافية والاجتماعية من أجل خلق مناخ للإبداع وتهيئ أرضية خصبة لاستيعاب الطاقات.

واستطرد قائلا إن فلسفة المهرجان تقوم على مقاربة الوجدان من خلال الفن والعقل من خلال التفكير والروح من خلال الحكمة والتجربة الإنسانية، وذلك بنوع من الشمولية وتوظيف كل عنصر من العناصر المشار إليها التوظيف الجيد وفي الوقت المناسب. وقال: ‘لا يمكن الاقتصار ـ مثلا ـ على الوجدان أو على الخطاب الروحي لحل كل المشاكل، بل لا بد من التجربة الشخصية والعمل الاحترافي، لأن هذا الخلط هو ما يؤدي إلى سوء الفهم’. وأشار إلى أن مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة محكوم بنظرية كونية تستحضر التعدد الثقافي الموجود في العالم. ومن ثم، فإن هذه الرسالة يمكن أن تنتقل الى مدن عالمية مختلفة، وهذا يندرج ضمن الدبلوماسية الثقافية التي بدأت منذ سنين عدة عبر برنامج ‘Spirit of fes’ في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بلدان أخرى.

استعادة فنية لحكاية الحب العذرياستهلت أمسيات مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة بإبداع فني ضخم خاص بهذه التظاهرة، تمثل في أوبرا ‘ليلى والمجنون’ التي أشرف على تأليفها الموسيقي الفنان الفرنسي أرمون عمار’، ويعدّ هذا العمل الشعري والموسيقي استحضارا للتقاليد الشرقية والعربية والغربية، من خلال إعادة تمثل حكاية الحب العذري واللقاء المستحيل اللذين تعبر عنهما قصة قيس وليلى.

شارك في هذا العمل سبعة منشدين ـ ذكورا وإناثا ـ و38 عازفا، بالإضافة إلى راو أدى دوره المخرج السينمائي التونسي ناصر لخمير. من إيطاليا إلى البرازيل: ابتهالات تراثيةفي حديقة ‘متحف البطحاء’ الأثري بالمدينة العتيقة لفاس، قدمت الفنانة إلينا ليدا، عشية السبت، باقة من التراتيل التقليدية ذات الأصول اللغوية المتعددة المنتشرة في جزيرة سردينيا بإيطاليا. وأعادت هذه الفنانة ومجموعتها الرباعية بمصاحبة الجوقة البوليفونية صياغة أغان روحية عريقة منتشرة في جزيرة سردينيا التي استطاع مجتمعها الرعوي الحفاظ على تراثه الشفوي الغني الذي يتنسم جمال الجبال المتوسطية.

وشكل الحفل سفرا روحانيا حقيقيا وثمرة بحث موسيقي ولساني في مجمل تراث سردينيا في هذه الباقة من التراتيل التقليدية ذات الأصول اللغوية المتعددة، التي تدعو إلى التشرب بالقيم الروحية التي كانت متداولة في تلك الكنائس الصغيرة الواقعة في أعالي الجبال، حيث مازال يوجد مجتمع رعوي يحافظ على نمط عيشه الأصلي.

أما المجموعة الموسيقية التي أدت هذا الإبداع فهي من أقدم الجوقات البوليفونية المتخصصة في الموسيقى الروحية، تنتمي إلى طائفة ‘ديل إس إس روزاريو’، أسسها الدومينيكان بساساري في كنيسة سانتا ماريا ديغلي إنجيلي، وتعيد تجديد البعد الخارق لمجموعة من التراتيل العميقة والبسيطة في نفس الوقت.

وقال إلينا الإيطالية إلينا ليدا في تصريح للصحافة: ‘إن الريبتوار الفني الذي قدمناه في مهرجان فاس يعد ثمرة بحث ميداني طويل، انصب على مخطوطات موسيقية قديمة. الأمر يتعلق بإعادة كتابة للموسيقى وللنصوص معا، مع احترام قوالبها التي تعكس تقاليد شعبية مازالت حية إلى الآن. في عالم تغلب عليه النزعة المادية، نرى أنه من الضروري التركيز على العمق الروحي. والموسيقى إحدى أدوات هذا التوجه الإبداعي الذي نشتغل عليه في مجموعتنا’. ومن جهته، قال العازف ماورو بالماس عضو المجموعة الإيطالية: ‘كل الأعمال الفنية التي نشتغل عليها تعكس لقاء أصيلا بين الأنغام والأصوات، لقاء تحترم فيه القواعد الفنية المتوارثة في جزيرة سردينيا، على مستوى الموسيقى والألحان، وكذلك على مستوى النصوص الشعرية. ومن ثم، يمكن القول إن عروضنا تستلهم خصوصيات البيئة المحلية، وتجسد التلقائية التي نعبر عنها في حياتنا اليومية من خلال أشعارنا وأغانينا ورقصاتنا الشعبية’. وفي ساحة ‘باب المكينة’ بالمدينة العتيقة لفاس، أبهرت سيدة الطرب الشعبي البرازيلي، ماريا بيثانيا جمهور مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة بتراتيلها وابتهالاتها التراثية التي تنضح بالحكمة وبالرومانسية، ولكن أيضا بنوع من الثورية النابعة من مسار هذه الفنانة التي كانت ناطقة رسمية بلسان الشبيبة المنخرطة، في أعقاب العهد الديكتاتوري، في صفوف الحركة النسوية المساهمة في حركة التمرد ‘تروبيكاليست’، حين كانت في أوجها خلال فترة السبعينيات. واستحضرت ماريا بيتانيا عبر غنائها وتجسيدها على الخشبة بالموسيقى والصوت، كل المعاني الراسخة لديها عن حقبة شكلت أحداثها أرضية نحو التغيير. كما أدت أغاني كلاسيكية تتسم بالنفحة الروحية الطبيعة النافذة إلى أعماق النفس بطلاقة مبهرة أذهلت الحضور.

وتلقب هذه الفنانة المرهفة الإحساس، المجسد غنائيا، بـ’ملكة النحل’، وتؤدي في الغالب أغاني تراثية تتميز بالورع الحسي، حيث تشنف الأسماع بإبداعاتها النابعة من عمق التنوع الذي يميز الشعب البرازيلي ما جعلها تحصل على لقب آخر هو ‘سيدة الطرب الشعبي المدللة’. وثمة في طريقة أداء هذه المغنية شيء من الديمومة، ومن نبل التموج الشعري المديد، والموروث عن أرض باروكية متدينة، هندية أمريكية وبرتغالية وزنجية.

ولهذه الفنانة أغان طافحة بالرفض، ظهرت في وقت كانت فيه البرازيل ترزح تحت نير الديكتاتورية العسكرية، وهي مسكونة بالإبداع الموسيقي والشعري الباهر المعبر عن الهموم الكبرى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية