ولد الشاعر محمود شوقي الأيوبي في مدينة الكويت عام 1900 وقيل 1901، والتحق بكُتَّابِ الأنصاري، وتوفي والده وهو في هذه المرحلة، ثم التحق بالمدرسة المباركية، ليتعلم مبادئ العربية، ثم سافر إلى البصرة وأقام فيها عامين مع خاله، دخل بعدها دار المعلمين في بغداد، ثم عمل مدرسا في العراق. رحل إلى سوريا ولبنان وفلسطين ومصر، ثم عاد إلى العراق فالكويت، ليعمل مدرسا في المدرسة المباركية، وعاد إلى العراق والتحق بالجيش العراقي لمدة عام. بعدها ذهب إلى إيران وعاد إلى الكويت ليسافر بعدها إلى البحرين والأحساء والرياض ثم إندونيسيا للدعوة للإسلام، حيث فتح هناك مدارس عديدة. بعد تلك الرحلة الشاقة المليئة بالآلام والنجاحات يعود الشاعر إلى الكويت في الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني 1950، بعد غربة دامت إحدى وعشرين سنة، وعمل مدرسا في مدارسها ثم ناظرا لمدرسة حوَلي.
نُشر ديوانه الأول «الموازين» في القاهرة عام 1953، ثم ديوان «رحيق الأرواح» الذي تولى محمد عبد المنعم خفاجي نشره على نفقته الخاصة عام 1955. ونظم ديوانه «أحلام الخليج» وهو في مدينة الكويت، وكتب ديوانه «الأشواق» وهو في قرية الشعبية. وصدر ديوانه «ألحان الثورة» عام 1969، الذي كتب مقدمته عبد الله زكريا الأنصاري. ترجم له محمد عبد المنعم خفاجي في كتابه «قصص من التاريخ».

رحيق الأرواح
يقول محمد ناجي رئيس رابطة الأدب الحديث التي نشرت الديوان: «إن تشابها كبيرا يصل إلى حد التماثل موجود بين الراحل إبراهيم ناجي وشوقي الأيوبي، فهما يريان الأشياء في جوهرها أكثر مما نراها نحن في واقعيتنا على الأرض». و«رحيق الأرواح» ديوان من الشعر الصوفي يعود بالقارئ إلى ابن عربي وابن الفارض والخيام وسواهم من أساطين الزهد والروحانية الصافية، فشعر الأيوبي في هذا الديوان، كما يرى محمد عبد المنعم خفاجي «ينزع إلى تصوير مثلنا الروحية وحياتنا الدينية تصويرا دقيقا، وفيه كذلك أنواع عديدة ممتعة من شعر الحكمة والتصوف والزهد». يحتوي الديوانُ كما كتب الشاعرُ في تصديره أربعَ موجاتٍ روحية جاءت في أيام محن روحية هائلة، أصيب بها في آخر سنة في بلاد إندونيسيا. وهي، المعصرات، البرزخ، البروج، وقيثارة الخلود.
ومن نماذج الموجة الأولى قوله في نشيد «لحن الظلام»:
سجدَ الليلُ بمحرابِ الشفقْ
وتمطَّى باختيالٍ ونَزَقْ
وجرَت أشباحُه فوق الأفقْ
فتلظَّى قانيا ثم احترقْ!
وفي نشيد آخر بعنوان «أنغام الدموع» يصل الشاعر بروحه إلى أقصى درجات العمق الصوفي والشفافية الوجدانية إذ يقول:
دعاني هاتفٌ والليلُ داجِ
تُرَدَّدُ فيه أنفاسُ الحِسانِ
وغازلَني بِجُنْحِ الليلِ طيفٌ
تغافلَ عنه رضوانُ الجِنانِ
أتاني سابحا في لُجِّ نورٍ
فقُمتُ مُعانقا لمَّا غَشاني
فيا بُشراكَ إذْ روحي وقلبي
بِحُبِّكِ ـ يا مَهاتي ـ عامرانِ
تعالي فلنذُبْ عشقا ونفنى
خلودا في الهوى عن كلِّ شانِ
لنحرقَ في سرائرنا بَخورا
نظل به نعيشُ على الحنانِ
ومن نماذج الموجة الثانية يقول في نشيد له بعنوان «الفردوس المحجوب»:
أنا حَيٌّ لم أمُتْ
وبآمالي بصيصْ
مِن ضياءٍ قد نَحَتْ
لي من الدهرِ قميصْ
رائعا قد رُصِّعَتْ
فيه أنواعُ الفُصوصْ
كل فَصّ حُبِّرَتْ
حوله شتَّى النصوصْ
ولدى الموتِ ازدهتْ
قوله «هل من محيصْ»
ومن نماذج الموجة الثالثة نشيده الرائع «بلبـــــل الفــــردوس» الذي جمع فيه أسماء الله الحسنى في ما يربو على المئة بيت. وفي الموجة الرابعة من موجات «رحيق الأرواح» المعنونة بـ «قيثارة الخلود» يتحدث الأيوبي عما رآه وعايشه بروحه من مناظر خلابة مغرية وأصوات وموسيقى رائعة، وروائح عطرية غريبة، وضدها من أشباح مخيفة وأصوات مفجعة. توفي الأيوبي عام 1966 تاركا إرثا عظيما من الشعر الحقيقي.
٭ كاتب مصري