لندن-“القدس العربي”:بناء على قطعة علكة عثر عليها في موقع حفر جنوب الدنمارك، تمكن علماء نشروا نتائجهم في دورية “نيتشر كوميونيكشنز” من تحديد أنها تعود إلى امرأة كانت تعيش في نهاية العصر الحجري، وتمكنوا من تحديد شكلها، وأكلها “والبكتيريا والفيروسات التي كانت في جسدها، والمنشأ المحتمل لعشيرتها وما إذا كانوا قد شرعوا في تبنِّي الزراعة أم لا”. وألقى البحث الضوء على “إمكانات علكة شجرة البتولا الممضوغة باعتبارها مصدرًا للحمض النووي البشري والميكروبي القديم، الذي يمكن استخدامه لإلقاء الضوء على التاريخ القديم لسكان المنطقة، وحالتهم الصحية، واستراتيجيات العيش والبقاء التي كانوا يستخدمونها” حسب الكاتب في “ساينتفك أميركان” جيم ديلي.
ويشير ديلي، بناء على نتائج البحث أنه “قرب نهاية العصر الحجري، وفي قرية صيد صغيرة في جنوب الدنمارك، جلست امرأة سمراء البشرة ذات شعر بني وعيون زرقاء ثاقبة، تمضغ قطعةً لزجةً من لحاء شجرة البتولا”. وكانت تعيش في قرية أطلق عليها علماء الآثار اسم “سيلثولم” تقع على مقربة من بحيرة ساحلية تفصل بينها وبين بحر البلطيق جزر رملية. ويضيف أن “خلف تلك الجزر، أقامت تلك المرأة وعشيرتها سدودًا حاجزةً صغيرةً لاحتجاز الأسماك التي كانوا يصطادونها برماح ذات حواف عظمية”. وجدير بالذكر أن المادة التي مضغتها المرأة، والمستخرجة من شجرة البتولا، كانت لاصقة جداً وبالتالي كانت تستخدم حينها للصق الفخار المكسور أو ما شابه. ويتابع ديلي أنه “عندما تخلصت المرأة من تلك العلكة، ظلت محفوظةً تحت طبقات من الرمال والطمي لنحو 5700 عام حتى عثر عليها فريقٌ من علماء الآثار. ومن المثير للدهشة أن العلماء تمكنوا من استخلاص الجينوم الكامل للمرأة من تلك القطعة من لحاء البتولا، إلى جانب الميكروبيوم الفموي والحمض النووي الخاصين بها بناءً على الطعام الذي كانت قد تناولته في وقت سابق”.
ويقول هانز شرودر، عالِم الآثار في جامعة كوبنهاغن، والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية: “ها نحن لدينا هذه القطعة الصغيرة من لحاء البتولا التي قد لا يلاحظها البعض، والتي ألقى بها شخصٌ ما منذ آلاف السنين، وفجأةً أصبحت لدينا القدرة على استحضار هذا الشخص من تلك القطعة. إنه لأمرٌ رائع أن تكون قادرًا على فعل هذا باستخدام هذا الشيء الصغير”.
جاءت فكرة استخلاص بيانات الجينوم من لحاء البتولا لثيس ينسن، المؤلف المشارك في الدراسة، وهو عالِم آثار بيولوجي في جامعة كوبنهاغن، أثناء عمله في موقع حفر مختلف في السويد، وبدأ يرى قطعًا من اللحاء عليها بعض بصمات الأسنان. ويقول ينسن “كان الجيل الجديد من تسلسل الحمض النووي قد بدأ يُحدث طفرةً في دراسات الحمض النووي القديمة. وقد رأيت أن هذه العلكة يمكن أن تكون مصدرًا للحمض النووي”. وتمكَّن زملاؤه من سحب الحمض النووي الجزئي “لثلاثة أفراد من كتل لحاء البتولا” وجدوا أن تاريخها يعود إلى حوالي عشرة آلاف سنة. ونشرت هذه النتائج في دورية “كوميونيكيشنز بايولوجي” العام الماضي.
وتقول ناتاليا كاشوبا، عالِمة الآثار في جامعة أوبسالا في السويد، والمؤلفة الرئيسية للورقة البحثية المذكورة أعلاه، إن “عينة شجرة البتولا التي عُثر عليها في قرية سيلثولم، والمعلومات الخاصة بالجينوم المُخبأة فيها، على الأرجح حُفظت جيدًا لأنها دُفنت في بيئة خالية من الأكسجين”. وتضيف أنه “إذا تمكن علماء الآثار من العثور على المزيد من عينات الميكروبيوم القديم، فربما يمكنهم البدء في تجميع تاريخ التطور الخاص بالبكتيريا والفيروسات المرتبطة بصحة الإنسان” مشيرةً إلى أنه “فيما يخص الدراسات المتعلقة بصحة الإنسان والبيئة، فإن هذا النوع من المواد لا يقدر بثمن”.
تَعرَّف شرودر وزملاؤه على مجموعة من الأنواع الميكروبية من العينة، كان بعضها جزءًا من مجتمع الميكروبات التي تعيش في جسم الإنسان وعليه، وغالبًا ما تكون غير ضارة، إلى جانب أنواع أخرى من البكتيريا الفموية التي قد تسبب أمراض اللثة. واكتشف الباحثون أن المرأة كانت تحمل فيروس “إبشتاين بار” وهو من فيروسات الهربس، إلى جانب عدد من الفيروسات المسؤولة عن الإصابة بالالتهاب الرئوي. وعلى الرغم من أن الباحثين قد نجحوا في تحديد 26 عاملًا من عوامل الضراوة، أو الجزيئات التي تجعل الكائنات المسببة للأمراض أكثر قوةً وتأثيرًا في إصابة المضيف بالعدوى، فإنهم لم يتمكنوا من تحديد الحالة الصحية للمرأة صاحبة العلكة.
ويشير ديلي إلى “حدد الفريق على سبيل التأكيد أن المرأة كانت تعاني من حالة عدم تحمُّل اللاكتوز، التي كانت حالةً شائعةً بين أسلاف البشر في مرحلة الصيد وجمع الثمار قبل البدء في تربية الحيوانات” إذ وجدوا على العلكة آثار الحمض النووي لثمار البندق والبط، وهي من بقايا الطعام التي يبدو أن المرأة ربما تكون قد تناولتها قبل مضغ العلكة، التي يمكن أن تكون أيضًا من المكونات الأساسية في النظام الغذائي لمجتمعها.
وتقول لورا ويريتش، عالِمة أحياء مجهرية في جامعة ولاية بنسلفانيا إن “من الصعب التوصل إلى استنتاجات عامة حول النظام الغذائي لامرأة سيلثولم، أو حتى بشأن التركيب الدقيق للميكروبيوم الفموي الخاص بها، من قطعة ممضوغة من العلكة؛ إذ إن المجموعات البكتيرية التي تستوطن أسنان شخصٍ ما تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك الموجودة في لعابه أو على لسانه”. وأضافت أن العينة “على الأرجح مزيجٌ من كل تلك الأنواع المختلفة من الميكروبيوم الفموي. ومن الصعب للغاية وضع هذا الميكروبيوم في سياقه الطبيعي من دون مزيد من التحليل لأفراد آخرين من المجتمع في مرحلة الصيد وجمع الثمار”.
وتشتير ويريتش إلى أن الدراسة يمكن أن تبشر بفصل جديد في دراسة تطوُّر البشر القدماء والميكروبيوم الخاص بهم. وتضيف: “أعتقد أن مجال الحمض النووي القديم، مع تطوره قُدُمًا، لديه الكثير ليقدمه فيما يخص التطور المشترك للجينوم البشري والميكروبيوم البشري”.