ناحوم برنياع
بنفس الحماسة التي انقض بها ساسة وصحافيون على سامي عوفر عندما تبين أن شركته باعت شركة ايرانية سفينة، أفرطوا في مدحه بعد أن توفي. تحول العميل الايراني أول أمس أصبح السخي المشهور أمس، وتحول كاره اسرائيل ليصبح صدّيقا. لم يبق لاسرائيليين أقل إلماما بشؤون الملاحة سوى ان يتساءلوا ما الصلة بين علاقة الاسرائيليين المعقدة بأرباب الثروات وبين طريقة علاج حكومة اسرائيل للشأن الايراني؟
منذ تولي حكومتي شارون واولمرت تُدبر اسرائيل حملة دعائية عالمية لتشديد العقوبات على ايران. وليس هدف الحملة الدعائية معاقبة ايران فقط عن برنامجها الذري بل أن تصدها عن دفع البرنامج الى الأمام. فاذا تركت دول العالم ايران فلن يكون مناص من عملية عسكرية اسرائيلية قد تشعل المنطقة كلها. وبعبارة اخرى، العقوبات تمنع حربا. وهي تتعلق بجوهر وجود دولة اسرائيل فهي مقدسة.
عندما كان نتنياهو رئيس المعارضة شخص الى الولايات المتحدة واستعمل علاقاته الطيبة هناك كي يُغري حكام ولايات واعضاء من مجلسي النواب بسن قوانين تمنع اتحادات امريكية الاتجار مع شركات تتاجر مع ايران. وفي لقاءاته مع زعماء دول وقد أصبح رئيس حكومة جعل العقوبات على ايران في رأس برنامج العمل. افترض محادثوه باعتبار ذلك فرضا مفهوما من تلقاء ذاته ان الاسرائيليين ليست لهم علاقات اعمال بإيران. أتكون للاسرائيليين اعمال مع عدو يريد القضاء عليهم؟ لا يخطر هذا في البال.
وفي الواقع لم تفعل حكومات اسرائيل في بيتها ما طلبته من حكومات اجنبية. لم تكن رقابة ولم يكن تطبيق للقانون. يُذكر سلوك اسرائيل في هذا الشأن بالسلوك تجاه أملاك ضحايا المحرقة: فقد عرفت اسرائيل ومنظمات يهودية كيف تطلب من بنوك وشركات وحكومات اجنبية أموالا ليهود حتى آخر قرش، لكن البنوك والشركات في البلاد رفضت اعادة الاموال التي اودعت فيها. فالعالم لا يجوز له أما الاسرائيليون فيجوز لهم. على حسب القانون، لا يجوز لاسرائيليين الاتجار مع ايران. يرى قانون سنته حكومة الانتداب في سنة 1939 في الحرب العالمية الثانية، الاتجار مع دول معادية مخالفة جنائية. والقائمة المحدثة للدول المعادية تشتمل على ثلاث: سورية ولبنان وايران.
في مدة حكومة اولمرت في 2008 سنت الكنيست قانونا كان يرمي الى علاج صفقات غير مباشرة ولا سيما استثمارات مالية مع ايران. أمر القانون بإنشاء لجنة بين الوزارات تُعد قائمة اتحادات لها علاقات اعمال بإيران. كان القصد التعرف على اتحادات كهذه ومنع شركات اسرائيلية من الاتجار معها. يشهد على جدية تناول القانون في اسرائيل حقيقة انه مرت ثلاث سنين منذ سُن القانون وما زالت لا توجد قائمة. جُمعت اللجنة، برئاسة هيله بن حاييم، نائبة مراقب السوق المالية، وبمشاركة موظفين من وزارة الدفاع والخارجية وغيرهما، أول مرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2010. لا يرى أحد من اعضائها الشأن الايراني جوهر عمله. وليس للجنة نظام رقابة. الحديث في أحسن الحالات عن اضطراب.
واسوأ من ذلك ان الحديث عن حماقة. إن الدول الغربية ما بقيت تمتنع عن النظر الى العقوبات بجدية، فان حكومة اسرائيل كانت تستطيع التهرب من الوفاء بنصيبها. لكنه في اللحظة التي انشأ فيها الامريكيون وحدة للرقابة على فرض العقوبات في وزارة ماليتهم، وجب على الاسرائيليين ان يدركوا انهم سيُضبطون وسروالهم الى أسفل. ليس الحديث عن العلاقات بايران بل عن علاقات أهم هي العلاقات بالولايات المتحدة.
تم الكشف عن صفقة شركة عوفر قبل اشهر كثيرة على يد وزارة المالية الامريكية. نُقلت المعلومات الى عناصر في حكومة اسرائيل لم تفعل شيئا. فلا عجب ان قررت وزارة الخارجية الامريكية ان تختتم زيارة نصر نتنياهو لواشنطن بمؤتمر صحافي كشفت فيه عن صفقة الشركة الاسرائيلية مع ايران. هكذا يُفعل بشخص وهكذا يُفعل بدولة. يبدو أن ليس الحديث عن حالة واحدة. لست أعلم بشركات اسرائيلية اخرى كانت لها تجارة مع شركات ايرانية، لكن شظايا معلومات تجمعت تتحدث عن اتحادات دولية تجري على التوازي صفقات جيدة في اسرائيل وفي ايران ايضا. إن اتحادا واحدا على الأقل له عقد مع حكومة اسرائيل. العدل يبدأ في الداخل. والعقوبات ايضا. اذا لم تكن اسرائيل قادرة على ان تكون قدوة للعالم في الشأن الايراني فعلى أي شيء تقدر.
يديعوت 7/6/2011