‘ آنا كارينينا’ برؤية درامية

حجم الخط
0

لندن ـ ‘ القدس العربي’: ‘الكتاب العظيم ليس ذلك الذي نقرؤه، بل ذلك الذي يقرؤنا’. (ويستن هيو أودن)صدرت عن دار نشر ‘ دائرة الثقافة والإعلام’ في الشارقة وضمن السلسلة المسرحية ( النصوص) مسرحية ‘ آنا كارينينا’ أعدتها الكاتبة المسرحية البريطانية هيلين إيدموندسن عن رواية الكاتب الروسي تولستوي وهي من ترجمة وتقديم علي كامل.

تقول هيلين بشأن إعداد هذه الرواية الضخمة والمعقدة وتطويعها للمسرح:( لقد انغمرت في قراءة رواية ‘ آنــّا كارنينا’. قرأتها عدة مرات ولم أستطع أن أدوّن ملاحظاتي على صفحات الرواية نفسها لذا، فقد استنسخت في دفتر ملاحظاتي مقداراً وفيراً من الأشياْء التي وجدت أنها مفيدة. بعدها قمت ببحث عن الكاتب لكي أعرف ما الذي كان يشغله ويستحوذ على أفكاره. من ثم قرأت النقد الذي كتب حين صدور الرواية لكي أعرف كيف تم استقبالها حينذاك، كذلك قمت برحلة بحث عملية، حيث سافرت ‘ من أجل آنـّـا’ إلى روسيا واستقللت ذات القطار الذي سافرت به من موسكو إلى بطرسبورغ. وكانت الفكرة التي توصلت إليها هي: كيف يمكننا اختيار نوع الحيوات التي نحياها؟ هل ينبغي أن نتـّبع أهواءنا وملذاتنا، أم علينا أن نذعن لمسؤولية أخلاقية كبرى؟). لقد اختزلت الكاتبة هيلين إيدموندسن رواية شهيرة وضخمة (850 صفحة) في نص مسرحي كتب بلغة بصرية، بمشاهد شيدت في أسلوب توليفي سينمائي وبمعالجة هي مزيج بين الغنائية والسيكولوجية. فقد أقصت كل ما لا يسهم في بناء الفكرة. وهي بالتالي تعرف أنها ستبقى وفية لروح ما كان يريد الكاتب قوله. لقد كانت تدرك بشكل قاطع أن الراوي في ‘ الرواية’ ينبغي أن يتم الاستغناء عنه إذا ما أريد أن توضع القصة في بنية درامية وأن تتحدث الشخصيات عن نفسها وعن أوضاعها من دون معرفة مفرطة لذواتها. في إعدادها لرواية جورج إليوت ‘ طاحونة فوق نهر فلاس’ شطرت هيلين الشخصية الرئيسية إلى ثلاث ذوات منفصلة. أما في ‘ آنـّـا كارينينا’ فقد قررت أن يكون ليفين وآنـّـا على خشبة المسرح طوال العرض وهما يتحدثان إلى بعضهما البعض، على الرغم من أنهما في ‘ الرواية’ لا يلتقيان سوى مرة واحدة قرب النهاية.

المسرحية، كما الرواية، تتابع ثلاث زيجات هي:1ـ زواج الأمير ستيفا، شقيق آنـّـا، بدوللي. 2 ـ زواج ليفين، المثقف والمّلاك، بكيتي أخت دوللي.3ـ زواج آنـّـا كارينينا أولاً بالموظف الحكومي البارز كارينين، ومن ثم بعشيقها الكونت فرونسكي.

إذاً، ثمة مساران في صلب العمل. الأول، ممَّثل بشخصية آنـّـا، المرأة المنشطرة بين ( الزوجة والأم والعاشقة). أما الثاني، فيتجسّد في شخصية ليفين، ( المّلاك والمثقف المتمرد على طبقته وعشقه الصافي لكيتي، وبحوثه الفلسفية والأخلاقية بشأن السعادة ومغزى الحياة). وبين هذين المسارين تدخل حبكتان فرعيتان، الغرض منهما تعزيز الحبكة المركزية وإضاءة الجوانب المعتمة منها: الأولى، العلاقة الغرامية بين كيتي والكونت فرونسكي والتي تنتهي إلى قطيعة. والثانية، الزواج المحبط لستيفا ودوللي، ودولي تمتلك إلى حد ما نفس نزعات آنــّا، إلا أنها لا تجرؤ على كسر الحواجز مثلما فعلت الأخيرة. استخدمت إيدموندسون تقنية ذكية ومبتكرة لسرد الأحداث والانتقال بسلاسة من مشهد إلى آخر، وذلك بأن جعلت من ليفين وآنـّـا، الشخصيتين الرئيسيتين، بمثابة معلقين متناوبين على ملاحقة الأحداث ومتابعة مساراتها، فما إن ينتهي حدث حتى يتبعه حدث آخر عبر وسيلة محكمة وهي أن يسأل أحدهما الآخر عن مكان وجوده: ‘ أين أنت الآن؟’. في المسرحية ثمة شخصيتان توجه أحدهما الآخر خلال الرحلة نفسها من أجل العثور على الحقيقة في ذاتيهما، على الرغم من أنهما تقدمان إجابات متباينة.

عبر قصتيهما يمكننا أن نعي كم هو ضروري التسليم بمبادىء الآخر. وهذا هو الذي شطر شخصية آنـّـا كارينينا.

آنـّـا وليفين والآخرون جميعاً كانوا يبحثون عن الشيء الأكثر أهمية في حيواتهم، تماماً مثلما كان يفعل تولستوي، وتماماً مثل ما نفعل نحن.

آنـّـا تجد ذلك الشيء في الحب ككل، فيما يجده ليفين في ‘ أن يحيا من أجل روحه’. عبر تلك القصتين، وجد تولستوي المعنى في الكتابة متحدياً جمهور اليوم أن يعثروا على حقائقهم الخاصة، وإيدموندسن توفر لهم هذه الفرصة حقاً. مثلما يقول ليفين في المسرحية: ‘ إنه شيء أكثر من الحب… إنه الحياة أو الموت’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية