لماذا أحبط اللواء حفتر في موسكو اتفاق الهدنة مع السراج؟ 

فالح الحمراني
حجم الخط
0

فاجأ اللواء خليفة حفتر أصدقاءه الروس برفضه توقيع اتفاقية الهدنة مع رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، وفتح الآفاق لعودة الوضع في ليبيا إلى المربع الأول. ومن الواضح أن عدم تحقيق محادثات موسكو في 13 كانون الثاني/يناير بشأن ليبيا أهدافها المنشودة، كان خبرا غير سار بالنسبة للكرملين. وكان الرئيس فلاديمير بوتين قد اقنع في اجتماع عاجل في 11 كانون الثاني/يناير، المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أنه مع نظيره التركي رجب طيب اردوغان، سيكونان قادرين على حل الأزمة الليبية.

واتفق الرئيسان بوتين واردوغان على موقف مشترك بشأن التسوية الليبية وفقًا لقرارات مجلس الأمن الدولي. ووجه الزعيمان نداءً إلى جميع الأطراف الليبية يتضمن: الوقف الفوري للعمليات القتالية، وإعلان وقف إطلاق النار من الساعة 00:00 يوم 12 كانون الثاني/يناير 2020. وجرى الإعراب عن الاستعداد للمساهمة في إنجاح مؤتمر برلين من أجل تعزيز التسوية الليبية، وأن تكون عملية التسوية هذه شاملة، سواء من حيث إشراك جميع الأطراف الليبية فيها، وضم جيران ليبيا لها. وتم تكليف وزيري الخارجية ووزيري الدفاع في روسيا وتركيا مواصلة الاتصالات من أجل تعزيز المقاربات المعروضة أعلاه للأزمة الليبية. وكان من المهم بالنسبة لبوتين واردوغان الحفاظ على علاقات جيدة بين موسكو وأنقرة، ووضع اختلافات وجهات نظريهما بشأن سوريا أو ليبيا جانبا. وتم وضع خريطة طريق والاتفاق على استراتيجية لفعل كل شيء تجنبا لحدوث اشتباك محتمل بين الروس والقوات التركية على أراضي ليبيا في منطقة طرابلس.

حجج وحقائق

ولكن اللواء حفتر خلط الأوراق والرهانات، كشريك لموسكو في ليبيا، وغادر العاصمة الروسية على نحو غامض. وعلى ما يبدو أن موسكو كانت متأكدة من أنها ستقنع “صديقها” ليس فقط بإعلان عن وقف لإطلاق النار، ولكن أيضًا للتوقيع على اتفاق هدنة مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس المعترف بها في الأمم المتحدة، برئاسة فايز السراج. ووقع وفد السراج مشروع اتفاقية الهدنة، فيما قال اللواء حفتر أولاً إنه سيعطي إجابة في صباح يوم 14 كانون الثاني/يناير لكنه غادر موسكو.  وجرت مفاوضات الفرقاء الليبيين من خلال وساطات أجراها وزيرا خارجية روسيا وتركيا.

الرواية الرسمية لحفتر هي أن حكومة السراج لم تقدم جدولًا واضحًا لحل بعض وحداتها العسكرية. وضمن هذا السياق نقلت وكالة “سبوتنيك” الروسية للأنباء، عن مصدر عسكري مقرب من اللواء الليبي، رفض الكشف عن اسمه، أن حفتر “لن يوقع على الاتفاق ما لم يتم وضع جدول زمني لإنهاء وحل الميليشيات” واصفا ذلك بأنه “نقطة الخلاف وسبب عدم توقيعه”. ويعتقد بعض المراقبين إن ذلك كان مجرد ذريعة، فلم تكن هناك خيارات لحل وسط بالنسبة لحفتر وأي حل وسط يعني تغييرًا حادًا في خططه، ما يجعل كل ما يراه من الإنجازات الحالية التي تحققت لا قيمة لها. وحسب تقييمه أنه أصبح طرفا متقدما في النزاع، ويجب أن لا يقبل أي حل وسط على حسابه. والحقيقة هي أنه بالإضافة إلى روسيا، فإن اللواء، وفقا لعدد من المراقبين، مدعوم من مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة. ويرجحون إن أحد هؤلاء الرعاة يراهن على أن حفتر لا يزال في إمكانه تحقيق النصر في الحرب الليبية، أو أن تنازلات السراج ليست كافية.

وكما يبدو للمراقبين أن القائد الميداني الليبي البالغ من العمر 76 عامًا وهو خريج أكاديمية فرونزا (في جمهورية قيرغيزيا) السوفييتية سابقا، ومواطن أمريكي، يلعب على العديد من أدوات الشطرنج في وقت واحد، كما يتلقى تمويلًا جيدًا من السعوديين والإمارات العربية المتحدة.

ويقضي مشروع اتفاق موسكو بوقف اللواء حفتر الهجوم، الذي كان جوهر استراتيجيته الاستيلاء على طرابلس.

ومن المهم بالنسبة لحفتر الآن بعد إخفاق لقاء موسكو أن يفهم ما سيقوم به الرئيس التركي الذي أرسل بالفعل مستشارين عسكريين إلى ليبيا. وإذا قررت أنقرة إرسال وحدات الجيش النظامي، فإن الوضع بالنسبة لموسكو سيصبح محرجا تمامًا. فبعد بضعة أيام فقط من افتتاح بوتين واردوغان معًا خط أنابيب الغاز “السيل” التركي، سيكون البلدان على جانبي خطوط المتاريس الليبية.

الاهتمام الروسي

ويقوم اهتمام روسيا بالوضع الليبي على عدة أسباب وتصورات، في مقدمتها المضي قدما في تسوية النزاعات والأزمات في المنطقة، على أساس عقيدتها السياسية، التي تقول إنها قائمة على اعتماد الحلول السلمية للنزاعات، والحوار بين القوى السياسية الفاعلة، وضمان عدم التدخل الأجنبي فيها، ومنح منظمة الأمم المتحدة دورا في العمليات تلك. وتراهن موسكو على أن مثل هذا التطور سيصب في مصالحها. ويقول الباحث السياسي لصحيفة بوابة “برافدا” الإلكترونية سعيد غفوروف: “دعنا لا ننسى المصالح الاقتصادية الروسية في ليبيا بأنها كبيرة للغاية، رغم أن من الصعب الآن تحديد ما يمكن تحقيقه في هذا الصدد. فيمكن للسكك الحديدية العابرة لليبيا، التي تعتزم روسيا بناءها، أن تعادل كل المشاريع الباقية، بما في ذلك مصالحنا النفطية. بالإضافة إلى ذلك، ترتبط الصناعة الليبية ارتباطًا وثيقًا بالتكنولوجيا الروسية، وإذا بدأت الصناعة في الانتعاش، يمكن الحصول من شركائنا على عقود جذابة للغاية”. وأشار غفوروف أيضا إلى سوق الأسلحة موضحا: “الطرفان المتحاربان يستخدمان بشكل أساسي أسلحة من الإنتاج السوفييتي والروسي، ويعرفان كيف يقاتلان بها، 10ومن غير المرجح أن يتخليا عن تفضيلاتهما. الدبابات في ليبيا كانت وستكون روسية”.

إضافة إلى ذلك بالنسبة للقيادة الروسية، أن “تهدئة” الوضع في ليبيا هو نوع من التعويض عن قرار الرئيس ميدفيديف في عام 2011 بعدم إعاقة العملية الغربية في ليبيا، والتي أعقبتها الحرب الأهلية الأولى، وانقسام البلاد وموت معمر القذافي. ويعتقد الكرملين أن التدخل في المشهد الليبي سيعزز مكانة روسيا الرسمية على خلفية الإنقاذ الناجح لبشار الأسد في سوريا. وليس من المستبعد أن موسكو تأمل بأن تكون لها قاعدة بحرية على الساحل الليبي. فضلا عن أن شركات النفط والغاز الروسية التي عملت في ليبيا إبان عهد القذافي تأمل في العودة إلى البلاد في حال انتهاء الحرب الأهلية. وتجدر الإشارة إلى أن روسيا لم تعرب رسمياً عن دعمها للواء حفتر، وتقول إنها حصريا تؤيد السلام، وإن سفيرها ليس في بنغازي، ولا في طبرق، بل في تونس، ما يؤكد حيادها، وإن المقاتلين الروس الذين يحاربون إلى جانب اللواء حفتر لا يمثلون روسيا وموقفها الرسمي، حيث انهم يعملون في إطار شركات أمنية خاصة.

 وفي السؤال عن السيناريوهات المتوقعة لتطور الوضع لاحقا، يرجح المراقب السياسي المعني بشؤون الشرق الأوسط الكسندر شوميلين، إن حفتر سيعود مرة أخرى للهجوم على طرابلس. وسيتطور كل شيء في الأيام المقبلة وفقًا للمخطط السابق، ولكن في وضع جديد، حيث سيعقّد وجود القوات التركية على الجانب الآخر، هجومه. وحسب رأي شوميلين أن خطر الصدام بين الأتراك والروس ما زال قائماً، على الرغم من حقيقة أن الطرفين سيتجنبان ذلك بعناية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية