‘الإسلام هو الحل’ شعار الدراما في الموسم القادمالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: في محاولة من جانبهم لإظهار الجانب التنويري، شرع الإخوان المسلمون في انتاج فيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني عن قصة حياة مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا، ورغم ما نفته القيادات من أن اختيار شخصية البنا على وجه التحديد جاء ردا على مسلسل وحيد حامد ‘الجماعة’ الذي عُرض العام الماضي.
إلا أن الأمر لا يخرج عن هذا الاحتمال، لا سيما ان وحيد ومسلسله لم يسلما من هجوم الإخوان واحتجاجهم، إذ يرون أن غبناً كبيرا وقع على البنا من جراء هذا المسلسل، الذي جاءت تفاصيله مجافية للحقيقة وعلى غير طبيعة صاحب السيرة الذكية، حيث ألصق به الكاتب صفات ليست به واتهمه بالانتهازية واللعب على كل الحبال، حسب قراءة الإخوان للشخصية الدرامية التي لم تكن أبدا من بنات أفكار وحيد حامد، غير ان ما ورد في المراجع والمذكرات المستقى منها سيرة الشيخ حسن البنا حمل بعض التناقض، فكان طبيعيا ان تأتي الشخصية على هذا النحو بها خليط من كل وجهات النظر وهي سمة أساسية للكتابات المتصلة بشخصيات تمتلك ثراء إنسانيا وسياسياً وزخماً ثقافياً ودينياً بهذا الحجم الضخم، والإمام الجليل كان رجلاً من هذا النوع ومنطقياً جداً ألا يتم إغفال تفصيلة واحدة ولو صغيرة من حياته وإن جاءت على غير هوى المحبين والمريدين. أما عن إعادة تجسيد وانتاج الشخصية باعتبارها رمزا فكريا للتيار الديني فلا غضاضة في ذلك على الإطلاق ومن حق الجماهير أن ترى أكثر من رؤية لحسن البنا فحياته تحتمل والإبداع يسمح طالما وجدت الإمكانيات وهناك أمثلة عديدة على تكرار الرؤى في السير الذاتية للزعماء والمشاهير، فالرئيس جمال عبدالناصر تم تناوله في فيلم يحمل اسمه للمخرج السوري أنور قوادري، والفيلم المصري ‘ناصر 56’ للكاتب محفوظ عبدالرحمن والمخرج محمد فاضل، فضلا عن مسلسل ‘ناصر’ للكاتب يسري الجندي والمخرج باسل الخطيب، كذلك وثقت السينما حياة الرئيس السادات في فيلمين، أحدهما مصري بعنوان ‘أيام السادات’ إخراج محمد خان والآخر أمريكي عًُرض على نطاق ضيق بعنوان ‘السادات’ وكان سابقا لفيلم خان وتناول حادث المنصة بالكامل وبمنتهى الدقة لدرجة تصور معها من شاهده انه فيلم تسجيلي جرى تصوير مشهد النهاية به أثناء عملية الاغتيال بالقمر الصناعي وتم دمجه بالفيلم من فرط واقعيته، كما ان شيخا جليلا مثل عبدالرحمن الكواكبي وهو أحد العلماء الكبار طرحت قصة حياته في فيلم ‘تراب الغرباء’ منذ سنوات، والآن هناك من ينوي تكرار التجربة مرة أخرى. وليست هذه هي المشكلة لكن ما يدعو للتساؤل هو ذلك السجال المفتوح حول السينما الإسلامية والتركيز على انتاج أفلام تروي سير الصحابة والصالحين والفاتحين، بما يعني تغيير القبلة الفنية شطر الكعبة وبداية عهد جديد للفن السابع بعد مئة عام ويزيد من عمر السينما المصرية واعتبار التاريخ الفائت كله إبداعا خارجا عن الملك يستلزم الإبادة والحرق، لأن النساء فيه ظهرن كاسيات عاريات ومعظم الموضوعات تناولت فسقاً وفجوراً ودارت قصص الأبطال حول الحب والغرام والهيام وسمع الجمهور رنين كؤوس الخمر والضحكات الماجنة، الى آخر تفاصيل العالم الافتراضي الذي يراه قادة التيارات الدينية، إخوانا وسلفيين وجماعات، محض كفر وانحلال وجهر بالسوء يستوجب إقامة الحدود على الأبطال والمخرجين والجمهور، ونسي هؤلاء المتشدقون بالفضيلة أن السينما المرفوضة من وجهة نظرهم ليست كلها هذا اللون وانما نفس شركات الانتاج هي من أخرجت للنور اعمالا مهمة سبقت المشروع الإخواني في التأكيد على الثقافة الدينية، وذكرت الناس بسير الأولين فليس غيرها من قدم فيلم ‘الشيماء والرسالة وظهور الإسلام وبلال مؤذن الرسول وفجر الإسلام ورابعة العدوية والناصر صلاح الدين والفيلم الأشهر وإسلاماه’، كل هذه النوعيات السينمائية كانت بالطبع معنية بتقديم صورة ايجابية عن الإسلام وما جاء به من قيم ومُثل عليا وحضارة إنسانية عريقة، لم يغفل أحد هذه الحقيقة ولم يتجاهلها، غير ان الاعمال الدرامية التلفزيونية حظيت بالنصيب الأوفر من التوثيق الديني للشخصيات والقصص والمواقع والانتصارات فقبل زمن التفكير الإخواني في الانتاج الفني بزمان انتجت المؤسسات الإعلامية، الإذاعة والتلفزيون وصوت القاهرة مسلسل ‘محمد رسول الله’، الأضخم في تاريخ الانتاج الفني، حيث بلغ حوالي خمسة أجزاء تناول من خلالها سير الانبياء من سيدنا نوح وإبراهيم الى سيدنا محمد وشارك فيه كبار النجوم، شكري سرحان، محمد الدفراوي، عبدالله غيث، سناء مظهر، صلاح منصور، وياسمين الخيام التي غنت تتر المقدمة والنهاية، وليس هذا فحسب، ولكن كان هناك ايضا مسلسل ‘على هامش السيرة’ عن قصة للدكتور طه حسين ومسلسل ‘الفرسان’ لحسام الدين مصطفى و’عمر بن عبدالعزيز’ لكاتبه عبدالسلام أمين وبطله نور الشريف و’عمرو بن العاص’ و’خالد بن الوليد’ وكلها اعمال فنية يحفظها المشاهد المصري والعربي عن ظهر قلب وهو ما يثبت ان الشخصيات التاريخية والإسلامية ليست في وعي الإسلاميين فقط وانما هي طوال السنوات الماضية في عقل كل المبدعين، العلمانيين والمتصوفين، وعلى من داهمه النسيان وخانته الذاكرة العودة الى مسلسل ‘الطارق’ للكاتب يسري الجندي أو ‘ملوك الطوائف’ ليدركوا ان ما يتم التدشين له حاليا ليس ابتكارا ولا بدعة حسنة يعود الفضل فيها لأصحاب المبادرة الأخيرة، فالإبداع من قديم الأزل يكتب ويصاغ ويصور ويقوم بانتاجه وإخراجه وتحميضه ومونتاجه ومكساجه مبدعون آمنوا بالفن ودرسوه ولم يحرموه وهم أنفسهم من سيقومون على تنفيذ التجارب الإخوانية، سواء في السينما أو التلفزيون الآن فاقد الشيء لا يعطيه والإخوان ليس من بينهم كوادر فنية مدربة بإمكانها أن تصنع إبداعا مصورا، وحتما سيعتمدون على الخبرات الخارجية وحينئذ سيكون فنهم مستوردا وإن وضعوا عليه تيكت ‘الجماعة’، والأجدر بهم ألا ينسبوا ما يقومون بتمويله لأنفسهم ويكتفوا فقط بعبارة أنتج تحت رعاية الإخوان المسلمين كما يكتب في نهاية الأفلام الأجنبية المترجمة للعربية، تمت الترجمة بمعامل أنيس عبيد عملا بقانون الملكية الفكرية واحترام حق الإبداع والمبدعين الأصليين، تحضرني في هذا المقام حكاية الفيلم السعودي ‘كيف الحال’ الذي كتب له السيناريو الكاتب المصري بلال فضل وأخرجه مخرج مصري ايضا وقام ببطولته وشارك في تمثيله ممثلون مصريون ليس لهم جنسيات أخرى ولا يزال الفيلم يصنف على انه الفيلم السعودي الأول، وقد أدهشني تصريح رجل اعمال سعودي شهير قال فيه، إن السينما في المملكة العربية السعودية تساهم في تغيير شكل المجتمع!
إننا نخشى بعد فيلم ‘حسن البنا’ أن يخرج علينا أحد قادة الجماعة بتصريح مماثل يؤكد فيه إن السينما الإخوانية غيرت وجه الحياة في مصر!