دخول تركيا “لعبة الأمم” في ليبيا أخاف أوروبا وغموض الموقف الأمريكي يشجع روسيا

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في كل مرة يقترب فيها المجتمع الدولي من حل الأزمة الليبية المتقرحة منذ ثمانية أعوام تتعقد ويزداد عدد اللاعبين فيها بحيث تتداخل المصالح الإقليمية، السياسية والعسكرية والنفط. وتبدو اليوم ليبيا كساحة تصفية حسابات جيوسياسية يستخدم فيها كل أنواع الدعاية والتضليل واستدعاء المرتزقة وبحث كل طرف عن حلفاء خارجيين لتقوية موقعه على الأرض وتعزيز أحقيته بالسيطرة على البلاد.
وكما هو الحال في سوريا التي التقت على أرضها الإرادات الإقليمية والدولية وانتهت بانتصار فارغ على الأرض لنظام بشار الأسد، إلا أن المعادلة الليبية تبدو اليوم أعقد. وهي نتاج سياسات الغرب الفاشلة الذي لعب دورا في سقوط نظام العقيد معمر القذافي وتركها نهبا للقوى الإقليمية وأمراء الحرب الذين اقتسموا البلاد ومصادرها فيما بينهم. فالصراع وإن كان بين حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة ويتزعمها فائز السراج وأمير الحرب خليفة حفتر إلا أن دول المنطقة هي التي تقف وراء استمرار الحرب وتؤجج صراعاتها الحرب الداخلية.
متغير جديد
والمتغير الجديد في النزاع الليبي هو قرار الحكومة التركية دخول الحرب إلى جانب حكومة الوفاق الوطني التي يتزعمها فائز السراج في طرابلس. وتعاونت تركيا مع روسيا التي تدعم طرفي النزاع في الحرب الليبية على تسوية لوقف إطلاق النار ودعوة أطراف النزاع للاجتماع في موسكو للتوقيع على اتفاقية الهدنة، إلا أن أمير الحرب خليفة حفتر قرر عدم التوقيع وغادر موسكو إلى الأردن غاضبا، مما اعتبرته المؤسسة الروسية صفعة وإهانة لها، حيث أفشل حفتر المسار الذي كانت تعمل عليه موسكو وأنقرة. تماما كما أفشل العملية السلمية التي كان يسعى إليها الأمين العام للأمم المتحدة العام الماضي، وشن حربه على العاصمة على أمل السيطرة عليها في فترة قصيرة لكنه وجد نفسه عالقا فيها بدون أن يحسم لا هو لا حكومة الوفاق المعركة. وتحولت الجبهة لحالة من الكر والفر خلفت وراءها أكثر من ألف شخص وآلاف الجرحى.
وكل طرف خارجي يعتبر ليبيا مهمة له، فمصر تراها جزءا من أمنها والإمارات والسعودية تعتبرها ساحة للثورة المضادة وتصفية الحسابات مع الإسلاميين ويتعامل الأردن مع النزاع كفرصة اقتصادية. وقدمت هذه الدول مزيجا من الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي لحفتر.
أما تركيا فترى بالدفاع عن حكومة الوفاق دفاعا عن مصالحها في شرق المتوسط وحقوق التنقيب عن النفط والغاز في وجه المحور الذي تشكل من مصر وإسرائيل واليونان وقبرص والتي عارضت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقعتها انقرة مع حكومة طرابلس. وبالنسبة لروسيا فهي جزء من جهود تعزيز بصماتها على المنطقة في غياب الدور الأمريكي واستعادة الدور الروسي المفقود بسبب نهاية نظام القذافي.
حديقة خلفية
وظلت دول الاتحاد الأوروبي تتعامل مع ليبيا كحديقة خلفية لها لا تهتم بها إلا في حالة شعرت أنها مهددة من الإرهاب أو موجات المهاجرين. فيما دعمت إيطاليا حكومة طرابلس من أجل النفط وكذا فرنسا التي شجعت حفتر طمعا في العقود النفطية. كل هذا يعطينا إطارا للمؤتمر المنعقد اليوم الأحد والذي أطلق عليه “مسار برلين”. وتقول صحيفة “نيويورك تايمز” (17/1/2020) إن أوروبا التي ظلت بعيدة عن الحرب القاسية استفاقت للعبة الأمم المعقدة التي تجري على الأرض الليبية مع دخول كل من تركيا وروسيا للمعادلة مع بقية الدول الأخرى. ويهدف مؤتمر برلين لجمع الأطراف المتحاربة ووقف إطلاق النار ودفع الدول الخارجية منح الليبيين فرصة لحل خلافاتهم بأنفسهم. ولكن المهمة ستظل صعبة خاصة أن كل طرف يحاول تحويل منبر برلين لفائدة وكيله في الحرب الليبية. فالتنافس على مصالح الغاز والنفط تجعل من مصير الحكومة المعترف بها دوليا على الحافة. ويرى إيان ليسر، مدير مكتب صندوق مارشال الألماني في بروكسل “نشهد حالة صحوة للمصالح الجيوسياسية في ليبيا” وهذه “تبدأ من موضوعات الهجرة والأمن والطاقة ومكافحة الإرهاب”. ولكنه أكد أن الاهتمام الغربي بليبيا جاء بسبب المواقف الحازمة من تركيا وروسيا، وهو ما دفع الجميع للتعبئة ومحاولة مواجهة التحالف الروسي-التركي في ليبيا. إلا أن الأوروبيين في وضع ضعيف وعلى الهامش كما ترى كريستينا كوتستش الزميلة في صندوق مارشال الألماني “يشعر الأوروبيون بالخوف ولكننا متأخرين فنحن خارج الصورة” وقالت إن روسيا ودول المنطقة تتلاعب بأوروبا في جوارها. وهي تدفع ثمن تخليها عن البلد الغني بالنفط وتسليمه للجماعات المسلحة. بل وساعدت أوروبا على انتشار سلاح النظام السابق وتوزعه بين الميليشيات والجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء والتي لا تزال مصدرا للمهاجرين الباحثين عن ملجأ في أوروبا. والمشكلة في الموقف الأوروبي هو تباين مصالح دوله، كما هو واضح في الموقف الفرنسي والإيطالي بشكل أضعف الموقف الأوروبي. إلا أن التدخل الروسي والتركي في الأزمة وتعهد تركيا بدعم الحكومة في طرابلس عنى أن الدول الأوروبية لا تستطيع تجاهل الأمر. وينبع الموقف الأوروبي الجديد من مسؤول السياسات الخارجية جوزيف بوريل فونتيل الذي تبنى نظرة متجددة من ليبيا وحذر من مخاطر التدخل العسكري التركي في ليبيا. وحذر من وجود قواعد بحرية تركية وروسية قبالة الشواطئ الإيطالية. وقال في تغريدة إن هذا أمر قابل للحدوث إن لم تشترك أوروبا بقوة وتسهم بحل سلمي لهذا النزاع. والمسألة ليست بهذه السهولة كما بدا من المحاولة التركية- الروسية لجمع حفتر والسراج في موسكو الأسبوع الماضي، في إشارة عن محاولة روسيا لملء الفراغ الذي تركته أوروبا.
بوتين والورقة الليبية
وبات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمسك بالورقة الليبية مثلما أمسك بالورقة السورية، حيث تعامل فيها مع كل الأطراف في محاولة منه لمنع انهيار نظام الأسد. وهو ما دفع تركيا للتعامل معه من أجل حماية مصالحها من المخاطر الكردية. وأشارت صحيفة “إندبندنت” (13/1/2020) إلى أن روسيا باتت دولة عظمى بالمنطقة على كل اللاعبين التعامل معها. ويبدو أن ظهور روسيا كلاعب جديد في ليبيا كان وراء ضغوط أمريكا على حفتر للتوقيع على اتفاقية سلام لنزع الورقة من روسيا، كما أورد موقع “بلومبيرغ” (15/1/2020). إلا أن رفض أمير الحرب التوقيع على وثيقة وقف إطلاق النار نبع من رفضه القوة التركية-الروسية المشتركة التي كانت ستشرف على وقف إطلاق النار. ويبدو أن روسيا بالغت في قدرتها للضغط على أمير الحرب الذي وجه لها صفعة وعاد من حيث أتى. ولا يزال حفتر مؤمنا بقدرته على دخول طرابلس. ولو وافق يوم الأحد على توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار، صادقا أم غير ذلك فستكون لفتة من الرئيس بوتين إلى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.
موقف غامض
ولا يعول الخبراء على نجاح المؤتمر ويتوقعون أن يكون محاولة أخرى فاشلة لوقف النزاع. وفي غياب الموقف الأمريكي الواضح من النزاع فالمسألة ستظل معلقة بين إرادات ومصالح المتحاربين. ففي الوقت الذي دعمت فيه إدارة ترامب حكومة الوفاق الوطني وعملية السلام التي رعتها الأمم المتحدة إلا أنها غيرت موقفها في نيسان (إبريل) 2019 بعد اجتماع ترامب مع عبد الفتاح السيسي حسب تقرير لمنظمة الأزمات الدولية في بروكسل. لكن واشنطن تظل غائبة عن العملية خاصة أنها قررت سحب قواتها من غرب افريقيا المكلفة بمكافحة الإرهاب وترك المهمة للفرنسيين. ومع ذلك سيحضر مايك بومبيو، وزير الخارجية الاجتماع المهم وسيؤكد على ثلاثة أمور وهي الالتزام بوقف إطلاق النار، وخروج القوات الأجنبية والعودة إلى عملية يقودها القادة الليبيون برعاية الأمم المتحدة. ومثل أوروبا فليس لدى أمريكا ما تعمله لتحقيق الأهداف خاصة أنها لم تعبر عن دعم لحكومة السراج. وهذا يتناسق مع موقف واشنطن الغامض وتقديم الدعم التكتيكي إلى حفتر. وهي أن عبرت عن قلق من النشاطات الروسية إلا أن هذا لم يتمظهر على شكل تغير في السياسة.
اختلاط الأوراق
وما يعقد الأزمة الليبية هو التحالفات التاريخية في البلد والكشف عن الغاز في شرق المتوسط بشكل رفع من رهانات كل الأطراف الخارجية. فرغم مخاوف إيطاليا من الهجرة إلا أنها وكدولة مستعمر سابق لليبيا مهتمة بالمصالح النفطية عبر شركة “إيني” ومع انحراف الميزان باتجاه قوات حفتر بدأ موقف روما يزداد غموضا. وكان دخول روسيا إلى ليبيا اقتصاديا بالمقام الأول، وجاء وصول المرتزقة من شركة “واغنر” المرتبطة بالكرملين إلى ليبيا في أيلول (سبتمبر) 2019 فرصة لروسيا كي تؤكد موقفها. ومنذ عام 2015 تقوم موسكو بزيادة دورها في ليبيا التي ترى فيها فرصا اقتصادية ولزيادة نفوذها على حساب الدول الغربية. وقدمت روسيا إلى حفتر صواريخ مضادة للدبابات وقنابل مدفعية موجهة بالليزر بشكل أدخل الحرب إلى مرحلة خطيرة. وما لم يعرفه الجميع أو يحاولون تجاهله هو أن أمير الحرب خليفة حفتر الذي يقدم نفسه لداعميه وللأمريكيين باعتباره الرجل القادر على دخول طرابلس وتحقيق النصر إلا أنه تعهد بسحق الإسلاميين ومنع أي معارضة سياسية بشكل سيدفع باتجاه حرب تمرد طويلة الأمد من الأطراف التي تعارض رؤيته الديكتاتورية.
حرب طويلة
ويرى كل من فردريك ويهري وجلال الحرشاوي بمقال مشترك نشرته مجلة “فورين أفيرز” (7/1/2020) أن دورا أمريكيا قويا يعمل على منع التدخل الخارجي وفتح المجال أمام النمو الاقتصادي هو الكفيل بمنع انهيار البلاد ودخولها في المجهول. ويرى الكاتبان إن تسويق حفتر نفسه للمجتمع الدولي كقوة توحيد ومحارب ضد الإسلاميين قام على سرديات خاطئة وتصديقها يعني التسليم بتدهور البلاد للأسوأ. فحفتر محق في تصويره لحكومة الوفاق بالعقيمة والتي تعتمد على جماعات مسلحة، إلا أن وزير داخلية الحكومة قام ومنذ نهاية 2018 بمحاولات ناجحة نوعا ما لتقليل اعتمادها على الميليشيات. وفي الوقت نفسه يبدو كلام حفتر عن سيطرة الإسلاميين على غرب ليبيا مبالغ فيه. فمنذ2017 ضعف وجود المتشددين الإسلاميين بسبب القتل والنفي والسجن وتخلي الرأي العام عنهم. بل وأثرت حملة حفتر ضد طرابلس على عمليات مكافحة الإرهاب والتطرف. وبنفس السياق فزعم حفتر أنه موحد وجالب للاستقرار مضلل، فهو لا يؤمن بالديمقراطية وقال للصحافيين والدبلوماسيين إنه يجب قتل الإسلاميين وسجنهم ونفيهم. ولا ينوي حفتر إنهاء الميليشيات لأنه يعتمد على عدد من الميليشيات القبلية والسلفية المتشددة. فالشكل الذي يريده حفتر للحكم هو ديكتاتوري وكما يظهر تاريخ العالم العربي فهذا النوع من الحكم يظل مصدرا للنزاع. والغريب أن الصحوة الغربية في ليبيا جاءت بسبب دخول تركيا على الخط، مع ان أمريكا وحلفاءها لم تظهر تشددا من الإمارات التي بدأ دعمها لحفتر قبل وقت طويل، وشنت غارات جوية أكثر من تركيا وتحتفظ بقاعدة عسكرية سرية في شرق البلاد. ولم تتحرك إدارة ترامب لأن هناك من يقول إن الإمارات صديق موثوق سيسهم في انتصار حفتر على المتشددين. وهذا تقييم خاطئ.
فاسد أكبر
ولو استطاع دخول طرابلس بدعم من الروس أو الإماراتيين فسيوجه أمير الحرب معركة شرسة في طرابلس. وربما قد تغير بعض الميليشيات مواقفها إلا أن العاصمة طالما عارضته وستقاتل حتى النهاية. ولو قررت أمريكا تفعيل دورها فعليها التركيز على الإمارات والضغط عليها لوقف خرقها لقرار مجلس الأمن الدولي الذي يحظر نقل السلاح للجماعات المتقاتلة في ليبيا بالإضافة لتفعيل الإصلاحات الاقتصادية. فحفتر الذي يزعم أنه يريد تحرير البلاد لرفع الظلم عن المواطنين وإنهاء تحكم البنك المركزي بالمال الذي يقول إنه يذهب لجيوب الميليشيات هو أكثر فسادا وافتراسا للمال من الجماعات التي يريد هزيمتها. ومن هنا فأي عملية إصلاح اقتصادي يجب ألا تركز على طرابلس بل وعلى مناطق الشرق.
اقتباس
لا يزال حفتر مؤمنا بقدرته على دخول طرابلس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية