تحديات «داعش» والاحتلال الإسرائيلي

حجم الخط
0

أذكت أجواء المتغيرات والتحديات الناجمة عن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في المنطقة، فرصة مناسبة عند الاحتلال الإسرائيلي لاقتناص «مغانم» تعميق الخلل القائم في الأراضي المحتلة لمصلحته، بعيداً عن ضغط المساءلة العربية والدولية.
ويعوّل الاحتلال على عنصر الاستفادة من الانشغال بمسار الحرب ضدّ «التنظيم» وسبل القضاء عليه، مع بقاء حالة التجاذب الإقليمي العربي، التي برزت في مشهد مساعي التوصل إلى هدنة لوقف إطلاق النار في غزة، وديمومة علاقة التوتر بين مصر وحركة «حماس»، في حسر حراك عربي إسلامي مؤثر في دعم ونصرة الشعب الفلسطيني، ما يمنحه الفرصة الكافية لتثبيت مشروعه في الأراضي المحتلة، وسط انحياز أمريكي مفتوح له، ومواقف أوروبية متباينة من الصراع العربي الإسرائيلي.
وتسمح تلك الأجواء، في منظوره المحتل، بقلب معادلة «الاهتمام» بالقضية الفلسطينية إلى «انكفاء» عنها، فيما يغذي صعود تنظيم «داعش» وتمدّد سيطرته على مساحات أخرى من الأراضي العراقية والسورية من عنصر القلق الإقليمي والدولي المصحوب بإضافة المزيد من المسوغات لوضع «التنظيم» في قائمة أولوية التحرك، مما قد يضعف الاهتمام المطلوب بالمبادرة التي يعتزم الجانب الفلسطيني تقديمها إلى مجلس الأمن لانهاء الاحتلال، ضمن سقف زمني محدد، وإقامة الدولة المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس المحتلة، طالما انها مهددة «بالفيتو» الأمريكي، وبعيدة عن منطوق الاحتلال في تحكيم الصراع على «الأرض» لسياسة الأمر الواقع وموازين القوى المختلة لصالحه.
ولا يجدّ الاحتلال أيّ حرج في النهلّ من أفعال «داعش»، وأقرانه من الحركات المتطرفة المنسولة، مقولة ان «الإرهاب، وليس الاحتلال الإسرائيلي، أسّ عدم الاستقرار والأمن في المنطقة»، وفق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أو حتى الدفع بصيغة «محلِلِة» لمداميك الاحتلال في فلسطين، وكأنه غير موجود أصلاً، وذلك تحوير جذريّ لتأصيله ككيان إحلاليّ استعماري استيطاني في فلسطين المحتلة.
ورغم ان الاحتلال الإسرائيلي لا يندرج في قائمة أولوية «تنظيم الدولة الإسلامية»، تبعاً لمعتقد «العدّو القريب أولى»، إلا انه يسعى لاستثمار الوضع المضطرب الذي أوجده «داعش» بالمنطقة في إعلاء صوت التحذير من خطره القادم إليه، كمسوغ أمام المجتمع الدولي للتمسك بشرط الحفاظ على السيطرة الأمنية في منطقة الأغوار وبقاء جيش الاحتلال ضمن المنطقة الحدودية مع الأردن، مقابل رفض نشر قوات فلسطينية فيها، وذلك ضمن أي اتفاق تسوية يتم التوصل إليه مع الجانب الفلسطيني، بذريعة صعوبة الاتكال على الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمقاومة «داعش» والحركات المتطرفة.
وهذا يعني ان الدولة الفلسطينية المستقلة المنشودة لن يكون لها حدود مع الأردن، وبمعنى آخر لن يكون لها وجود مستقبلي، من المنظور الإسرائيلي.
ويستقيم ذلك مع مشروع الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة التي يريدها مقسّمة الأوصال بين «دولة» زهاء 631 ألف مستوطن اليوم، يسعى إلى زيادتهم للمليون مستعمر خلال الأعوام القليلة القادمة، ضمن نحو 62٪ من مساحتها في المناطق المسّماة «ج» الغنيّة بالإمكانيات الطبيعية والاقتصادية، إلى جانب حكم ذاتي فلسطيني، باسم «سلطة» أو حتى «دولة»، ضمن الأجزاء المقطعة المتبقية، معنيّ بالشؤون الحياتية للسكان خلا السيادة والأمن الموكولتين للاحتلال، مقابل غزة معزولة بدولة ونظام مستقلين، وذلك غداة قضمّ المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود العام 1967، وإخراج القدس من مطلب التقسيم.
ويرمي الاحتلال من وراء تعظيم مخاطر «داعش» القادمة ضدّه، إلى محاولة تحقيق ما فشل في انجازه من أهداف «خائبة» خلال عدوان غزة، الذي أفضى إلى انتصار المقاومة وإعادة القضية الفلسطينية، بعد تراجع، إلى واجهة المشهدين الإقليمي والدولي، ما تبين في تصدرها وسائل الإعلام وتحريكها للجهود الدبلوماسية، وتحفيزها لتظاهرات التضامن الشعبية الحاشدة في مختلف دول العالم، بما فيها العواصم الغربية.
ويحرص الاحتلال على انتهاز أي مناسبة للمساواة بين «تنظيم الدولة الإسلامية» وحركة «حماس» وإبراز القواسم المشتركة بينهما، في سبيل القضاء على المقاومة ونزع سلاحها وتصفية البنية التحتية للحركة.
ويعتقد الاحتلال ان بفعله هذا يجد البيئة الحاضنة لتبرير التمسك بمطلب نزع سلاح المقاومة خلال مفاوضاته، غير المباشرة بوساطة مصرية، مع الجانب الفلسطيني، والمقرر استئناف جولتها الثانية في القاهرة قريباً، كما قد يسمح له بطمسّ أي معارضة لضربّ «حماس»، والذي يشكل، في الأساس، المضيّ في نمط عدوانه الثابت ضدّ الشعب الفلسطيني.
ولطالما عمد الاحتلال للترويج لفكرة ما يجابه من خطر «العدو الأكبر» الممثل، وفق مزاعمه، في «الحركات الإسلامية المتطرفة» و»الحركات الإرهابية الفلسطينية» مثل «حماس»، بوصفه كياناً ديمقراطياً يعيش وسط ساحة عربية إسلامية تعجّ بالفرقة والتدني وتنضح بالخطورة المهددة لأمنه ووجوده في المنطقة، بما يتطلب مواجهتها.
وتبعاً لذلك، يحاول الاحتلال تصوير الصراع العربي الإسرائيلي على انه صراع حضاري بين الإسلام السياسي «المتطرف» وما يسمى «الإرث اليهودي المسيحي»، بما يشي عن محاولة إسرائيلية للتخفي وراء خطاب صراع الثقافات والديانات لتغطية الوجه الحقيقي للصراع باعتباره يتعلق بالاستعمار والاحتلال الصهيوني للأرض المحتلة وانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني في التحرير وتقرير المصير وعودة اللاجئين، مع محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بالفلسطينيين.
وتحت مطيّة «العدّو المشترك»، يسعى الكيان الإسرائيلي للانخراط ضمن «التحالف الدولي» المناهض لتنظيم «داعش»، سواء بالمشاركة الرسمية أم على مستوى التعاون الاستخباريّ المعلوماتي حدّ الاستعداد لوضع قواعده أمام استخدام الطائرات الأمريكية في الحرب ضد التنظيم (هآرتس 17/9/2014)، رغم مجابهته بالصدّ، وذلك إزاء ما يحقق له هذا الانضواء من فوائد.
إذ من خلال ذلك يتمكن نتنياهو من استخدام ورقة «داعش» لتعزيز وضعه السياسي الداخلي وترميم عطب شعبيته التي تراجعت، وفق استطلاعات الرأي، نتيجة عدم حسمه المعركة في قطاع غزة لصالح الاحتلال، والتي أعطت مناخاً مواتياً لمطالب المعارضة بانتخابات إسرائيلية مبكرة، سيجد فيها المعسكر اليميني المتطرف موقعاً مريحاً، ما لم تحدث أي تطورات غير محسوبة حتى الموعد المحدد في حال حدوثه.
كما يبتغي نتنياهو، مع النخبة السياسية والعسكرية، إلى تعزيز مكانة الكيان الإسرائيلي عند حلفائه في الغرب، لدى ظهوره مصطفاً إلى جانبهم في حربهم المشتركة ضدّ التطرف والإرهاب، ما يؤدي، أيضاً، إلى صرف الانتباه عن جرائمه في غزة وتجميل وجهه القبيح وتغيير صورته التي تشوهت في مختلف دول العالم، لاسيما الأوروبية منها، بوصفه «مرتكب جرائم حرب ضدّ الانسانية».
ويقف هدفاً آخر لا يقل حيوية عن سابقيه، إذ يعتقد الاحتلال ان «انخراطه في تحالف إستراتيجي واعتباره جزءاً من الائتلاف الإقليمي لمواجهة تهديد الإرهاب المشترك، قد يشكل فرصة بالنسبة إليه للاقتراب من العالم العربي وبناء علاقات سلام معه»، بحسب رأي الوزيرة تسيبي ليفني، مثلما يسهم، وفق منظور الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، إلى «إحلال عدو جديد مكان السابق، توطئة لنسيان الاحتلال مع مرور الوقت»، بحسب مزاعمه.
إلا ان ذلك انتج جدالاً داخلياً ربط بين «التحالف الدولي» ضدّ «داعش» وإقامة الدولة الفلسطينية، إما لجهة رؤية البعض، مثل الكاتب الإسرائيلي موشيه معوز، بضرورة «التوصل إلى اتفاق سلام مع الجانب الفلسطيني من أجل تذليل عقبات قبول المشاركة الإسرائيلية في التحالف»، وإما لناحية التحذير من إقامة دولة فلسطينية مستقلة ستكون، بحسب وزير الاقتصاد نفتالي بينت، «جبهة متقدمة لتنظيم داعش».
ومع ذلك؛ يتولد لدى الاحتلال الإسرائيلي خشية من تحوّل خطر «داعش» نحوه إذا ما قرر تغيير ترتيب أعدائه لسبب أو لآخر، فيما تشكل إمكانية تمدد «التنظيم» حدّ إحكام سيطرة «الدولة الإسلامية» على مناطق أخرى، مصدر قلق بالغ عنده.
عدا عن الخشية الإسرائيلية، في ظل الحرب الدولية ضدّ «داعش»، من نسيان الخطر الممثل، بالنسبة إليه، في إيران، وإفضاء تقاطع المصالح بين واشنطن وطهران إلى تقارب بين الطرفين حول قضية الملف النووي الإيراني، وتخفيف الضغط عليها بسبب برنامجها النووي أملاً في الحصول على مساعدتها في محاربة «التنظيم»، وهو الأمر الذي يحاول التنبيه إليه من خلال اجتماعاته مع المسؤولين الأمريكيين.
وفي المحصلة، لا شك ان تنظيم «داعش» يشكل، مع سواه من الحركات المتطرفة، عنصر فائدة للكيان الإسرائيلي، الذي سيزيد في قادم الأيام استيطاناً وتهويداً في الأراضي المحتلة، بما يتطلب دعماً عربياً إسلامياً لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، مثلما يستلزم تحقيق المصالحة الفلسطينية ووضع استراتيجية وطنية موحدة لمجابهة عدوان الاحتلال.

٭ صحافية وباحثة من الأردن

د. نادية سعد الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية