الديناصورات لم تنقرض بعد في تونس

خدمة جديدة بالمجان أطلقتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس. الخدمة تسمح لكل مواطن بالتأكد بواسطة الهاتف الجوال ان كان اسمه قد ورد على لوائح التزكية التي قدمها المرشحون لانتخابات الرئاسة أم لا. أما في حال اكتشاف تلاعب أو تزوير فكل ما تقدر الهيئة على فعله هو نصح المواطن المخدوع بالإسراع برفع شكوى رسمية إلى القضاء وانتظار الرد في وقت لاحق.
حتى الآن، وبحسب ما ذكرته صحيفة «الصباح» اليومية، فقد بادر نحو مئتي شخص برفع دعاوى جزائية ضد خمسة مرشحين للرئاسة بتهمة استغلال أرقام بطاقات هوياتهم وامضاءاتهم لوضعها على لوائح المزكين لهم. لكن الجدل حول فضائح الامضاءات المزورة في تزكيات المرشحين للرئاسة ما يزال مستمرا في تونس إذ في كل يوم تتسرب معلومات أو تصريحات من هذا الطرف أو ذاك تحمل تفاصيل صغيرة لكن بالغة الاهمية والخطورة حول ما يدور في الساحات الخلفية من سلب ونهب ونهش في ضمائر وأصوات صارت تباع وتشترى مثل أي سلعة أخرى بحسب قاعدة صارمة وغير آدمية هي العرض والطلب.
يستمر ذلك وتتواصل معه في الوقت نفسه خدمات التحقق والتثبت وتقصي الحقائق وكأن الأمر أشبه ما يكون برحلة مكوكية معقدة وصعبة إلى كوكب مجهول وبعيد يحتاج الوصول إليه جهدا خارقا واستثنائيا. والحجة التي تقدم دوما وباستمرار هي انه لا يمكن توجيه الاتهام لشخص أو جهة دون حكم قضائي بات وان القضاء هو السلطة الوحيدة والحصرية التي لها مطلق الصلاحية في تبرئة المتهمين أو إدانتهم. الإعلام بدوره لا يقدم اتهامات مباشرة وصريحة لطرف محدد لكنه يغمز لمرشح أو مرشحين دون سواهم فيما تقود نفس البدايات التي صارت ثوابت وحقائق لا يرقى إليها الشك أو الشبهة إلى نتيجة واحدة لا غير وهي ان لا طائل ولا جدوى من وراء انتخابات مغشوشة يتحكم فيها أباطرة المال السياسي المشبوه وان الحل الأسلم والأفضل في مثل تلك الظروف هو إعلان المقاطعة الشعبية الشاملة ورفض المشاركة في «مسرحية الانتخابات».
اختزال المشهد في طرفين اثنين يقفان على خطي نقيض هو الجانب الأساسي في الدفع نحو تلك المقاطعة النفسية قبل الفعلية، والطرفان كما يتم تصويرهما هما شعب طيب وساذج ملائكي الصفات والخصال ما يزال محتفظا بنقاء روحي وفكري نادر ثم مجموعة محدودة وصغيرة من رجال العصابات والتجار النهمين والجشعين التي لا هم لها ولا غاية إلا ضرب الآنتخابات و»قتل الديمقراطية» مثلما تقول النائبة الأولى لرئيس المجلس التأسيسي من خلال عمليات البيع والشراء في الأصوات والضمائر.
ذلك التبسيط يحجب واقع مؤلم وصادم تتداخل فيه ديمقراطية غضة طرية العود باستبداد اخطبــــوطي عميق الجذور يتمدد بشكل كثيف على كامل المفاصل والمحاور. نقطة الالتقاء أو التداخل تكمن في ضعف الإرادات وانحسارها مقابل التقدم الواسع والاكتساح الكبير للأهواء والرغبات. فمن يصنع الديمقراطية الجديدة في تونس إذن؟ ذاك هو السؤال الذي لا يجرؤ قسم واسع ممن يتحكمون الآن في خيوط اللعبة على طرحه بوضوح كامل ودون مواربة أو تسويف تماما مثلما تجاهلوا لوقت طويل سؤالا قديما عمن صنع استبداد الماضي وكان سببا أساسيا ومباشرا في الخيبات والمظالم.
ليس باستطاعة أحد ان ينكر أو يحجب المحاولات أو الجهود التي بذلت لطي صفحة الاستبداد وفتح صفحة الديمقراطية بدلا منها لكن العقبة الكأداء لم تكن أبدا في ان رجال الماضي ورموزه هم من يتصدرون الساحة الآن لصنع الحاضر والمستقبل بل في احتفاظ أجهزة السلطة بالطاقم ذاته وأسلوب الإدارة نفسه رغم التعديلات الشكلية الطفيفة وعمليات التجميل الخارجي المكررة على عجل في وقت قصير.
من صفقوا طويلا وبحرارة لسقوط المستبدين من عروشهم وفرار الرئيس المخلوع هم الذين يصفقون الآن لعودتهم ورجوع عهودهم وأيامهم باسم الاستقرار وهيبة الدولة أو باسم الثورة التي لا تقصي أحدا و الحرية المفتوحة للجميع. التبرير قد لا يكون مهما بقدر ما يهم ان جزءا واسعا من أزمة النظام المتهاوي السابق ترحل اليوم إلى النظام المرتقب المقبل. فوجوه الصف الأول في عالم المال والسياسة والتي حرصت طوال عقود على الدفاع عن وجود بن علي في أعلى هرم السلطة لحماية مصالحها وامتيازاتها هي التي استطاعت ان تسحب البساط من تحت قدميه في الوقت المناسب بعد ان تحول عبئا مكلفا ومزعجا بل خطرا يتهددها في المقام الأول.الالتقاء بين حاجة الكبار وفورة الصغار وغضبهم هو الذي صنع التحولات الكبرى منذ أربعة أعوام لكنه ترك في المقابل مفاتيح السيطرة والتحكم حكرا على الدوائر التقليدية المغلقة للسلطة. وما يلفت الآنتباه اليوم انه لم يعد هناك مجال لمنافسة حقيقية بين أشخاص فضلا عن برامج حتى في نوادي الرياضة.
والمثال الأقوى على ذلك هو ما يحصل داخل واحد من أعرق النوادي الرياضية في تونس بعد ان وصل ميلياردير شاب إلى رئاسته قبل مدة إذ تذكر الصحف المحلية ان باب الترشحات لانتخابات النادي قد أغلق على ترشح وحيد لنفس الشخص دون ان يتقدم أحد لمزاحمته.بل تضيف صحيفة « الشروق» التونسية في عددها الصادر يوم 28 ايلول/ سبتمبر الماضي « ان بقاءه من شأنه ان يمكن من مواصلة انجاز المشروع الذي انطلق والهادف إلى تطوير فريق باب جديد بتحسين البنية الأساسية وتعصير عملية التكوين وتوفير الإمكانات المادية والبشرية والقيام بالتعزيزات النوعية لفريق الأكابر والأهم من ذلك كله البحث عن الصيغ المثلى لتجسيم حلم الأنصار المتمثل في الملعب الخاص بالفريق …».الحلم أم المال هو الذي يمنع التنافس إذن حتى رئاسة ناد رياضي أم عزوف الناس عن المسؤوليات السياسية والمدنية كما يروج الإعلام؟ .لا أحد بمقدوره الجزم فمعظم الأحلام صارت معلقة بسلة واسعة من الأوراق النقدية وحتى الأوراق المكتوبة، التي قل ان تجد قراء في زمن الانترنيت، لم تعد قادرة على الصمود طويلا في وجه سلطان المال وجبروته.
فبعد 25 عاما على صدور إحدى الصحف الاسبوعية في تونس كتب مديرها الاسبوع الماضي» كل الصحف المستقلة مهددة بالتوقف عن الصدور مثلنا سواء بعد أسابيع أو بعد أشهر قليلة… ستنسحب الجرائد المستقلة من السوق إذا لم توفر لها الحكومة نصيبا من الإشهار العمومي في أقرب وقت…». لكن هل بتدفق المال وحده سوف ينمو جيل جديد من الصحافيين المحترمين ويستعيد الجمهور لذة القراءة المفقودة؟.
التأمل الدقيق لما جرى خلال الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة إلى مقر الإذاعة التونسية قد يحمل بعضا من الجواب. فلما طلب المهدي جمعة، مثلما تذكر مصادر إعلامية، دخول قسم الارشيف الإذاعي أجابه المسؤولون بان باب القسم مغلق والمفتاح موجود فقط لدى موظف غائب تم استدعاؤه على عجل فيما بعد.»
أمر رئيس الحكومة بفتح تحقيق فوري لتحديد المسؤوليات في ما يخص التجاوزات المسجلة في التعامل مع الارشيف الإذاعي وفي طرق الحفظ والاتلاف» كما تقول برقية لوكالة الأنباء الرسمية. لكن هل اعترف أحد بمسؤوليته أو أقر بتقصيره؟. لا أحد تقريبا وهذا هو جوهر الإشكال في تونس فليس هناك من يريد أو يملك القدرة أو الشجاعة الكافية للاعتراف والمساءلة الذاتية. فتح تحقيق… رفع قضية… توجيه الاتهام للغير، الأساليب تكرر نفسها باستمرار ما دام قسم واسع من التونسيين يرى ان الديناصورات لم تنقرض بعد في تونس وانه لا ينبغي لها الانقراض أبدا لا اليوم ولا غدا.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية