روبن ويليامز… «الرجل الأكثر غضباً في بروكلين» يرحل قبل أن يجبره الموت على الرحيل

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: مئة يوم على وجه التقريب فصلت بين العرض الأول لفيلم «الرجل الأكثر غضباً في بروكلين» وبين انتحار بطله الممثل الأمريكي «روبن ويليامز» (1951-2014). الفيلم يحمل تقاطعات عدّة مع واقع «ويليامز» آنذاك، لكن الأبرز أنّه يشي برحيله المُبكر.
يؤدي «ويليامز» في الفيلم شخصيّة السيد «هنري آلتمان» الغاضب دوماً منذ وفاة ابنه الشاب بحادث سيارة قبل عامين. سابقاً لم يكن «هنري» هكذا، كان مرحاً، لطيفاً، مُحبّاً. لكنه بعد الحادث غرق في غضبه وعجزه عن إيجاد جوابٍ شافٍ للسؤال المر: لماذا؟ لماذا يموت شابٌ مثل ابنه؟ لماذا مات قبله؟ لماذا ابنه؟ والكثير سواها من الاسئلة التي تبقى مُعلّقة تردّد الصدى في الفراغ الذي يُخلّفه الفقدِ المُفاجئ.
«آلتمان» الغاضب من كل شيء حوله، وفي خضم عامين غرق في مونولجاته الذاتية، خسر علاقته بزوجته، وابنه الآخر وشقيقه، فغضبه لم يبقِ له مجالاً لإدراك ألم الآخرين، خسارتهم كذلك وحزنهم، وربما غضبهم. ابنه يختار متابعة حياته وأحلامه بالرقص، وزوجته تجد في حضور جارهم إلى جانبها سلوى ومُتنفّس. إلى أن كان ذلك الصباح الذي التقى فيه «آلتمان» بطبيبة غاضبة هي الأخرى، تخبره أنّ لديه مرضاً بالأوعية الدموية في دماغه، يضغط عليها ليعرف كم تبقى له من وقت على قيد الحياة. يضغط بتكرار أحمق، مؤذٍ، غاضب، تنفجر في وجهه بكامل غضبها لتقول له: (90 دقيقة). هي في الواقع الوقت الذي يتطلبه طهو الديك الرومي كما يقول الإعلان المذكور في الصحيفة على مكتبها.
تسعون دقيقة هي ما تبقى لهنري آلتمان للتصالح مع حياته، ليودّع حياته. ليكتشف هجران ابنه وزوجته له. فهو في دقائقه الأخيرة يسمع ما لديهم ليقولوه حتى وإن أتى القول على شكل رفض الرد على مكالماته. ومن أكثر من خمسين شخصاً مرّوا في حياة «آلتمان» طلب الاتصال بهم ليأتوا لوداعه، لم يأت سوى واحد شره يحب الطعام. تنجح الطبيبة في إفشال محاولته الانتحار، وتأتي جهوده بثمارها حين ينجح في الوصول إلى ابنه، ليطلب منه الرقص معه.
الفيلم أقرب إلى مونولوج مسرحي طويل، إنمّا يفتقد اللغة والغاية. وكأنّه فعلاً همهمات رجل غاضب تضرب شمالاً ويميناً. لا سكينة مريحة تتوّلد لدى متابعة الفيلم، حتى في النهاية التي يفترض أنّ «آلتمان» عرف خلالها السكينة. بإيقاع غير منتظم ترتفع نغمات الغضب أو تهبط لنتابع دراما احتاجت إلى طاقات «روبن ويليامز» الأدائية ليهبها الحرارة، فهذا ما يفعله «ويليامز». يهب شخصياته الحرارة الكافيّة ليبّث فيها روحاً، فلا تعدو مُجرد دور تمثيلي وإنمّا شخصيّات دراميّة عاشت في شريطٍ سينمائي، حياةً لها نكهة خاصة. «روبن ويليامز» لطالما انتقى شخصيّات غير تقليدية، لم يكن مُجرّد أب يرفض تحمّل المسؤولية في (Mrs. Doubtfire) عام (1993)، فلأجل أطفاله ولأجل البقاء بقربهم يتحوّل إلى شخصيّة المربيّة السيدة «دوبتفريد».
في أفلام «ويليامز» لا تهم النهايات السعيدة، وقليلة هي الأفلام التي شارك بها واحتاجت الرضوخ لخيار التسويق التجاري هذا، فغالباً ما كان التحدّي، عيش الصراع، المكافحة التي يقوم عليها تطوّر الحدث الدرامي في أعمال «ويليامز» أحد مفاتيح المتعة الدراميّة التي يقدّمها. إلاّ أنّ «ويليامز» في دور «هنري آلتمان» لا يبدو مهتماً بإظهار أيّ طاقة، غير راغبٍ في الكفاح من أجل يومٍ إضافي، متعب، وربما غاضب. فلماذا عليه أن يواجه المرض «الذي أعلنت زوجته» عقب رحيله، ربما يكون السبب وراء إقدامه على شنق نفسه.
«روبن ويليامز» ممثل انتمى إلى صفٍّ خاص من الممثلين الكوميديين، ربما كان «داستن هوفمان» «ووبي غولدبرغ» من أبرزهم. ممثلون لم يعرفوا سَقطَ الترويج الإعلاني، والمقاييس الشكليّة لكسب شباك التذاكر. كانت وسامتهم في أدائهم، قوتهم ونجوميتهم في مَلكَتهم الفنيّة وقدراتهم التمثيلية، وعبر اختياراتهم الفنيّة دخلوا قلوب آلاف المشاهدين خلال عقودٍ من التمثيل، واحتلوا مكانةَ في الذاكرة السينمائية الهوليودية. فمن ينسى أداء «ويليامز» في فيلم (Good Morning، Vietnam- صباح الخير، فييتنام) عام (1987) بشخصية المذيع «أدريان كراونر». أو أداءه شخصيّة الطبيب والباحث «مالكوم ساير» في فيلم (Awakenings) عام (1990) الذي لا يفقد الأمل أبداً بأنّ مرضى التخشّب العصبي، وسواه، سوف يستيقظون من سباتهم. عن هذه الأدوار، كما عن أدائه شخصيّة مربية الأطفال (Mrs. Doubtfire) وغيرها، نال «ويليامز» العديد من الجوائز والترشيحات. فهو وإن حظيّ بالأوسكار مرّة واحدة عن دوره في فيلم (Good Will Hunting) عام (1998)، إلاّ أنّه كُرّم من قبل جمعيّة النقّاد والصحافيين الأمريكيين بجائزة «جولدن غلوب» أربع مرّات ، بالإضافة إلى جائزتي «آيمي».
فوداعا لروبن ويليامز الذي انتمى إلى السينما وإلى أدواره وغضبه حتى الموت، وداعاً لرجل حارب بأداءه الأدوار الكوميدية الدراميّة اكتئابه طوال سنوات، ولم يسمح للمرض القادم أن يسرق منه قدرته على صنع الابتسامة، صنع أفلام أخيرة، نلمح فيها حزنه، وغضبه، ونفتقد ابتسامته.

يارا بدر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية