الثني يقابل السيسي: مفاتيح ليبيا مقابل الحكم؟

حجم الخط
8

توجد في ليبيا حاليا حكومتان، يرأسهما كل من عبد الله الثني، وعمر الحاسي، الأول بتكليف من البرلمان الليبي الجديد المنتخب والموجود في طبرق، شرق ليبيا، والثاني بتكليف من البرلمان الليبي السابق الموجود في طرابلس.
يتهم برلمان وحكومة طرابلس نظيريهما في طبرق بعدم الشرعية، وبدعوة الخارج للتدخل في ليبيا، وبعدم إدانة قصف الإمارات ومصر للبلاد؛ ورغم الوجود الإسمي لجيش ليبي، فالحقيقة أن كلا الطرفين تأتمر بأمرهما، أو تدافع عنهما، قوّات غير نظامية، وهي في حالة برلمان وحكومة طرابلس قوات «فجر ليبيا» والتي تعتبر نفسها تدافع عن روح ثورة 17 شباط/فبراير 2011، والتي تعارضها كتائب «القعقاع» و»الصواعق»، إضافة إلى مجلس شورى ثوار بنغازي الذي يتواجه مع قوات اللواء «المتقاعد» خليفة حفتر.
رئيس حكومة طبرق الانتقالية، عبد الله الثني، بدأ أمس ما سمّي بزيارة عمل الى القاهرة يلتقي خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وسبقتها محادثات أجراها في شهر آب /أغسطس الماضي رئيس مجلس النواب الليبي صالح عقيلة، برفقة اللواء عبد الرزاق الناظوري، رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الليبي.
والإشكالية الأساسية في هذه المحادثات «الرسميّة» هي تجاهلها المبرم للانقسام الليبي الكبير الحاصل، واعتمادها طرفاً ليبياً واحداً، لا يحمل فعلياً في حقائبه الدبلوماسية غير جملة واحدة غير منطوقة لكنها تعبّر عن واقع الحال: «احتلّوا بلدنا وخلّصونا من الطرف الثاني».
ليبيا، والحقّ يقال، في وضع لا تحسد عليه، ولا يوجد وصف جامع له، فبانقسام جهاز الدولة في اتجاهين جغرافيين وسياسيين وقبليين، وبارتفاع شأن الميليشيات العسكرية – السياسية – القبلية، صار أي حلّ يقوم على تدخّل الخارج شكلاً من أشكال استدعاء التدخل الغاشم والاحتلال، الذي لا هدف له سوى تمكين طرف ضد طرف آخر، وهو تدخل أخطر أثراً وأسوأ نتائج بكثير من غلبة طرف داخليّ على طرف آخر.
والأسوأ من ذلك هو أن حكومة الثني وبرلمان طبرق قاما باللجوء إلى أسهل الخيارات، وهو الذهاب الى القاهرة، التي لا يمكن أن يمثّل الحكم فيها مثالاً سياسياً محتذى لا للديمقراطية التي يقول نواب طبرق أنهم ممثلون لها، ولا للثورة الليبية، التي قامت ضد حكم عسكري دكتاتوري، ويمثّل اللجوء إليها تثبيتاً كبيراً للإنقسام السياسي الكبير الذي يهزّ أركان المجتمع الليبي.
من المؤكد أن هناك رغبة كبرى لدى الشعب الليبي في التخلّص من حالة اللا أمن الفظيعة التي تتناهب شوارعه ومدنه وساحاته، وقد يقول قائل إن البقاء على قيد الحياة، يمثّل ضرورة قصوى أكثر أهمّية من الحفاظ على الركن الأساسي في بناء أي دولة، وهو سيادتها وامتلاكها قرارها الخاص المعبّر عن مصالح شعبها، ويسند هذا الرأي أن الثورة الليبية ما كانت لتنتصر بسرعة لولا التدخّل الخارجي الذي أنقذ بنغازي، عاصمة الثوار الليبيين، من اجتياح كتائب أبناء القذافي، ومنعهم من الثأر من الليبيين الذين قرروا إنهاء حكم ظالم مقذع وفاحش في بشاعته.
ليست هناك حكومة رشيدة، أو برلمان يمثّل حقّا مواطنيه، يمكن أن يدفن الثورة التي استطاعت أن تتخلّص من نظام طاغ وشديد القسوة كنظام القذافي، ولا يمكن لأحد استثمار الاستقطاب الكبير الحاصل لهدر كل التضحيات التي قدّمها الشعب الليبي.
لا يمكن لحكومة تحترم نفسها أن تسلّم أركان سيادتها وتقدّم تغطية سياسية لمذبحة كبرى ضد أشقّاء ليبيين مختلفين معها في الرأي.
… ولا يحق لأي كان تسليم مفاتيح ليبيا لأحد.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية