بكثير من مشاعر الحزن والحسرة، ودعت الساحة الثقافية المغربية أول أمس (الاثنين) الفنان المسرحي والشاعر عبد القادر أعبابو (70 سنة) بعد معاناة مع المرض، استمرت لسنين طويلة.
«ومن يمكن أن يقاوم المرض والموت إلا بطل أسطوري وملحمي من طينة الفنان والإنسان عبد القادر أعبابو؟» يتساءل صديقه الكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد في تدوينة جديدة، مضيفا: «لا أظن أن أحدا غير عبد القادر أعبابو قد قاوم المرض مثله، فقد عاش المرض، وتعايش معه، ولبسه، وذلك على امتداد عقود طويلة جدا، وكان دائما واقفا ومبتسما وضاحكا وحاضرا، حيث ينبغي أن يكون، وكأنه بألف صحة وبألف عافية، وفعلا، فإن صحته النفسية والروحية والفكرية، كانت دائما بالف خير».
من حق المحارب المسرحي أن يرتاح أخيرا، ومن حقه أن يفتخر بسيرته ومساره، فقد عاش كريما ومات كريما، وظل محتفظا بمواقفه المشرفة التي لا تقبل المهادنة والتنازل والمحاباة. قال في حوار أجريناه معه في «القدس العربي»: «أنا، كممارس مسرحي منذ أواخر الستينيات، وكفنان مغربي مناضل على الساحة الإبداعية والنقابية والسياسية، لن أسمح لنفسي بالتراجع أو التوقف، وبالأحرى بتغيير اتجاه قناعاتي أو ببيع كرامتي مقابل دريهمات مغموسة بصمغ الذل والمهانة. أنا من الناس الذين لا ينخرطون في الجمعية أو المشروع أو النقابة أو الحزب، من أجل أغراض شخصية ضيقة، كما هو الشأن بالنسبة للعديد من المتسربين من الشقوق، أنا أمارس المسرح ليس كوسيلة للاسترزاق والتسول، وإنما أمارسه أولا من أجل المساهمة في إثراء موجة التجديد، التي أسست لها مجموعة من المسرحيين المبدعين المغاربة، عملاً على مقاومة رواسب التخلف، التي مازالت تحملها وتروج لها أشكال المسرح التقليدي القديم، وعملا بالتالي على زرع بذور التثوير والتغيير في بنية العملية الإبداعية المسرحية، عبر مستوياتها الجمالية والفكرية والتواصلية، وثانيا للمساهمة في إثراء الساحة الفكرية الديمقراطية التقدمية، بواسطة المسرح وتوضيح الصورة لمن لم يستطع رؤيتها بعد، بأن المسرح مثله مثل العوامل الاجتماعية الأخرى، بإمكانه أن يحمل مشروعا وطنيا للمساهمة في تنمية البلاد وتقدمها، وثالثا لتمكين المسرح من معانقة نضالات الطبقات الكادحة والمحرومين في معاناتهم اليومية».
ومن ثم، جاء مسرح عبد القادر أعبابو حاملا لجينات الحرية، وباحثا عن منابع أخرى وتربات خصيبة، تمكنه من التلاقح من أجل الولادة والتغيير المبدع، ومقاومة السكونية والثبات في الإبداع والفكر. ومن منطق هذا المنحى التحرري الرافض للقيود والجمود، اهتدينا ـ يقول عبد القادر أعبابو ـ في «المسرح الثالث» و»الإخراج الجدلي» إلى فلسفة المنهج الجدلي بصفتها رؤية جمالية فكرية إبداعية تعتمد صراع المتناقضات أداة للتطور، والحركة المبدعة مسارا لتجاوز سكونية القديم المتخلف، ونهج التجديد والتجدد آلية لاقتراح مسرح مخالف في طبيعة مشروعه الجمالي/الإبداعي وموقفه في الزمان والمكان من المنظومات الثقافية والفكرية والجمالية والاقتصادية والسياسية والأيديولوجية، وإقناع الذات والآخر بان كل شيء في الحياة يتغير ويتطور ولا دوام أو سكون لأي ظاهرة أو شيء أو كائن في الوجود.
ويضيف المخرج المغربي نفسه قائلا: «المسرح الثالث» و«الإخراج الجدلي»، ضمن إطار منطلقهما الفكري، ورؤيتهما الجمالية في الإبداع المسرحي، ومنهجية تعاملهما مع أبعاد التاريخ والزمان والمكان، اشتغلا على متن الأسطورة مثلها مثل المتون الأخرى كالوقائع التاريخية والسياسية والاجتماعية، والنصوص الفلسفية والفكرية، وكنوز الحكمة البشرية، عبر التاريخ والتراث الشعبي الفني والحكائي والسخروي، والغرائبي والجنسي، والسحري والشعري والديني والقضائي، وأحداث النزاعات الإنسانية على الأرض والسلطة والثروات والمعتقدات.
اشتغل «الإخراج الجدلي» على الأسطورة أو الحكاية بوصفهما أنوية ثقافية/فنية حمّالة لقيم إنسانية جمالية فكرية تاريخية تستطيع تخصيب إبداعية العرض. يتم اختيار هذه الأنوية حسب نوعية المخزونات القيمية التي تكتنزها، والتي من المفروض ان تشكل بعض عناصرها على الأقل محفزات إبداعية لعملية التجادل المسرحي، التجادل في مستوى أول مع مكونات النص الأصلي، في أفق توليد بنية نص جديد، يسمى في رؤية الإخراج الجدلي بنص العرض، وفي مستوى ثان التجادل مع مجمل مكونات العرض الإخراجية والسينوغرافية، وفي مستوى ثالث المساهمة الإبداعية في تأهيل العرض لامتلاك قوة الانفتاح المبدع على مجادلة الجمهور جماليا/ فكريا.