بيروت – «القدس العربي»: تصرّ مجموعات من الانتفاضة الشعبية على عدم إعطاء حكومة الرئيس حسّان دياب أي فرصة على غرار ما فعل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي قال «هي حكومة اللون الواحد، لكن بين حكومة اللون الواحد وإمكانية إعطاء فرصة لتأخير الانهيار الاقتصادي وبين الفراغ، فإنني مع إعطاء الفرصة لهذه الحكومة» ويمكن تلخيص المشهد اللبناني في أن حكومة دياب الجديدة تنطلق تحت رقابة شارع صاخب ومحتجون يشبّهون مدخل البرلمان بـ«بوابة فاطمة».
دياب: تودد من الحراك
فمنذ إعلان الحكومة ردّ الثوار باحتجاجات واسعة شملت قطع طرقات رئيسية في مناطق مسلمة ومسيحية ودرزية بدءاً من طرابلس إلى جبيل وجونية ومختلف شوارع بيروت وعاليه وصيدا وتعلبايا، وعمد متظاهرون إلى مهاجمة مداخل مجلس النواب لليوم الثاني على التوالي محاولين اجتياز الحاجز الحديدي الذي وضعته القوى الأمنية والتي ردّت بإطلاق خراطيم المياه لتفريق المحتجين. وعمد متظاهرون إلى تحطيم حجارة بعض الأعمدة لرشق القوى الأمنية بها، ورفعوا لافتة كتب عليها «مكب النفايات» وحاولوا تعليقها على البوابة الحديدية أمام مدخل البرلمان التي وصفها بعضهم بـ «بوابة فاطمة»، فيما وصف آخرون الحكومة بأنها «حكومة حزب الله والنظام السوري».
في غضون ذلك، وعملاً بمقولة «لو دامت لغيرك لما آلت اليك» التي وضعها الرئيس الشهيد رفيق الحريري على عتبة السراي الحكومي، خرج نجله سعد الحريري من هذه السراي ودخل إليها الأربعاء رئيس الحكومة الجديد حسّان دياب وسط مراسم استقبال رسمية استعرض في خلالها ثلة من حرس رئاسة الحكومة، ثم صافح كبار الموظفين والمستشارين في رئاسة مجلس الوزراء.
أكد العمل للإنقاذ وأنه «يمثّل الحراك» ولن يغرق في التجاذبات
وفي إطلالة إعلامية جديدة له منذ إعلان ولادة الحكومة، حاول الرئيس دياب التودّد من المنتفضين ضده وضد حكومته في الساحات والشوارع، فقال «أنا أمثّل الحراك، وقلت من أول الطريق انني تبنّيت كل مطالب الحراك كرئيس حكومة، ولاحظتم ان هناك عدداً من الوزراء كوزيرة العدل ماري كلود نجم التي تشارك في عدد من الندوات وهي جزء من الحراك، كذلك هناك وزيرة الشباب والرياضة فارتينيه أوهانيان كان لها دور في الحراك وسنتكلم في هذا الموضوع بشكل تفصيلي في وقت لاحق. وفي برنامجنا ومنهجنا جميع الوزراء سيمثّلون الحراك»، موضحاً انه «ضدّ أعمال الشغب والعنف ومع الحراك السلمي وأنه سيعتمد نهجًا مختلفًا عن الحكومات السابقة في الشقّ المالي». وطمأن إلى «أن موضوع إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة غير واردة حالياً»، داعياً «إلى عدم تبني الشائعات التي تصدر وهي في غالبيتها غير صحيحة».
وكانت الحكومة الجديدة عقدت أولى جلساتها في قصر بعبدا بعد التقاط الصورة التذكارية التي شارك فيها رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري والوزراء العشرون. وخلال الجلسة قال دياب «أشعر أن المرحلة لا تحتمل ترف التهاني، فالوضع في البلد لا يطمئن على كل المستويات. هناك تحديات هائلة تنتظرنا، وجميعنا معنيون بخوض هذه التحديات، مجتمعين ومنفردين، هنا في مجلس الوزراء، وأيضاً كل وزير في وزارته».
ورأى أنه «على الرغم من أن جلسة اليوم تحمل صفة بروتوكولية، إلا أنني أرغب في أن تكون صفّارة انطلاق قطار الحكومة، لأننا نواجه أصعب وأخطر مرحلة في تاريخ لبنان. اللبنانيون تعبوا من الوعود والبيانات والخطط التي تبقى حبراً على ورق، بينما قدراتهم تتآكل، وآمالهم تكاد تتبدّد بوطن مستقر يطمئنهم إلى مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. ومن حق اللبنانيين أن يصرخوا، وأن يطالبوا بوقف المسار الانحداري للبلد، بينما لا يزال الإصلاح أسير التجاذبات».
وأضاف رئيس الحكومة «اليوم نحن أمام مأزق مالي واقتصادي واجتماعي. في الواقع نحن أمام كارثة، وعلينا التخفيف من وطأة وتداعيات هذه الكارثة على اللبنانيين. توصيف المشكلة قد يأخذ منّا وقتاً طويلاً الآن، لكن عناوين المشكلات واضحة. وأنا على يقين أن كلاً منكم يدرك حجم المخاطر. المهم اليوم هو تأمين الاستقرار الذي يحفظ البلد كي ننصرف إلى ترسيخ ركائز هذا الاستقرار من خلال استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة. ولذلك، فإن الرهان على حماية ظهر الجيش اللبناني والقوى الأمنية، عبر تأمين المظلة السياسية التي تمنحهم الحصانة في التعامل بحكمة مع التحديات، والتمييز بين الاحتجاج والشغب. ولذلك أشدّد على أهمية دعم الجيش والقوى الأمنية، لأنهم صمام أمان الاستقرار».
عون: دقة المرحلة
وأكد «أن الديمقراطية يجب أن تبقى مصانة، ومحمية، والتعبير الديموقراطي يجب الحرص عليه حتى لو كان ضدنا، لأن الممارسة الديموقراطية تفترض الاستماع إلى رأي الناس وصراخهم، فالشعب هو مصدر السلطة الأول. هذه الحكومة، عملياً، هي حكومة إنقاذ وطني، ولذلك فهي ليست حكومة فئة أو طرف أو جهة أو فريق. هي حكومة كل لبنان وكل اللبنانيين»، معتبراً أن « هناك واقع اجتماعي واقتصادي ومالي لا يحتمل الكثير من الدراسات والمناقشات. هناك ملفات يمكن إطلاق العمل فيها سريعاً، وعلينا العمل ليل نهار من أجل تحقيق أهدافنا. نحن لسنا حكومة سياسية، وبالتالي، لن نغرق في مناقشات تؤدي إلى تجاذبات وسجالات لا فائدة منها. ويجب أن تكون هذه الحكومة استثنائية. في أداء وزرائها، وفي خطة عملها، وفي إنجازاتها، وفي تكوينها باعتبارها فريق عمل واحد يعمل لإنقاذ لبنان».
من جهته، اكد الرئيس عون «ان دقة المرحلة تتطلب مضاعفة الجهود والعمل لاسيما وان الحكومة شكّلت في ظل اوضاع اقتصادية ومالية واجتماعية صعبة للغاية».وشدّد على « ضرورة العمل لمعالجة الاوضاع الاقتصادية واستعادة ثقة المجتمع الدولي بالمؤسسات اللبنانية، والعمل على طمأنة اللبنانيين إلى مستقبلهم»، مشيراً إلى «عقد جلسات متتالية لمجلس الوزراء». وقال: «سبق ان اعددنا خطة اقتصادية واصلاحات مالية سيقع على عاتق الحكومة تطبيقها او تعديلها عند الضرورة».
بعد ذلك، شكّل مجلس الوزراء لجنة اعداد البيان الوزاري برئاسة الرئيس دياب وعضوية نائبة رئيس مجلس الوزراء ووزراء: المالية، والخارجية، والعدل، والاقتصاد والتجارة، والبيئة والتنمية الإدارية، والإعلام، والشباب والرياضة، والاتصالات، والصناعة، والشؤون الاجتماعية. وستعقد اللجنة أول اجتماع لها يوم الجمعة.
بري: الوقت للعمل
من ناحيته، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال لقائه نواب الاربعاء «الى التطلع للأمام، فالوقت للعمل وليس للكلام، وبالتالي كلنا معنيون كشعب ودولة للاستفادة من فرصة حكومة الإنقاذ هذه بعيداً من تصفية الحسابات والتشنجات وتوفير الحلول للأزمة الاقتصادية والمالية بغية تحقيق الاستقرار الحياتي والمؤسساتي عبر برنامج من الإصلاحات والإنجازات». وقال «أياً تكن التحدّيات فإن المسؤولية الوطنية والشعبية تقتضي الترفع عن السلبيات والاستثمار على بناء الثقة والإيجابيات. ان الحكومة بما تمتلك من كفاءات وإختصاصات قادرة على صياغة رؤى وبرامج يمكن ان تشكّل حجر الزاوية للخروج من الأزمة الراهنة شرط عدم إضاعة الوقت، والإثبات أنها حكومة كل اللبنانيين «، معتبراً «أن ثقة المجلس النيابي على أهميتها الدستورية، قبلها وأهمها ثقة الشعب والمجتمع العربي والدولي والتي يفترض ان تمنح لبرنامجها الإصلاحي والإنقاذي خصوصاً على المستويين المالي والإقتصادي».
وختم «ان مجلس النواب وفور إنتهائه من إقرار الموازنة العامة ومنح الثقة للحكومة بقدر ما سيكون رافعة لعملها وبرنامجها الإنقاذي، ستكون عيون المجلس والنواب مفتوحة للرقابة والمحاسبة والمساءلة في حال التقصير والتلكؤ، وبالتوازي اولوية عمل المجلس ولجانه النيابية كافة هي في إتجاه إقرار جميع القوانين الإصلاحية التي كانت على جدول اعمال الجلسة العامة وفي مقدمها قوانين مكافحة الفساد وإسترداد الأموال المنهوبة وقانون الانتـخابات النيابية».