المواجهة بين الولايات المتحدة والسودان في قضية دارفور
د. يوسف نور عوضالمواجهة بين الولايات المتحدة والسودان في قضية دارفورلم تكن الحكومة السودانية تتوقع تغير الموقف الأمريكي منها بمثل هذه السرعة التي تغيرت فيها العلاقات بعد توقيع اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في نيفاشا. ولكن التغيير يعكس الحقيقة الواضحة وهي أنه في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة الأمريكية وفق استراتيجية محددة سلفا فإن الحكومة السودانية تعمل من اجل تحقيق فوائد محدودة الفاعلية. ويمكننا أن نقرأ ما يجري في دارفور في الوقت الحاضر وفق هذا التصور الشامل لما حددته، ذلك أنه في الوقت الذي تتحرك فيه الولايات المتحدة وفق استراتيجية مدروسة فإن الحكومة السودانية مازالت تعالج الموقف بأساليب سياسية تفتقر إلي الشمول وقد لا تكون لها قيمة كبيرة في مجريات الأحداث.في البداية نقول، لا يمكن أن ننظر إلي قضية دارفور علي أنها قضية معزولة عن الوضع العام في السودان بأسره، فهي ليست قضية صراع بين الحكومة والمتمردين، ولو كان الأمر كذلك لتدخلت القوي الأجنبية لإقناع الطرفين للتوصل إلي حل، ولكن القوي الأجنبية محجمة عن ذلك لأنها تري الموقف من زاوية مختلفة تماما، فهي لاتري أن القضية تتعلق بصراع بين الحكومة والمتمردين ويمكننا أن نلخص الموقف الدولي المعتمد علي الموقف الأمريكي في أنه لا يسعي إلي إيجاد حل يحقق وحدة السودان بل هو يحاول أن يمزق هذه البلاد من خلال توزيع السلطات والثروات إذ هو يريد نائب رئيس من الجنوب ونائبا آخر من دارفور وربما غدا نائب رئيس من الشرق، وفي الوقت ذاته يريد الموقف الأمريكي أن يقسم الثروات بحيث لا تكون تحت سلطة تنفقها لمصلحة الوطن الشاملة وهو في نهاية الأمر يريد أن يقضي علي نظام الحكم الذي يدمغه بأنه نظام حكم عربي اسلامي. ولا شك أن أهداف الولايات المتحدة تأتي في إطار أهداف اسرائيلية شاملة موجهة في الاساس نحو مصر كإحدي القوي المحيطة باسرائيل والتي يمكن أن يكون لها دور خطير إذا اتخذت موقفا عدائيا. وذلك بالطبع لا يجعلنا نغفل الأطماع الأمريكية في نفط السودان ومخزون اليورانيوم الكبير الذي يبدو أن دارفور ستكون مصدرا مهما له.وإذا نظرنا إلي موقف الحكومة الشامل، وجدنا أنها في كل تصرفاتها تتجاهل حقيقة الواقع السوداني وما يحيط به من أخطار، ذلك أن النظام القائم في السودان لا يمثل إرادة سودانية شاملة فهو نظام جاء نتيجة انقلاب عسكري مكن حزبا لا يمثل الغالبية من شعب السودان في الحكم، ولا يهم أن هذا الحزب مكن نفسه من السلطة والجيش ونظم نفسه في حزب له نفوذ، لأن هذه اجراءات تفعلها كل الأنظمة الشمولية في العالم ولا تعني في النهاية شيئا مهما خاصة إذا كانت هناك تحديات خارجية قوية. ولو كانت الأنظمة الشمولية تقدر علي مواجهة رياح التغيير لكان الاتحاد السوفيتي باقيا حتي اليوم. وما نراه هو أن الولايات المتحدة قررت استهداف النظام السوداني وبالتالي ليس بالإمكان أن يحيد النظام السوداني الموقف الأمريكي بإطاعة الأوامر كما حدث في مشكلة جنوب السودان او بتصور أنه يمكن أن يقيم علاقة شراكة مع الولايات المتحدة لأن السودان ليس في وضع المملكة العربية السعودية المتحكمة في النفط أو في موقف مصر التي تستطيع أن تثير الفوضي في العلاقات مع اسرائيل أو في موقف إيران التي تمتلك قدرات استراتيجية يمكن أن تهدد بها مصالح الولايات المتحدة. إذن كل ما لدي السودان هو أن يحاول الخروج من المأزق بأقل الخسائر وذلك من خلال إيجاد موقف وطني يتفق عليه الجميع. وليست تلك مهمة سهلة لأن الحكومة الحالية في السودان تعتبر نفسها أساسا ومركزا، وبالتالي فهي تريد أي صيغة جديدة تحافظ بها علي هذه المركزية، وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية في السودان والتي عبرت عنها مشكلة دارفور أخيرا من خلال فكرة التدخل الأجنبي، فالملاحظ هو أن الحكومة السودانية عملت علي تجييش الشارع وتعبئته ضد تدخل أجنبي محتمل. ولا شك أن الكثيرين يخرجون في مثل هذه المناسبات ليس من أجل الوقوف وراء نظام حكم بعينه بل لأنهم يرون أن وقوفهم إلي جانب الحكومة هو دعم لوحدة البلاد وسلامتها. ولكن الحكومة أرادت للناس أن يقرأوا هذا الموقف علي أنه دعم لموقفها في مواجهة احتمالات التدخل الأجنبي. ولكن الأحداث رغم ذلك تطورت في اتجاه غير ما تريده الحكومة وذلك عندما قرر مجلس الأمن والسلام الأفريقي تمديد فترة بقاء القوات الأفريقية في دارفور مدة ستة شهور أخري علي أن تسلم بعد ذلك المسؤولية للقوات الدولية. وحاولت الحكومة في أول الأمر أن تحجب حقيقة أن القرار جاء لصالح قوات الأمم المتحدة واعتبرته نصرا ولكن الأمم المتحدة فهمت القرار صحيحا وبدأت تستعد لإرسال قوات إلي دارفور، بل أصدر مجلس الأمن قرارا رحب فيه بقرار مجلس الأمن والسلام الأفريقي وسارعت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الامريكي إلي اصدار مشروع قرار يفرض عقوبات علي السودان منها منع منح تأشيرات للمسؤولين السودانيين وتجميد أرصدتهم وممتلكاتهم ومنع البواخر التي تحمل تجارة سودانية من الدخول إلي الموانيء الأمريكية. وعلي الفور بدأت ترتفع أصوات في الخرطوم تؤكد أنه لا مجال للفرح بقرار مجلس الأمن والسلم الأفريقـــــي لأن القـــــرار لا يستبعد التدخل الدولي، وقد وصف مستشار رئيس الجمهورية مصطفي عثمان اسماعيل القرار بأنه غامض وطالب الحكومة بتكوين لجنة لدراسته وهو رأي اكده الرئيس السوداني عمر حسن البشير الذي اتهم أيادي خفية بأنها كانت وراء تغيير ما اتفق عليه في المناقشات. وعلي الفور قرر مجلس الوزراء السوداني تكوين لجنة عشرية لدراسة مضمـــون القرار.ولم تتخذ المعارضة مواقف مؤيدة للحكومة فقد أصدر تآلف الأحزاب السودانية وعلي رأسها حزب الأمة بيانا اتهم فيه الحكومة بأنها هي التي عملت علي تهيئة الظروف للتدخل الأجنبي في السودان. ولم يكن موقف المتمردين في محادثات دارفور بأفضل من ذلك، وعلي الرغم من أن الحكومة سعت إلي عقد مباحثات بين قائدي التمرد ونائب الرئيس السوداني علي عثمان طه برعاية الرئيس القذافي فلم تصدر عن ذلك الاجتماع بوادر مشجعة لأن المتمردين يعرفون أن التدخل الأجنبي لا يأتي ضد مصالحهم بل هم يجنون من التدخل الأجنبي أكثر مما يجنونه من المفاوضات وبالتالي فهم غير متسرعين لعقد مصالحة. وفي ضوء هذا الوضع اصبح موقف حكومة الخرطوم أكثر وضوحا بإعلان أنها ضد التدخل الأجنبي في السودان مهما كان حجمه وأهدافه ولكن هل تستطيع حكومة السودان أن تواجه مثل هذا التحدي؟الواضح أن الحماسة الشعبية والبعد عن الواقع العالمي يجعلان الكثيرين في السلطة السودانية يعتقدون أنهم قادرون علي مواجهة سائر التحديات الخارجية بالصمود، ولكن الوضع في السودان يتسم بغير قليل من الهشاشة لانه علي الرغم من أن التدخل الأجنبي ليس موجها ضد النظام بصورة مباشرة فإن وقوف المعارضة والمتمردين في نهاية الأمر ضد توجهات الحكومة قد يوجد موقفا صعبا لا يمكن للحكومة أن تحقق انتصارا فيه علي قوي التدخل الأجنبي.ولا بد عند هذا المنعطف أن نقول إن علي الحكومة أن تتسم بدرجة عالية من الواقعية ورؤية أن كل التكتيكات التي تستهدف إبقاء النظام بشكله الراهن معروفة لدي الخصوم سواء كانوا في المعارضة أو القوي الأجنبية، وهؤلاء في نهاية الأمر لا يريدون تمكين الحكومة من تحقيق أهدافها وهم قادرون علي أن يحققوا بعض النجاح. إذن الموقف الموضوعي هو أن تنظر الحكومة إلي هذا الأمر بقدر كبير من الموضوعية وتعلن أنها تريد أن تصل إلي حل ليس فقط من أجل المحافظة علي بنية النظام بل من أجل التوصل إلي إجماع وطني، وهذا الإجماع لا يمثله القبض علي السلطة أو الجيش بل تمثله الإرادة الشعبية. وإذا ما اتجهت الحكومة هذه الوجهة فإنها ستجنب نفسها كثيرا من المشقات التي يمثلها التدخل الأجنبي والمطالبة بتقديم مسؤوليها للمحاكمة الدولية. 9