عادت الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة إلى الشرق الأوسط وبقوة، فبضربة سريعة دفعت إيران إلى الوراء، وشطبت كل إنجازاتها في السنوات الأخيرة، وكشفت بالأساس عن ضعفها. مثيرة للاهتمام حقيقة أن إيران بعد أن تلقت ضربة قاضية مع تصفية سليماني، العقل والمحرك وراء خطاها في المنطقة، خرجت الجماهير إلى الشوارع في أرجاء إيران، لا للتضامن مع نظام آيات الله الذي خسر كبير أبنائه، بل للاحتجاج ضده.
الولايات المتحدة فقدت الاهتمام بالشرق ويخيل أنها صحت من أوهام “الشرق الأوسط الجديد”؛ فاقتصادها لا يتعلق بغاز المنطقة ونفطها، وهي على وعي أكبر بأن أجزاء واسعة من المنطقة ليست سوى “رمال وموت”، على حد تعبير ترامب.
ولكن الولايات المتحدة لم تترك المنطقة، وبالتأكيد لم تفقد مكانتها فيها. لا يزال وجودها العسكري ذا مغزى، ولا تزال قوة النار التي تحت تصرفها في المنطقة هائلة. أما حقيقة وجود رئيس يقف رئيس لها غير متوقع ولا يستمع إلى خبراء واشنطن المعروفين بحذرهم وترددهم، فتعزز مكانتها في المنطقة كعنصر يلزم كل دكتاتور ومنظمة إرهابية، من بشار وحتى حزب الله، الأخذ بالحسبان.
إن عودة واشنطن إلى الساحة الشرق أوسطية تبعث على التوقع أيضاً بـ “إحياء” “صفقة القرن”، التي تنتظر ظاهراً تشكيل حكومة في إسرائيل وربما نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة. ظاهراً، ليس لواشنطن اليوم سبب لتأجيل نشر تفاصيل الصفقة، فعلاقات الولايات المتحدة مع معظم الدول العربية قريبة ووثيقة، وهذه الدول مستعدة لأن تتجند وتساعد في تقدم الصفقة. وقيل في الماضي عن ضغط تمارسه على الفلسطينيين لتلطيف حدة موقفهم الرافض. وقد تعزز الالتزام العربي تجاه الولايات المتحدة بعد وقوفها إلى جانبهم ضد إيران.
واضح للأمريكيين بأن التقدم نحو حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني لن يجلب معه الخلاص لعدم الاستقرار الإقليمي، ويبدو أن ثمة حالة تسود في واشنطن من عدم الثقة العميقة بنوايا الفلسطينيين وقدرة القيادة الفلسطينية على الوصول إلى التسوية. فالرفض الفلسطيني ينبع من أن الأمريكيين لا يعتزمون تقديم التنازلات بل إجبار الفلسطينيين على الوصول إلى التسوية على أساس الواقع الذي تقرر على الأرض، ويتضح ذلك من قرارات إدارة ترامب في مسألتي القدس والجولان.
ولكن إذا ما واصل الأمريكيون التلبث في نشر خطة السلام أو فقدوا الاهتمام بها، فإن من واجب إسرائيل أن تعمل وألا تدع الوضع الراهن على حاله. فمكانة إسرائيل الحالية وقوتها الاقتصادية والسياسية والأمنية تسمح لها بأن تتقدم في خطوات استراتيجية بل وتاريخية حلمت بها في الماضي. ويبدو أن هذه الخطوات مقبولة في أساسها من الإدارة الأمريكية بل وتتماشى مع الخطوط الهيكلية الأساسية لخطة السلام الأمريكية. يتبين أنه هناك إجماعاً واسعاً في الساحة السياسية بإسرائيل لهذه الخطوات، مثلما تفيد تصريحات رؤساء المعسكرات السياسية الكبرى. وسيكون مؤسفاً أن نتبين بأنه لن تتحقق مثل هذه الخطوات بسبب العقدة السياسية في إسرائيل، وسيتأجل تحققها إلى ما بعد الانتخابات، هذا إذا كانت ستتم على الإطلاق.
مهما يكن من أمر، فإن مكانة الولايات المتحدة وإسرائيل المتعززة في المنطقة تؤدي لأن يكون مصير ومستقبل إسرائيل اليوم في أيديها أكثر من أي وقت مضى. إن تصميم حجم ومستقبل هذه الخطوات سيكون المهمة الأولى على طاولة الحكومة المقبلة.
بقلم: ايال زيسر
إسرائيل اليوم 23/1/2020