تستند إرادة الحياة على الموت الذي يهددها بالعدم، وقد اختار رون رودروف ان يكون محاربا في جبهة الحياة، ارتباطا بالمحكي السينمائي لفيلم «نادي دالاس للمشترين» الذي جسد على نحو مدهش صراعا قويا بين إرادة الحياة ويوتوبيا الموت. هذا الفيلم أخرجه الكندي جون مارك فالي، وقام بأداء دور رون رودروف الممثل الهوليودي ماثيو ماكونهي الذي يتذكره عشاق السينما عبر أدائه الساحر في فيلم «وقت للقتل» حين جسد دور محام يدافع عن رجل أسود اتهم بالقتل في أوج موجات العنصرية ضد السود. في هذه الوثيقة السينمائية قدم ماثيو نفسه كمدافع عن الحق في الحياة ضد الموت المقرر سلفا من لدن جماعات عنصرية. غير ان هوية فيلم «نادي دالاس للمشترين» تستند إلى سلطة محكي واقعي لسيرة رون رودروف في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وللحياة الصاخبة في ولاية دالاس حيث يصاب رون رودروف العاشق للخمر والنساء بمرض فقدان المناعة» الإيدز». ويخبره طبيبه الخاص ان ما تبقى له في حياته لن يتجاوز ثلاثين يوما، وفي هذه الأثناء يتعرف على رايون المصابة هي الأخرى بالمرض نفسه، ولأنه يكره المثليين فستكون معرفته بحقيقة صديقته رايون صادمة لأنها تحولت من رجل إلى أنثى. وهنا تبدأ حيلة العقل بتعبير هيجل لان رون رودروف سيرفض وصايا طبيبه، وسيقرر التوجه نحو المكسيك بدعم من طبيبته إيف ساكس في محاولة للحصول على علاج مناسب لمرضه العضال. وهنا ستكون الحاجة إلى الحياة محفزا للبحث عن إمكانات الحضور الانطلوجي لمواجهة الموت المرادف للمحو. محو الجسد من هذا الوجود والاكتفاء بالذاكرة كتاريخ للجسد الذي ينتقل من المساهمة في الوجود- هنا والان- إلى دور- كان- أي الغياب. وفي خضم هذه المعركة الجديدة سيؤسس رون رودروف بمعية رايون شركة «نادي دالاس للمشترين» لبيع اللقاح الجديد لمرض الإيدز، وهو دواء أقل تكلفة بكثير من ذاك المرخص به من لدن شركات الأدوية العملاقة بالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وفي خضم هذه المعركة الجديدة ستختفي معركة رون رودروف مع الموت لتعوض بمعركته ضد شركات الأدوية التي تحرم المصابين بالإيدز من الحق في العلاج بأثمان مناسبة.
عنف الموت هنا سيواجه بقوة الحياة ليس بالشكل الفردي لسيرة «البطل» رون رودروف، وإنما بالشكل الجماعي من خلال الدفاع عن المصابين بالإيدز، وإبراز قضيتهم ومعاناتهم. والموت ـ تبعا لهذا السياق- لن يكون سوى الحامل الموضوعي لشروط الحياة كلما فقدنا ما يسميه الفارابي بالجسد السليم التام. وارتباطا بهذه المعركة مع الموت وأشكالها سينتصر رون رودروف على العدم الذي كان يلاحقه لفترة زمنية قدرها طبيبه في ثلاثين يوما، ولن يموت إلا بعد سبع سنوات من التاريخ المحدد سلفا.
فيلم «نادي دالاس للمشترين» مفعم بجملة من التصورات التقابلية بين الموت والحياة، البساطة والتعقيد، الاستهتار والجدية. وقد ساهم السيناريو الدرامي للكاتبين كريج بورتين وميليسا والاك في إبراز مضامينه الاجتماعية، فضلا عن الأداء القوي لماثيو ماكونهي الذي جعل دي كابريو يفقد جائزة الأوسكار رغم دوره الباهر في فيلم «ذئب وول ستريت» للعبقري مارتن سكورسيزي ليفوز هو بجائزة أفضل ممثل في أوسكار 2014 عن دوره المدهش في هذا الفيلم الذي شاركه فيه جنيفر جارنر، جاريد ليتو، دينيس أوهير، ستيف زان، مايكل اونيل، دالاس روبرتس، غريفين دن، كيفين رانكين..
ان الأداء القوي والفريد لجاريد ليتو، ولماثيو ماكونهي الذي فقد أكثر من عشرين كلوغراما من وزنه جعل ابنته تصفه بالزرافة الطائرة. هذه القدرة على تخفيض الوزن وبدل مجهود حركي مضاعف، جعلت من ماثيو يتجاوز دور الممثل ليصبح شخصا مريضا يخوض نضالا شرسا من أجل الحياة ارتباطا بالقصة الحقيقية لرون رودروف وما تقدمه من عناصر الإقناع في حديقة الحلم «السينما». وعلى سبيل الذكر نستحضر مشهد بوح الطبيب للمريض بالموت الذي يتربص به لندرك طبيعة السلاح الذي وضفه رون رودروف لمواجهة الموت، ونقصد بذلك السخرية من هذه الحقيقة ومن مؤسسة الطب بشكل عام، وبالتالي فان هذه السخرية ستمكنه من تجاوز الموت كأداة للعبور بالمعنى الأفلاطوني، ليصبح الموت مولدة للحضور الانطلوجي وهو ما يبرر سفره نحو المكسيسك بحثا عن إكسير الحياة، وعن الدواء التجريبي.
ولم يعمد المخرج جون مارك فالي الى تقديم بطل فيلمه كشخصية متزنة وأخلاقية، بل كشخصية مرآوية محبة للحياة ولصخبها الذي ميز ثمانينيات القرن الماضي. وهذه السمة سترتبط بهذه الشخصية حتى وهي مصابة بالإيدز لأنها لم تتوقف عن عزف نشيد الحياة – ارتباطا بنشيد الفرح لبيتهوفن- وكان رون رودروف كان يدرك فهم الفيلسوف لوتريامون للجسد وقدراته الفائقة على مقاومة الألم لذلك فنهر الموت الجارف كان بعيدا عنه.
مركزية الموت هنا واضحة مند المشهد الأول في الفيلم. لكن إرادة الحياة ستجعل الكثير من تفاصيلها تتحول إلى فضائح سواء لشركات الأدوية أو للتشخيص الطبي، وحتى نظرة المجتمع للمريض بالإيدز، ولحقه في الحياة كأنه لن يموت أبدا رغم انه مهدد بفعل هذا المرض الفتاك بهذا الانهيار الشامل للجسد.
ولأن الموت عدو الثوار بتعبير تشي غيفارا فقد كان رون رودروف ثوريا في نضاله ضد الموت، وضد ألوانه المتعددة فيما يشبه الحياة التي تحولت على مختبر كبير. وبموجب هذه الثورية فإن استعادة الزمان، وعلى نحو خاص الزمن الموضوعي كما حدده هوسرل لن تكون مهمة سهلة لأنها ستتطلب قوة المجازفة والمشي في طريق ملتبسة تذكرنا بلوحة الرسام لويس دي موراليس الذي صور القديس فرنسيسكو الأسيزي وهو يقرأ كتابا فوق جمجمة. هذا القلب المرآوي سيمكن المخرج ومعه فريقه في العمل من الاقتراب من هوية السيرة وتحويل المحكي المستعاد إلى حياة تتسم بحيويتها وطاقتها الخلاقة ارتباطا بالتجربة الفردية للمريض، وبالرؤى المرتبطة بتحدياته. وبموجب هذه الرؤى فالحياة ممتدة في الزمن ارتباطا بالمشاهد المتنوعة التي عكست سياقات الحياة والمرح في فضاء يتسم بالتنوع والتحول (فضاء مفتوح مثل الشارع، الطريق، الحلبة، المدينة. وآخر مغلق، مثل الحانة، المستشفى، المنزل..). الوعاء المكاني ساهم هو الآخر في تكوين هوية الفيلم إلى درجة الاقتراب من الفيلم التسجيلي ارتباطا بالملاحظة والتنقل وتسجيل التفاصيل الدقيقة للحياة، فضلا عن بطل الفيلم الذي نكاد نعده شخصية واقعية، لكن تحريك المشاهد عبر التركيز على اللقطة الثنائية، واللقطة القريبة ساهم في الخروج من سطوة الوعاء السير ذاتي، وتجاوز سلطة اللغة السردية، وتعويضها بجماليات الصورة السينمائية بوصفها لغة حققت مزيتها التواصلية.
ان الموت في فيلم «نادي دالاس للمشترين» لم ينتصر انتصارا كاملا لأن رون رودروف تعلم من الموت كعطب كلي وشامل يصيب الجسد كيفية الحياة وهو بذلك يحقق خاصية فن العيش كتجاوز للموت نفسه الذي عرفته مختلف الانساق الثقافية والحضارية لدى البابليين والإغريق والفراعنة، وفي تعاليم كونفشيوس وبودا، وفي تصورات الفارابي وابن سينا، ووصولا إلى مفكري الوجود وفلاسفة الاختلاف. غير ان التفكير في سياسة الموت سينمائيا قدم لنا رؤية للسلوك الانساني ولمؤسسات المجتمع وقوانينه، ومؤسساته العلمية. وبذلك لم يعد الموت موضوعا مرتبطا بالفلاسفة والشعراء، بل بالسينمائيين الذين عملوا على قلب الصورة وتقديم رؤية جديدة تتخلى عن التصور الكنسي للموت بوصفه طريقا نحو السماء (نجد آيات كثيرة تتحدث عن الموت في الانجيل). وإذا كان الموت مع هؤلاء قد تخلص من نشوة النهاية، فإنه مع المخرج جون مارك فالي في فيلمه «نادي دالاس للمشترين» طريقا نحو الحياة في الأرض، وطريقا نحو الكينونة لمواجهة العدم.
٭ ناقد مغربي
عبد السلام دخان