لندن ـ «القدس العربي»: يثير استمرار تقدم مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» أسئلة حول نجاعة الإستراتيجية الأمريكية للقضاء على التنظيم الذي يسيطر على مساحات واسعة في العراق والشام، فبعد شهرين من بداية الغارات على العراق وأسبوعين من التدخل في شمال سوريا، لم تظهر أي إشارات عن نجاح الغارات بوقف تقدم الجهاديين، بل وكشفت عن محدودية الغارات الجوية. وما جرى في بلدة كوباني الكردية في شمال سوريا دليل واضح على هذا، ففي الإسبوع الماضي نجح المقاتلون الجهاديون بالسيطرة على بلدتي هيت والكبيسة شمال ـ غرب العاصمة بغداد، ورفعوا هذا الأسبوع اعلامهم في بلدة كوباني السورية.
وتقول صحيفة «واشنطن بوست» إن انتصارات العدو تحدث رغم الغارات الجوية التي تقوم بها الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها والمقاومة التي تبديها القوى المحلية. وتقترح هذه الإنتصارات فشل الحملة الأمريكية في تحقيق الحد الأدنى من الإستراتيجية وهي وقف توسع تنظيم الدولة الإسلامية علاوة على «إضعافه» وفي النهاية «تدميره» كما أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
قيود
وتتساءل الصحيفة عن السبب الذي يمنع التحالف الذي تقوده أمريكا وقف زحف جيش غير نظامي للمتمردين ومنعه من السيطرة على مدن كبيرة؟ والجواب متعلق كما تقول بالقيود المفروضة على الحملة العسكرية الأمريكية وكذلك التعقيدات السياسية التي تواجه عملية قتال «داعش».
ويشير المحللون إلى أن الغارات الأمريكية القليلة التي تمت على قوات «داعش» حول كوباني، جاءت متأخرة ولم تكن كافية لصد تقدم مقاتلين يعدون بالألوف ومدججين بالسلاح والمدرعات. كما أن الحملة العسكرية الحالية تعاني من قصور يتعلق بغياب الحلفاء على الأرض، فعلى خلاف الحملة ضد طالبان – أفغانستان عام 2002 لا يمكن للطيارين الإعتماد على القوات الخاصة لتوجيههم لضرب الأهداف. فقد استبعد الرئيس أوباما إرسال قوات برية رغم المطالب التي تقدم بها القادة العسكريون.
وقالت الصحيفة إن كوباني كانت ضحية للموقف التركي الحذر، فحكومة طيب رجب أردوغان تقول إنها تدعم القتال ضد «داعش» ولكنها رفضت حتى الآن الإنضمام للقتال بشكل كامل ولم تسمح للطائرات الأمريكية استخدام القواعد الجوية التركية لشن هجماتها. فحكومة أردوغان مترددة في مساعدة أكراد كوباني لأن معظم المقاتلين فيها من أكراد تركيا أو المنضوين تحت لواء حزب العمال الكردستاني- بي كي كي- المصنف كحزب إرهابي في تركيا والولايات المتحدة.
وفي الوقت الذي تصطف فيه المدرعات التركية على حافة الحدود مقابل كوباني إلا أنها لم تشترك في القتال بعد، وتقوم القوات التركية بمحاولات لمنع دخول تعزيزات من أراضيها إلى سوريا. واعترف أردوغان يوم الثلاثاء في خطاب له أمام اللاجئين السوريين في بلدة غازي عينتاب أن كوباني على وشك السقوط. وقدم أردوغان البلدة كمثال على أن مشكلة «داعش» لن تحل من خلال الغارات الجوية، وحدد مطالبه للتحالف الدولي وهي: السماح لتركيا إقامة منطقة عازلة، ومنطقة حظر جوي وتدريب المعارضة السورية المعتدلة.
ومطالب كهذه تستهدف النظام السوري لبشار الأسد أكثر من استهدافها «داعش»، فيما يرفض الرئيس الأمريكي اتخاذ خطوات عملية لضرب الأسد. وترى الصحيفة أن تناقضات الإستراتيجية الأمريكية لا تسمح ل «داعش» بالنجاة فقط ولكن بالتوسع. ويقول محللون عسكريون إن «داعش» لا يقوم بضرب كوباني ولا مدن غرب العراق ولكنه يحضر نفسه للهجوم على مدينة بغداد.
وحتى توقف الولايات المتحدة جهود تنظيم الدولة الإسلامية فعليها تكثيف غاراتها والإستجابة للتحركات على الأرض والتي لن تكون ناجحة بدون قوات أرضية، ويجب على تركيا بجيشها القوي الدخول للمعركة، وهذا يقتضي اتفاقا امريكيا- تركيا حول استراتيجية التعامل مع الأسد.
وفي الوقت الحالي فالحملة العسكرية في العراق وسوريا تعرف من خلال محدوديتها والقيود عليها. فالقيود التي فرضها أوباما على قادته العسكريين تتناقض مع المطالب التي أمرهم بتحقيقها.
دور تركي مهم
وتعتقد صحيفة «إندبندنت» البريطانية أن الموقف التركي مهم في حرف ميزان الحرب، وأن تهديد «داعش» الذي يرفرف علمه في بلدة عين العرب مباشر. فتركيا بلد مسلم ولن تكون مرتاحة لجوار تنظيم كهذا.
وفي الوقت نفسه ف «داعش» يقوم في كوباني بالعمل نيابة عن الحكومة التركية، فباعتبار الدولة الإسلامية عدوا للنظام السوري الذي يرى الرئيس أردوغان الإطاحة به أولوية، ولكن سقوط البلدة يعني نهاية حلم الأكراد في سوريا بنناء كيان مستقل لهم وهو طموح تعارضه تركيا. وترى الصحيفة أن قلق الحكومة التركية من الأكراد يجب أن يوازن بحسابات الربح والخسارة، فسقوط كوباني قد يؤدي لانتفاضة أكراد تركيا، وفي الوقت نفسه قد تتعرض تركيا لهجمات «داعش» في داخل أراضيها.
وكل هذا يقتضي من تركيا قرارات حاسمة. ورغم موافقة الصحيفة على كون الحل في سوريا مرتبط بتوافق إقليمي إلا أن الدور التركي مهم والحل رهن قرار أنقرة الدخول في الحلبة العسكرية.
أردوغان محق ولكن
وترى في السياق نفسه صحيفة «دايلي تلغراف» أن نقاش أردوغان حول محدودية الهجمات الجوية صحيح لكن أية محاولة من تركيا للدخول للمناطق الكردية ستلقى معارضة من النظام السوري مما سيزيد من وتيرة الأعمال العدائية.
وفي ظل غياب منظور نشر قوات برية غربية لمواجهة «داعش» فسيجد المقاتلون الأكراد أنفسهم في مواجهة قوات مسلحة بأسلحة حديثة. وتنتقد الصحيفة هنا أردوغان بقولها إن محاولته إقناع الغرب تبني سياسة أكثر واقعية مع «داعش» ربما حملت وزنا لو كانت تركيا واضحة في نواياها واهدافها، مشيرة لعملية تبادل الرهائن التي قامت بها أنقره مع «داعش». وتقول لو كان أردوغان حريصا على إنقاذ كوباني فعليه التركيز أولا على مساعدة الأكراد المحاصرين بدلا من عقد صفقات مع «داعش».
وتقول إن الأكراد بحاجة إلى تعزيزات عسكرية وبشرية والتي منعت عنهم بسبب رفض تركيا فتح الحدود. وتقول لو أردنا من الأكراد هزيمة «داعش» فعلينا تقديم العون لهم للقيام بالمهمة. وتبرز مشكلة تركيا والضغوط عليها كما تقول كاثرين فيليب في «التايمز» أنها تنظر للمسألة بطريقة أخرى، فهي ليست كما يقول نقادها واعداؤها متعاونة مع الجهاديين، ولكن لديها مخاوف أخرى غير نظام الأسد. فهي لا ترغب بتقوية القوميين الأكراد في سوريا والذين ترى أنهم متحالفون مع النظام في دمشق.
فيما يقول الأكراد السوريون أنهم مهتمون فقط بحماية أنفسهم وليس الدفاع عن الأسد. ويرون في دخول القوات التركية لبناء منطقة عازلة محاولة واضحة لتدمير الإنجازات التي حققوها والمنافع الإقتصادية التي جنوها قبل أن تصل قوات «داعش».
وفي السياق نفسه أبدت الولايات المتحدة برودة حيال فكرة المنطقة العازلة ولكن أردوغان يرفض التنازل عن مطالبه. فيما أكد أحمد داوود أوغلو اعتقاد أنقرة أن الشرير الحقيقي هو بشار الأسد وليس «داعش»، وأكد أن صعوده جاء نتيجة لفشل الغرب في التعامل مع الأسد وتنحيته عن السلطة. وقد تجد تركيا نفسها مضطرة للمشاركة في الحرب الأهلية السورية حالة وصلت آثارها إلى داخل أراضيها.
وتحاول الولايات المتحدة إقناع أنقرة بالمشاركة الكاملة وأرسلت مسؤولين بارزين لأنقرة لهذا الغرض، لكن قلة من الأكراد في كوباني يعتقدون أنهم سيكونون جزءا من هذا الإتفاق. وما دام الحديث يدور عن علاقة أكراد سوريا بنظام دمشق فقد رفضت صحيفة «الغارديان» فكرة اعتباره جزءا من الحل لأنه اصل المشكلة وأساسها.
هو المشكلة
وقالت إن الرئيس الأسد ليس حليفا في الحرب ضد «داعش»، وعلى الغرب دفع أي رغبة للتحالف معه.
وقيمت الصحيفة مجمل نتائج الغارات الجوية التي مضى عليها اسبوعان في سوريا وترى أنها ليست كافية حتى الآن.
ومع أنه من المبكر الحديث عن نتائج للحملة العسكرية. إلا أن الأحداث الدراماتيكية في كوباني كشفت محدودية العمل العسكري الجوي وفاعليته.
وفي حال لم يهزم «داعش» أو حتى أضعف قد تبحث الدول عن إجراءات غير عادية، مثل إعادة تأهيل نظام الأسد واعتباره حليفا أملته الضرورة للمشاركة في قتال صعب. وخطوة كهذه ستناسب النظام السوري الذي يعمل ومنذ آب/أغسطس عام 2011 وإعلان باراك أوباما والقادة الغربيين موقفهم منه وضرورة خروجه من السلطة. فقد بدأ الأسد حملته لتصوير معارضيه الذين وسمهم بالتطرف.
وكان يريد توصيل رسالة للغرب بضرورة التعاون مع «الشيطان الذي يعرفه». وأسهم الأسد بتضخيم خطر «داعش» وصعوده من خلال إطلاق سراح السجناء المتطرفين الإسلاميين وتجنب طيرانه قصف معاقل التنظيم.
وعلى ما يبدو نجحت سياسة دمشق وبدأت تتحدث وبثقة عن «الحرب المشتركة» مع الغرب ضد «داعش». وهذا يفسر وقوف النظام موقف المتفرج أمام الغارات وكأنه فسر ما تقوم به الطائرات الأمريكية كضوء أخضر له لمواصلة غاراته على المدنيين.
وتقول الصحيفة «في الوقت الذي تقوم فيه طائرات التحالف بضرب «داعش»، يقوم طيران النظام برمي البراميل المتفجرة على سكان مدينة حلب، المدينة التي كانت معقل المعارضة». وتقول»الغارديان» إنه مهما كانت طبيعة التعاون السري القائمة بين دمشق والجيش الأمريكي فمن الخطأ بمكان السماح للأسد الإستمرار بمذابحه دون خوف من العقاب، ومنحه اعتقادا بأنه أصبح حليفا».
وتؤكد الصحيفة على أهمية حرمان الأسد من التعاون ضد «داعش» حتى لو كان بالسر، فتعاون كهذا غير أخلاقي وسيؤثر على مواقف السنة في سوريا وخارجها حيث سيرون فيه دعما لقوى يقول الغرب إنه يريد التخلص منها.
وتقول إذا كان قتال «داعش» هو بالضرورة ينحصر في مكافحة الإرهاب والدفاع عن الدول الغربية ومنع تعرضها للخطر الجهادي، فيجب تجنب الظهور بمظهر من يدعم الأسد، لأن دعما كهذا يعني زيادة الدعم للجهاديين وروايتهم المنحرفة. وتظل أساليب بشار الأسد هي السبب الرئيسي للعذاب الحالي في الشرق الأوسط، فهو ليس ولن يكون جزءا من الحل، كما تقول.
إيران تدعم
وفي سياق دعم النظام السوري عززت إيران من جهودها لمنع سقوطه، من خلال زيادة مساعداتها العسكرية واللوجيستية.
وتحاول طهران تعزيز قوة النظام في وقت سرعت فيه الدول الغربية من دعمها للمعارضة السورية.
فقد صادق الكونغرس الأمريكي على ميزانية 500 مليون دولار أمريكي لتدريب وتسليح العناصر المعتدلة في المعارضة السورية. وبسبب هذا تقوم إيران بعمليات نقل جوية للصواريخ وقنابل الهاون للميليشيات التي تدعمها وتقاتل بالوكالة الجيش السوري الحر. كما وشملت المساعدات طائرات بدون طيار لمراقبة تحركات العدو.
وتم الإتفاق على تعزيز الدعم العسكري في لقاء أجراه قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني والذي اجتمع مع الرئيس الأسد. وهناك اعتقاد لدى المسؤولين في طهران ودمشق أن الغارات الجوية ضد «داعش» هي مرحلة أولى قبل استهداف النظام السوري. ونشرت إيران في سوريا حوالي 2.000 من الحرس الثوري إضافة لعدد كبير من القيادات العسكرية التي تقوم بالإشراف على متطوعين شيعة جاءوا من لبنان وباكستان وأفغانستان.
ونقلت الصحيفة عن مستشار للحكومة الإيرانية قوله «وافقت إيران على تقديم الدعم والتدريب والمعدات العسكرية ولكنها مترددة في إرسال قوات برية» إلى سوريا.
وقال إن إيران «قلقة»من التدخل ضد «داعش» وتخشى أن يتحول لتدخل ضد نظام الأسد. ولا تخفي الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة مثل السعودية رغبتها الإستفادة من الغارات على سوريا واستهداف الأسد.
وعبرت الرياض في العام الماضي عن غضبها من تراجع أوباما عن توجيه ضربة للنظام السوري بعد استخدامه الأسلحة الكيميائية.
واشترطت السعودية دعم الجيش السوري مقابل دعمها التحالف ضد «داعش». وفي الوقت الذي تفترق المصالح الإيرانية في سوريا مع مصالح أمريكا وحلفائها إلا انها تلاقت في العراق حيث لعب سليماني دورا في تنسيق جهود الميليشيات الشيعية التي حلت محل الجيش العراقي الذي انهار وذلك للدفاع عن العاصمة بغداد. ولعبت هذه الميليشيات دورا في فك الحصار عن بلدة إيمرلي التركمانية حيث ظهر سليماني في البلدة بعد خروج «داعش» منها.
إبراهيم درويش