منذ حوالي عشرة أيام تم تشكيل الحكومة اللبنانية المقنعة بوشاح التكنوقراط. حكومة توهم شعبها بأنها قادرة على إخراج البلد من أزمته. لكن الحقيقة أنها حكومة سياسية قائمة على آفة المحاصصة الطائفية والحزبية الضيقة والمريضة، وليست تكنوقراطية بالمعنى الدقيق للكلمة.
معنى التكنوقراط، كما هو معروف في أدبيات معاني ودلالات المصطلح، يختصر في حكومة كفاءات لبرنامج تقني يعالج الأزمات في مختلف قطاعات الدولة. حكومة لا تمثل أية أحزاب سياسية بقدر ما تمثل المشروع الإصلاحي المفترض.
إذاً نحن متفقون أن الحكومة الجديدة، ليست حكومة تكنوقراط، ولكن هل تمتلك على الأقل برنامجاً واضح المعالم ومدقق الهدف، أمام تحديات البلد أم أنها تملك «كلاماً وأقوالاً وليس أفعالاً»، كما انتشر على الفضائيات على لسان وزير الثقافة، الذي زل كلامه على عكس ما يقصد؟
أين هو برنامج الحكومة وما هي مخططاتها ورهاناتها؟
إن اقتناع الناس بعدم جدية هذه الحكومة جعلهم يصرفون انتباههم واهتمامهم إلى الوزيرات الست، اللواتي أصبحن موضوع نقاش على الـ»سوشيال ميديا» والإعلام، عوض التركيز على هلامية هذه الحكومة وافتقارها لتصور هادف وإجرائي.
هكذا تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي صور الوزيرات بإسلوب ذكري وذهنية رجولية يركز على شكلهن الخارجي، بما فيه طريقة لباسهن وتجميلهن. مما شكل موضوعاً للنكات والتندر، كاشفاً عن المنطق البطريركي، الذي ما زال يحكم العقل العربي ونحن على مشارف الألفية الثالثة.
مثال ذلك جملة انتشرت بقوة، ولها دلالتها: هذه ليست حكومة نصرالله وإنما هي حكومة «يقبرني الله»!
وذهب البعض بعيداً في هذه العقلية الرجعية في التشهير بإحدى الوزيرات من خلال إعادة نشر صورها وهي ترتدي على نحو عادي ثوب سهرة، وكأنها تهمة أخلاقية ولعنة سلوكية!
إن حلة الحكومة الجديدة، التي برزت فيها بذرة صغيرة من المناصفة بتعيين ست نساء وزيرات، لا يمكن لنا بموضوعية إلا أن نعتبره الشيء الوحيد الذي نحمده لها.
بين العمى والرؤية!
عرضت قناة «بي بي سي» عربي قصة توأم جزائري اسمهما الحسن والحسين، تحديا إعاقتهما الجسدية بكثير من الإصرار والانفتاح على الحياة.
إن عائق العمى، الذي كان سببه زواج الأقارب، تحول لدى هذا التوأم إلى رؤية واضحة حول مفهوم المثابرة وتخطي عقبات الحياة وإنجاز ما لا يمكن للمبصرين إنجازه.
وقد جسدا ذلك من خلال برنامج «دعني أراك سعيداً»، الذي أنتجاه بوسائل بسيطة وبثاه من غرفتهما الصغيرة، بواسطة هاتف محمول عاديّ، وبكثير من المزاح والفرح وخفة الدم والدعابة لإسعاد الآخرين وحمل الناس على الثقة بالنفس وتعلّم كيفية تخطي المخاطر. وكأنهما توخيا من هذا البرنامج التأكيد على أن الإعاقة لم تكن يوماً عجزاً أو شللاً وإنما تكمن في انغلاق الإنسان عن الحياة وموت الأمل.
يعتبر حصولهما على جائزة الأونيسكو من بين متبارين كثر، من بلدان مختلفة ليس اعترافاً مباشراً بعطاءات وقوة هذا التوأم فقط، ولكن هو اعتراف بإرادة الاستمرار، التي تجعل من الحياة حلقة وصل ما بين الممكن والمستحيل. فالإعاقة، حسب الدروس التي علمنا إياها هذا التوأم، يمكن أن تكون عتبة للنجاح والتفوق، كما حصل مع طه حسين وبيتهوفن وغيرهما من العباقرة، الذين جعلوا منها ذلك الممكن الذي يتجاوز كل مستحيل.
لقد شكلت ثنائية العمى والإبصار مدخلاً لقراءة واقعين عربيين متناقضين.
واقع انهيار الدول والمجتمعات في بلادنا العربية وهو عمى حقيقي ضرب النخب السياسية والثقافية والمجتمعية، فكان المآل ما نحن عليه الآن، وإبصار بعض الأفراد، الذي يحمل دلالة الأمل والثقة بالنفس والاعتزاز بالمبادرات وتحرير الطاقات للخروج من هذه الأزمات.
هذا ما يمثله توأم الحسن والحسين!
بطولة شاب سوري
«ألسنا نسيء معاملة السوريين؟!
إن الشاب السوري محمود عثمان حفر الأنقاض بأظافره، حتى تجرحت وتقطعت يداه لإنقاذي وزوجي من تحت أنقاض منزلنا المدمر. لن أنسى هذا الشاب حتى الموت».
رددت سيدة تركية هذه الكلمات وعيناها تغزلان له من الدمع رسالة شكر وتقدير ومحبة.
هكذا شغل الشاب السوري، البالغ من العمر 22 سنة مواقع التواصل الاجتماعي والأوساط التركية بموقفه البطولي.
لقد نزفت يداه وتشققت، ولكنه لم يكترث لوجعه! بل كان همه الوحيد إخراج السيدة التركية وزوجها من تحت بقايا منزلهما، الذي دمر بالكامل بفعل زلزال ألازيغ. تناقلت القنوات التركية قصته وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديو قصيرا يظهر فيه حاضناً السيدة التركية ووجهه يفيض نوراً ومحبة.
ربما لأن أعمال الخير ترفعنا إلى أعلى مراتب الفرح.
محمود عثمان، هذا الشاب الشهم والشجاع أصبح موضع فخر يتباهى به كل عربي. هو واحد من شبان عرب كثر يرفعون رؤوسنا بمواقفهم الإنسانية النبيلة، أينما حلوا، سواء في الوطن أو المنافي. هم وببساطة شديدة أملنا الوحيد بتغيير مسار سوداوي يشدنا نحو الهاوية.
كاتبة لبنانية