تسويق الوهم التركي… بطل دراما حقيقية يُعتقل من قلب استوديو تلفزيوني!

إذا كان العثمانيون قد توقّفوا في تغلغلهم التوسعيّ غربًا عند الجزائر منذ قرون عديدة، فإن أحفادهم الأتراك استطاعوا اليوم اقتحام فضاءات المغرب الأقصى، عبر الإعلام والاقتصاد والسياحة.
ومن ثم، فإن انتشار المسلسلات التركية المدبلجة باللهجة المغربية صار يساهم في تشكيل المتخيّل الشعبي في المغرب عن الإنسان ونمط الحياة في تركيا؛ مع أن ثمة بونًا شاسعًا بين الخيال والواقع.
وتفيد إحصائيات نِسب المشاهدة أنّ تلك المسلسلات تحظى بمتابعة عالية من لدن الجمهور المغربي، رغم ما يُسجّله عليها النقاد والمتتبعون من انتقادات وملاحظات، إنْ على مستوى البناء الدرامي أو على مستوى محتوى الخطاب والرسائل، التي تمرّرها تلك الأعمال.
السلع التركية، هي الأخرى، نفذت إلى السوق المغربية، ووصلت إلى المستهلك سريعًا، ربّما تأثرًا بالصورة الافتراضية المُروَّجَة عن طريق المسلسلات نفسها، وهو ما انعكس سلبًا على المُنتجات المحلية، من ألبسة ومواد استهلاكية وتجهيزات منزلية وغيرها. مثلما سَجّل تحقيق بثّته قناة «تيلي ماروك» ضمن برنامج «العين الثالثة»؛ فخلال بضع سنوات جرى الاستغناء عن أكثر من مئتي منصب شغل في المعامل والمصانع المغربية، وحصل عجز كبير لدى المغرب في مبادلاته التجارية مع تركيا، بلغ ملياري دولار أمريكي.
وهكذا، بَدَا وزير التجارة والصناعة المغربي، حفيظ العلمي، حازمًا وهو يتحدث تحت قبّة البرلمان منذ أيام، حيث أوضح أنّ أمام تركيا خيارين لا ثالث لهما: إمّا مُراجعة اتفاقية التبادل الحر، أو تمزيق هذه الاتفاقية. ولكنه أبقى باب التفاؤل مشرعًا بعد استقبال نظيرته الوزيرة التركية، أملاً في معاملات اقتصادية متوازنة بين البلدين.
وكما هو الأمر في الاقتصاد، ففي السياسة ليست الأمور بين المغرب وتركيا «على قلب رجل واحد»؛ أصدق مثال على ذلك الموقف من الأزمة الليبية، فقد شُوهِدَ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يزور البلدين المغاربيين تونس والجزائر، ويلتقي رئيسيْهما المُنتخبَـيْن حديثًا، طمعًا في حشد التأييد لتدخّل بلاده طرفًا في النزاع بين الفصيلين المتصارعين في ليبيا. ولكن أردوغان استثنى المغرب من جولته المغاربية، رُبّما من منطلق اقتناعه بأنه لن يجني أية مباركة من قِبل سُلطات الرباط؛ مع التذكير بأن هذه الأخيرة لم تستسغ ـ لاحقًا ـ استبعادها من مؤتمر برلين حول الموضوع الليبي، وهي التي رعت محاولات المصالحة بين الإخوة/ الأعداء في لقاء «الصخيرات» الشهير، فكانت تلك المصالحة محض سراب، يحسبه الظمآن ماء!

أعراس لم تكتمل!

سيرة الأتراك مع المغاربة وسيرة المغاربة مع الأتراك لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد. ومعها تَشكَّـلَ حلم ورديّ لدى مجموعة من الفتيات المغربيات الراغبات في فارس الأحلام، انطلاقا من المُتخيّل الرومانسيّ الذي ترسمه المسلسلات التلفزيونية التركية المدبلجة: شاب ذو سعة في الرزق ووسامة لا تُخطئها العين.
مجموعة من الغارقات في الحلم التركي، إذنْ، يطمعن في أن تأتيهن ضربة حظ بزوج يشبه النجم الشهير «مراد يلدريم» الذي تزوج بفتاة مغربية، وبارك قرانهما رجب طيب أردوغان شخصيًّا.
هذا الحلم اقتنصه رجل تركي، يُدعى «مصطفى سيمسيك»، إذ وَجد مَن يُيسّر له الطريق نحو مغربيات راغبات في الزواج بمواطنين أتراك، والعكس صحيح: أتراك يرغبون في الزواج بمغربيات. وأوهم كل الأطراف بأن يجمع بينهم على سنة الله ورسوله، لكن مقابل «عمولة» مُجزية يتقاضاها عن هذا «الحسنة».
ومباشرة بعد السفر نحو تركيا، فوجئت أفواج العرائس المغربيات أن أزواجهن المفترضين رجال طاعنون في السن أو مطلقون أو معسرون أو أرامل. السرّ في تفضيلهم الزواج بالمغربيات أنهن ـ بخلاف التركيات ـ لا يكلفنهم مالاً كثيرًا، مثلما ذكرت إحدى المدوِّنات.
ووصلت قصة المنخدعين والمنخدعات بوهم الزواج إلى برنامج تلفزيوني شهير في تركيا، فخصص لها حلقة مباشرة على الهواء، وكان من سوء حظ «الوسيط» أنه أراد تبرئة نفسه من تهمة النصب والاحتيال، فذهب للمشاركة في البرنامج، لكنه فوجئ بعد نهاية الحلقة برجال الشرطة يقتحمون مبنى القناة، ويلقون القبض عليه في كواليس الاستوديو، باعتبار أن تصريحاته في البرنامج دليل على ارتكاب الجرم، علاوة على شهادات بعض الضحايا!
هذه المرة لم تكن عشرات الفتيات المغربيات ذوات الحظ العاثر منجذبات إلى الدراما التركية، بل إنهن صرن شخصيات في دراما حقيقية، وليست من وحي الخيال!

تركيا وإسرائيل!

مثل العديد من الدول الإسلامية، تكتفي تركيا في موقفها تجاه القضية الفلسطينية بالأقوال والكلمات الحماسية والخطب الرنانة فقط، بينما واقع الحال يُكذِّب ما ينطق به اللسان؛ فهي غارقة في التطبيع مع الكيان الصهيوني حتّى النخاع.
ما سُمّي بـ«صفقة القرن» كان مناسبة للوقوف على هذا التناقض الصارخ، فمن يقرأ بيان وزارة الخارجية التركية الذي بثته مختلف وسائل الإعلام، منذ ثلاثة أيام، يُخيّل إليه أنه أمام موقف مبدئي بطولي لأحفاد أتاتورك، حيث جاء في البيان ما يلي: «إن خطة السلام المزعومة للولايات المتحدة الأمريكية وُلدت ميتة. هذه خطة ضمّ، تهدف إلى تدمير حل الدولتين والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. لا يمكن شراء الشعب الفلسطيني وأراضيه بالمال. القدس هي خطنا الأحمر. لن نسمح بأيّ خطوة تسعى لإضفاء الشرعية على الاحتلال والاضطهاد الإسرائيلي. سنقف دائما بجانب الشعب الفلسطيني الشقيق. سنواصل العمل من أجل فلسطين المستقلة على الأراضي الفلسطينية. لن ندعم أي خطة لا تحظى بدعم فلسطين. لن يكون هناك أي سلام في الشرق الأوسط دون إنهاء سياسات الاحتلال».
والواقع أن هذه العبارات شبيهة بالكلام الذي يردده رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة، والكل يتذكر المشهد الذي أدّاه أمام قادة العالم في الأمم المتحدة، العام الماضي، حيث أشهر صورًا لخريطة فلسطين ومآلاتها بفعل الاحتلال الإسرائيلي منذ 1948. لكنّ بعض القنوات التلفزيونية، ومن بينها «العربية»، اتهمته بتناقض تصريحاته مع أفعاله، وهو ما انخرط فيه أيضا العديد من رواد شبكات التواصل الاجتماعي الذين نشروا «هاشتاغ» بعنوان «أردوغان يكذب على العالم»، فهو يقوم بنوع من المزايدة لكسب تعاطف المتضامنين مع القضية، وفي الوقت نفسه يتمسك بعلاقته مع إسرائيل التي يربطه معها تبادل تجاري وتعاون عسكري؛ كما أنه زار الكيان الصهيوني عام 2005، وأشاد بالعلاقة بين البلدين، وسمع أيضًا حديث المجرم «شارون» عن «القدس» بزعم كونها «عاصمة لإسرائيل»، دون أن ينبس ببنت شفة، من باب الاعتراض.

 كاتب صحافي من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية