في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 كانت مجموعة من الكوبيين تحاول الهروب عبر البحر إلى «لايوما» (الاسم الذي يطلقه الكوبيون على أمريكا)، وبين هؤلاء امرأة شابة تحمل طفلها إليان غونزاليس، وتخاطر بحياتها لبدء حياة جديدة، وواجه القارب المصنوع من الألمنيوم عاصفة أدت لانقلابه، فقررت المرأة أن تعطي ابنها إمكانية النجاة بتطويقه بإطار مطاطي، وتغرق مع من غرقوا لينضافوا إلى الآلاف، الذين جعلوا المضيق بين ميامي وكوبا حينها أكبر مقبرة بحرية في العالم (وعلى الأغلب أن البحر المتوسط صار المقبرة البحرية الأكبر بعد العقد الأخير).
التقط صيّادون بعد يومين الطفل الغائب عن الوعي وأنقذوه، وكما حصل مع سميّه في الاسم، إليان الكردي، الذي لم يحظ بالنجاة، فقد شوهدت صورته في كل العالم، وتحوّل الطفل المعجزة الجميل إلى حدث سياسيّ، سيؤثر ليس على مصير أمريكا فحسب، بل على مصير العالم بأسره. طالب والد الطفل، الموجود في كوبا بابنه، فيما حاول أقرباؤه في ميامي الاحتفاظ به، وتحوّل بذلك إلى رمز للحرب الطويلة بين الكوبيين المناهضين للنظام في هافانا، الذين يعتبرون إعادته استسلاما لنظام شيوعي مستبد، وللدعاية الرسميّة الكوبية، التي اعتبرت ما حصل خطفا لطفل بريء وإبعادا له عن أبيه.
قرّر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حينها إعادة الطفل، وفي صباح 22 نيسان/إبريل 2000 اقتحمت مجموعة من قوات المداهمة «سوات» البيت الذي يوجد فيه الطفل، وتمت إعادته لأبيه. أشعلت الطريقة القاسية لانتشال الطفل وتسليمه للسلطات الكوبية غضب الكوبيين الأمريكيين، وقد قاموا بالتعبير عن ذلك بطريقة ستكون لها تداعيات خطيرة. تنافس نائب كلينتون، آل غور، على الرئاسة مع جورج دبليو بوش، وكان لتصويت الكوبيين الأمريكيين، الذين كانوا يصوّتون عادة للديمقراطيين، مفعولا حاسما، حين صوّتوا هذه المرة، بشكل انتقاميّ، ضد مرشح الديمقراطيين آل غور، وكانت أصواتهم مهمة، لأن الفارق في انتخاب الولايات المتحدة الأمريكية لبوش بدلا من غور انحسم بـ500 صوت قدّمتها ولاية فلوريدا التي يشكّل الكوبيون حجما وازنا فيها.
عالم من دون هجمات نيويورك واحتلال العراق؟
حسب محللين سياسيين كثر، فإن عدم انتخاب غور رئيسا لأمريكا أدى إلى مفاعيل هائلة، فغور كان أكثر تنبها بكثير لتقارير الاستخبارات اليومية، وربما، تحت قيادته، ما كان لهجمات «القاعدة» في 11 أيلول/سبتمبر 2001 أن تحدث، وأنها لو حصلت، فإن غور، حسب مساعديه الذين يعرفون شخصيته، ما كان ليهاجم العراق، وهناك تصريح لغور يرفض هذا القرار صراحة. قد لا تكون كل هذه الأمور مؤكدة، لكن الشيء الأكيد، هو أن غور كان متحمسا بشكل كبير لمسألة مكافحة احترار العالم وتغير المناخ، وقد ارتبط اسمه بهذه القضية بشكل أكثر من أي زعيم سياسي أمريكي. حسب كريسي وودمان، التي كانت أحد موظفي جورج بوش الكبار، فإن نهج غور في هذا الموضوع سيكون مختلفا بشكل جذري عن النهج الذي اتبعه بوش، وكان ذلك سيجعل الولايات المتحدة متقدمة على العالم عشر سنوات في هذه الأجندة، ولكن الذي حصل هو العكس تماما، وهو ما أدى، عمليّا، على ضرر مستدام للأرض ولا يمكن تجنبه. تراجع بوش عن اتفاقية كيوتو، وتراجع عن وعده بفرض ضريبة على الكربون، وخلال 8 سنوات من إدارته فتح المجال لصناعات النفط والغاز، ولتقنيات مثيرة للجدل (كالتقنية الاهتزازية المتهمة بالتسبب بزلازل وتصدعات تحت أرضية)، وقد استمرّ إرث بوش هذا، وبشكل أكثر سوءا بكثير، مع نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد انتقل جزء ممن عملوا على سياسات بوش هذه إلى إدارة بوش، ففتحوا الباب أوسع لإنتاج الوقود الأحفوري، وللصناعات المضرة بالبيئة، وبذلك تسبب حادث انقلاب قارب صغير إلى تغيّر هائل في السياسة الأمريكية، ومن ثم في العالم.
تمثّل حادثة إليان غونزاليس، ما يسمّيه الباحثون التاريخيون بـ«أثر الفراشة»، وهذا الأثر الذي حصل عام 2000 ما زالت تداعياته مستمرة حاليّا، فإذا كان للتاريخ والطبيعة طرقه لإعادة قلب الأمور، فهل نشهد حاليا انقلابا جديدا، يشبه في طريقته «أثر الفراشة»؟
تحوّلت الناشطة البيئية غريتا ثونبرغ إلى ظاهرة عالميّة مؤثرة جدا، للدرجة التي تجعلها تواجه، وهي الصبية الشابة، تصريحات تنتقدها من قبل زعماء من وزن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، مرورا بوزراء ومسؤولين ورجال أعمال.
«لقد قضيتم على طفولتي»
من الواضح أن الناشطة البيئية السويدية غريتا ثونبرغ، تحوّلت إلى ظاهرة عالميّة مؤثرة جدا، للدرجة التي تجعلها تواجه، وهي الصبية الشابة، تصريحات تنتقدها من قبل زعماء من وزن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، مرورا بوزراء ومسؤولين ورجال أعمال.
كان لافتا، على سبيل المثال، تعليق ترامب على اختيار مجلة «تايم» الأمريكية لثونبرغ، وهي بعمر 16 عاما وحسب، شخصية عام 2019، معتبرا الاختيار «سخيفا للغاية». من الصعب أن يفلت أي موضوع أمريكي أو عالمي يجلب الاهتمام من تعليقات ترامب، وربط هذا بمصالح الرجل السياسية لا يكفي، فنحن نتحدث عن شخصية عالية النرجسية، وعليه فلا نستطيع استبعاد إمكانية إحساس ترامب بنوع من التنافس مع مراهقة فوّتت عليه، رغم تأثيره الذي لا يخفى على كل شيء يحصل في العالم، فرصة أن يكون «شخصية العام».
يستثير هذا الاشتباك الواضح بين ترامب وثونبرغ انفعالات شتى، خصوصاً عندما يتكرّر هجوم الرئيس الأمريكي على الصبية مرارا وتكرارا، فقد عاد للسخرية من خطابها على منصّة الأمم المتحدة خلال فعاليات الدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحميلها رؤساء الدول الكبرى مسؤولية «تدمير النظم البيئية» للأرض، حيث قالت لزعماء العالم «لقد قضيتم على طفولتي بأحاديثكم الفارغة. مع ذلك ما زلت محظوظة، فالناس يعانون ويموتون. نظامنا البيئي ينهار ونواجه مخاطر الانقراض الجماعي، وأنتم تتحدثون عن المال»، ثم عاد ترامب للهجوم الصريح على ثونبرغ في منبر عالميّ آخر هو منتدى دافوس الاقتصادي، فاعتبرها والناشطين البيئويين «أنبياء الشؤم» المهددين بنهاية العالم.
تظهر مطالبة ترامب الساخرة لثونبرغ بـ«الاسترخاء» ووصفه لها بأنها «تبدو شابة سعيدة جدا» تشابها «سعيدا» بنظيره الروسي، الذي علّق بدوره على كلمة ثونبرغ في الأمم المتحدة بأنها «فتاة صغيرة لطيفة صادقة جدا» وأن «على الكبار فعل كل شيء لعدم أخذ المراهقين والأطفال نحو حالات متطرفة»، وأن عليهم «حمايتهم من الانفعالات المبالغ فيها» وأنه لا يتقاسم «الحماسة العامة» التي عقبت كلمة الناشطة، فاستغلت ثونبرغ الكلمة مجددا لتقدّم هي أيضا سخريتها الخاصة من أولئك الزعماء، حيث استخدمت توصيفه له معرفة بنفسها على تويتر بأنها «مراهقة لطيفة ولكن غير ملمّة».
على عكس ما توحي به، تعبّر أشكال الاستهزاء وإنقاص الاعتبار التي يقوم بها زعماء العالم الكبار (التي تردّ عليها ثونبرغ والناشطون باستهزاء أكبر) عن نوع من توازن قوى من نوع جديد، يذكّرنا دائما بأن الانقلابات الكبرى التي حصلت في التاريخ البشريّ عانت من أساليب الاستصغار هذه، وأن التساؤل الاحتقاري المنسوب إلى الزعيم الشيوعي السوفييتي جوزف ستالين حول «كم دبابة يملك بابا الفاتيكان؟»، إذا صحّ، يتجاهل أن ستالين نفسه كان شخصا مطاردا من قبل سلطات أمن الإمبراطورية القيصرية العظمى قبل أن يحتلّ بعد «الثورة الروسية» مكاناً أكبر من مكان القيصر وأن يسيطر على جغرافيا أكبر بكثير من امبراطورية القياصرة، قبل أن يعود البابا، أو ما يمثّله من أيديولوجيات قومية ودينية قديمة، من الانتصار على «الاتحاد السوفييتي العظيم»، الذي انهار فجأة كتمثال من الملح.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»