مجموعة الشاعر التونسي صابر العبسي “أجمل ما فيكِ لا يقبل الترجمة”: احتفاء بالحرية ومعايشة كائنات العزلة

محمد العربي
حجم الخط
0

في حديثه عن الفلسفة والأدب يوضح المفكر وعالم اللغة جاك دريدا أنه ليس هناك تميز بين الفلسفة والأدب. إنهما يقفان على نفس المسافة مما حدث ويحدث، يقذفان تلك البرك الآسنة بالأسئلة المقلقة لكل عقل جامد، وكل فكرة تدعي أنها الحقيقة المطلقة.

ويصف الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني- في كتابه “الهجرة للإنسانية” – الشعر بأنه أكثر تفلسفا من الفلسفة نفسها. فالشعراء والفلاسفة يقفون حيث لا يمكن لعالم أن يرنو ببصره.

في هذا الإطار يتنزل كتاب “أجمل ما فيك لا يقبل الترجمة ” للشاعر التونسي صابر العبسي، وهو إصداره الجديد بعد مجموعته الشعرية الأولى “الوردة في منديل أبيض”، ويحتفي بالمكان والأشياء التي تتحول إلى كائنات حية من دونها لا تتحقق هوية الشاعر وعالمه.

إنه كتاب شعري يضع العالم بكل تفاصيله في موضع السؤال ويحرك مياه كثيرة راكدة.

عتبات ملغزة

يضعنا الكتاب منذ البداية ومن خلال عنوانه الملغز في تساؤل حول ضمير المخاطب المؤنث “فيك”، وهو ما يجعلنا في حيرة. هل يتقصد هنا المرأة أم البلاد أم الحياة أم القصيدة أم كائناً اخر من اختراع خيال الشاعر. أم هو حول أسئلة الجمال التي هي عصية عن الترجمة والتعريف في هذا الكائن.

هكذا يكون العنوان، والذي هو عتىبة أولى لفهم أو تكوين صورة قريبة عن العوالم التي تدور في فلكها القصائد، يضعنا بدوره في مطب أوليّ سنسعى لتجاوزه .

الحرية شرط من شروط الإبداع، وهي شرط إلزامي وضروري لا يمكن قطعا الاستغناء عنه. وهي في أول نصوص الكتاب بيان شعري يشهره الشاعر كحاجة أكيدة للكتابة:

“لا بد لي

لا بد لي

من غرفة

أعلى البناية

لا

لأحلم حين أغفو

لا

لأحضن حين أهفو

لا لأكتب

حين أشطب

بل لأنزع كل أقنعتي وأثوابي

وأخرج عاريا

حرا كما لو أنني في غابة”.

هذه الحرية الأساسية والضرورية للشاعر هي بيانه الأول في هذا الكتاب. وعزاؤه هنا هو كشف الغطاء ونزعه عن وجه العالم لنراه على حقيقته. وهذا هو دور الشعر في الحقيقة، أي فعل التعرية والتفكيك. هذا العالم الذي يبني بيوت لله على الأرض فيما يقبع الإنسان في العراء بلا بيت: “خرجوا يبتنون البيوتات لله شتى… أما أنا كالطفولات، كالنور، كالحب، من ألف عام، على هذه الأرض دون بيت”.

ثمة أيضاً احتفاء بالأشياء، المنضدة، المذياع، المقعد الخشبي، الخزانة، المزهرية والجرس والباب… وأشياء أخرى في حجرة الشاعر يحتفي بها العبسي في قصيدته ليس هروبا من واقعه اليومي بقدر ما هو متوحد بها يحوّلها داخل النص ويعيد تشكيلها في سياقات مختلفة خالقا بها معان ودلالات جديدة. فالمنضدة الخشبية تصير أخت الشاعر لا ينقصها غير ساق وتنهيدة الشاعر ودمعته في الليل تستوي ساقها الرابعة. المذياع الذي يكدر صفو الشاعر وهو يصدح بأغنيات النصر عن بغداد وفلسطين والذي يحطمه ملقيا به من أعلى البناية ويظل يغني يستحيل نداء يحوم في داخل رأسه.

كل التفاصيل والأشياء المهملة في الغرفة هي نداءات ومعان تستفز عزلة الشاعر الذي كّلما حاول ترجمتها استحالت. لم تقبل إلا أن تكون معنى جديدا ينفلت من بين يديه.

فلا المقعد مقعد ولا الخزانة خزانة ولا المزهرية وردة ولا الباب بناية. جميع تلك الأشياء هي في الحقيقة  ايقاع الشاعر وهواجسه التي لا يمكن ضبطها.

هو احتفاء بالمكان كذلك، تحضر الغرفة هنا باعتبارها اسما آخر للعزلة والفضاء المغلق في بنيته والمفتوح في دلالاته وأسراره وأبعاده اللامتناهية. فهي المكان الذي يحتفي به الشاعر في كل قصائده، إما منطلقا منه أو عائدا إليه باعتباره يشكل الرحم الأول لتشكلنا ونهاية رحلتنا المادية والفكرية أيضا.

كمن يروض وحوشا في غرفة كان المكان وكانت قصائد الشاعر مشوبة بالمحن والفقد:

“شخْصٌ مَا
أعْلى المبْنى في الربْع الخَالي
منْ حُجْرتِه الصحْراء وحيدا أعْزلَ
ملْء يديْه اللّحظة يخْبط
ملْء يديْه يلوّحُ
للكلماتِ وللآلهة الأشياء النّجدة َ
إنّي أغْرقُ”.

وبذلك فإن فعل الكتابة والتفكير في العالم والأشياء ينطلق من هذا المكان، الذي يطلق فيه العبسي كائناته العجيبة لتسبح في نهر خياله المجنح والمنطلق.

هكذا يتشكل فعل الكتابة انطلاقا من الغرفة ليمارس الشاعر لعبته الأزلية بين الداخل والخارج، فهو يلقي بما تحمله الحجرة من أشياء خارجها وحين يعود إليها يكون محملا بأشياء جديدة:

“من مَصبّ النّفاياتِ في آخر الليّل
من رحْلة التّيه للصّيد أبْتُ
إلى حجْرتي مُجْهدًا،
وعلَى متْن ظهْريَ كيسُ الحمَاقاتِ
كيسٌ من المهْملات الثّمينَة”.

 

 

تداخل العوالم

تتداخل العوالم في القصائد بين عالم خارجي وعالم داخلي وبين أمكنة حقيقية وخيالية وبين أزمنة متعددة ومشاهد وصور سريالية. فيصبح البحر في الغرفة والعطر في الدم وحبل غسيل في الملامح ودلو يسحبه إلى غرفته. ويصنع من كتب الشعراء زوارق، ونوارس. قبل أن تبتلعه عنكبوت ضخمة هي هواجسه ورؤاه.

ثمة تداخل غريب ومتفرد في العوالم الشعرية والصور المبتكرة التي يجريها العبسي في القصائد، مثل كائنات عجيبة يتلهى بها في عزلته التي يمجدها في القصائد. فهو يتكاثر في الركن من حجرته، تتواثب حوله ذريتهُ من الدمع والدم والعوسج المرّ، مثل الأيائل متلاطمة بالوسائد تعدو على الرف فوق الأرائك، راجمة بعضها بالمعاجم، لتكوّن بذلك العزلة زوجته الأسرة كما يقول.

فالشاعر هنا مجموعة من المتناقضات: هو القاتل والقتيل، الليل والنهار، الجنرال والجثة التي تسبح في الظلام.

ويشتبك العبسي – في أكثر من نص يهديه إلى الشعراء منصف الوهايبي، نزار الحميدي، أشرف القرقني، أمامة الزاير، ناظم بن ابراهيم، سليم بركات – في التقائهم بتجربة العزلة. يستدعيهم في غرفته ويستدعي تجاربهم المخصوصة في نصوصهم وخارجها. كل عالم من عوالم هؤلاء الشعراء يلتقي معه العبسي في حلقة من حلقاته إن لم يكن في دائرة كبيرة من دوائر الحياة والكتابة، حيث تختلط كائنات كل الشعراء، وتشع مثل نجم يضيء ليل الشاعر.

ولا تخلو القصائد المهداة إليهم أو التي يحضرون فيها من تيمة العزلة وفضاء الغرفة، وفي بحث جليل عن العزلة وأمجادها يلتقي العبسي بمدارات الرعب. فالكتابة تمجيد لذلك الرعب الذي يعرّي ويكشف بواطننا، وتلك المسافات العظيمة من المرارة والدماء والعذاب التي يقطعها الشاعر في غرفته مطلقا كائناته العجيبة لتجول في رأسه وتنصهر بالمكان الذي يحمل أكثر من معنى وأكثر من دلالة، هي ملحمة الشاعر في عزلته. تلك العزلة التي أجمل ما فيها هو ما لا يمكن ترجمته.

بذلك يكون الشعر فعلا أكثر تفلسفا من الفلسفة في حد ذاتها، إذ يقف الشاعر العبسي حيث لا يمكن لعالم أن يرنو ببصره.

 

صابر العبسي: “أجمل ما فيك لا يقبل الترجمة

دار ديار للنشر، تونس 2019

247  صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية