أطلق كلابك في الشوارع واحتفل بالأعياد

حجم الخط
3

صدفةٌ غريبةٌ تلك التي قربت بين عيد الأضحى وذكرى حرب أكتوبر حتى اتصلا هذا العام، ولن تعدم من يجد في ذلك دلالةً كونيةً عميقة بل وإشارةً إلهية على اقتران ذكرى «مجد» و»فخر» المؤسسة العسكرية مع عيد المسلمين، لا مجرد صدفة فلكية، الأمر الذي يحدو بي إلى المطالبة بالاحتفال بمناسبة الحرب وفق التقويم الهجري في العاشر من رمضان لتفادي ذلك الصداع مرة أخرى في العقود القادمة، سيما وان النية تبدو متوفرة ومؤكدة على ذلك الاحتفال إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها.
للأمانة تكمن المشكلة في كوني لم أستطع ان أكف، ناهيك عن ان أمتنع من الأساس، عن مشاهدة التلفاز بدءاً من العيد وحتى ذكرى العبور فجلست كالمسرنم أتابع بالتزام طقوسي مقررات الحكومة من الأفلام والمسلسلات، فشاهدت «إعدام ميت» ثلاث مرات مثلاً وما تيسر من حلقات «رأفت الهجان» المعادة ولم أستطع ان أتحمل النجم الذي لا يشيخ سمير صبري في دور ضابط في القوات المسلحة، ليس من منطلق «إذا كان الضباط على تلك الشاكلة فلا عجب في كوننا نخسر الحروب» فقط ولكن ربما لأنه يذكرني بالفنان عمرو دياب الذي يتجدد شبابه بأعجوبة وبالنظام الذي يحاكيهما بمساحيق العبور العظيم.
حقيقةً كان موسم أعياد محيراً، التبست علي فيه الأمور فلم أعد أدرك من أو ما الذي يذبح وحسدت الخرفان فعلى الأقل هذه لا تتعرض للاعتقال لمددٍ طويلة ولا تكهرب وتقل معها حالات الاغتصاب والتحرش…نسبياً… وفقدتُ الإحساس بالزمن فلم أستطع تفسير أحجية تواجد بعض الوزراء في الحج وكتفاً إلى كتف بجوار الرئيس في صلاة العيد في آن واحد حتى لفت أحدهم نظري إلى كونهم مبروكين من أهل الحظوة، فاكتمل بذلك عقد البركات: وزراء مبروكون في حكومة مباركة ذات مرجعية عبورية مسلحة مباركة في مناسبة ( أو بالأحرى اثنتين؟!) مباركة.
إذ أعود إلى شيء من الجدية، ليس في الاحتفال بأكتوبر والعبور من جديد، فقد حرص النظام على دمغ ذلك «الانتصار» في العقل الجمعي للمواطنين بمطارق إعلامه مستخدماً في ذلك أبواقه المختلفة التي صارت تكررها وتسبح بها كما لو كانت حزب عمَّز أو ألفية ابن مالك، وتحديداً في ذهن ووجدان ذلك الجيل الذي ولد وكبر بعد تلك الحرب وتم تعميده بالاسم الكودي «جيل أكتوبر» على رأي الأستاذ صنع الله ابراهيم. لدى التدقيق نجد ان تلك الحرب تم اختزالها في معارك الأيام الأولى وتحديداً في العبور، ذلك الانجاز المبهر للشعب المصري، والذي تمت إعادة تعميده هو الآخر ليصبح «ملحمة»، وتجاهل أو طمس أو على الأقل الحديث بصوت خافت عن الأيام التالية على ذلك العبور بحقائقه وتطوراته المزعجة كالثغرة وحصار الجيش الثالث ومحادثات الكيلو 101 الذي أزعم ان الكثيرين لا يعرفون أين يقع و مدى قربه من القاهرة، وبالطبع لم يكن ذلك اعتباطاً وانما كان الرئيس المؤمن يوظف جيداً تلك المعركة التي فرضت عليه نتيجة تجاهل الأمريكيين والإسرائيليين له وعدم التعاطي معه بجدية في البداية، فهو لم ينكر أبداً ولم ينف كون الهدف الأساسي منها تحريك العملية السياسية ومن ثم مقولته الشهيرة عن مجرد تحرير موطئ قدم (عشرة سنتيمترات على حد تعبيره) على الضفة الغربية وترك الباقي ليتكفل هو به، على مائدة التفاوض بالطبع. لقد كان السادات مدركاً تماماً احتياجه «لنصر» ليحقق له عدة أغراض: أولاً ليكرس مشروعية نظامه ورئاسته ويتحرر من ثم من ظل عبد الناصر الكثيف وحضوره الطاغي وثانياً ليتمكن من تصفية هذا الصراع «حرب أكتوبر آخر الحروب» بما يمكنه من التفرغ لمشروعه الأهم ألا وهو عكس الدفة والانضواء تحت كنف أمريكا، هذا بالطبع بالإضافة إلى استعادة هيبة الجيش التي كانت تمرغت في التراب عقب هزيمة 67 النكراء المشينة. ولا يفوتنا ان ركناً ركيناً من تأسيس المشروعية وتدعيم النظام تكمن في منع هذا الصراع من التطور إلى آفاق تعبوية على مستوى شعبي عفوي خارج أطر الدولة المسيطرة بما يهدد استقرار النظام وطبيعته.
هذه السردية «بطل الحرب و السلام» لعبت دوراً محورياً مؤسساً لذلك النظام بكل انحيازاته وحماقاته وتجاوزاته، وبان أثرها الأهم في سني حكم حسني مبارك (لاحظ ان السادات رحل مبكراً نسبياً) حيث تم عطف «صاحب الضربة الجوية الأولى» إلى مجمل النياشين السردية، ومن حسن الحظ ولطف الأقدار ان أغلبية ذلك الجيل إما تقاعد أو انتقل إلى الرفيق الأعلى بما يبعد عنا شبح احتمال ان يطبق على أنفاسنا صاحب دانة المدفع الأولى وصاحب أول صاروخ الخ.
المسلي الآن ان نرى نظام الرئيس السيسي يطبل ويغني على موال ذلك «الانتصار» المبين الساحق بعد ان أغفل سنة التسبيح بحمد الضربة الجوية الأولى، كيف لا والمؤسسة العسكرية ممثلةً في رجلها القوي هي التي تحكم وهي تستمد مشروعيتها من «ملحمة العبور» ولعل ذلك يفسر أمرين: ذلك الصراع بين أنصار النظام وأعدائه على نسبتي الحقيقة والأسطورة في تلك الحرب الذي يمثل في حقيقة الأمر صراعاً على مشروعية ذلك النظام من حيث «إنجازه» الرئيس المؤسس، و ربما الوحيد، أما الأمر الثاني فهو تلك الشراسة في الدفاع وذلك الغلو في التطبيل.
كتبتها من قبل ولن أسأم من تكرارها: السيسي دولتي حتى النخاع ويدرك بحدة ان الدولة قد منيت بضربة موجعة وان أبنيتها المتآكلة المترهلة في الأساس قد تصدعت، وما كل مجهوداته سوى محاولاتٍ لترميمها وانه ليعول في ذلك أساساً ( وربما حصرياً) على المؤسسة العسكرية، ولذا فلا بد من تأكيد نجاحها ودورها الرائد في الحفاظ على تماسك مصر، إذ لولاها لكنا «زي سوريا والعراق» حتى انتكاساتها كـ 67 كبوات وتخاذل أشخاص، أما المؤسسة فـ «عظيمة قوي يا إبراهيم» كما أكد السيسي بلهجة تقريرية ملؤها الثقة و نظرة سارحة تشي بالوجد في حواره مع إبراهيم عيسى.
وكل ما سبق استطيع ان أفهمه بل وأتوقعه كتحركات بيادق تفرضها الظروف والانحيازات، أما ما يدهشني ويزعجني فهو تلك الحملة المسعورة التي يشنها أعداء حراك الشعب المصري الثوري على 25 يناير حيث بلغت من الابتذال والانحطاط مبلغاً لم أكن أتصوره. لقد بتنا نعيش هذه الأيام ما صار يشبه حرب خنادق بين انصار ثورة الشعب وأعدائها من الإعلاميين والكتبة الذين تربطهم شبكة معقدة من المصالح بالنظام بانحيازه الرأسمالي النهبي الفج، وللأسف فإن الصوت الأعلى لمعسكر أعداء الثورة الذين يحتكرون الفضاء الإعلامي المرئي ويزاحمون في المجال المكتوب حتى ضيقوا على العديد من الأصوات الشريفة التي إما لجأت للصمت وإما الكتابة في صحف المهجر أو الصحف الألكترونية ريثما ينتهي موسم الجنون والعبث. غير ان ان أشد ما هالني وأفزعنى «مقال» هو في حقيقة الأمر وصلة من الردح البذيء والفاشستي في إحدى الصحف الخاصة الأوسع انتشاراً في مصر حيث أكد الأخ كاتب المقال على إصراره على كون 25 يناير مؤامرة مهيناً بذلك الشعب المصري ومناقضاً للدستور. وليته توقف عند ذلك بل انه وصف كتاباً مرموقين من أمثال د علاء الأسواني وفهمي هويدي بالمرتزقة وفصيلاً سياسياً مهماً ومؤثراً وحاضراً في الشارع في كل الفعاليات كـ «الاشتراكيين الثوريين» بفئران المراحيض ناهيك عن المتعاطفين مع الإخوان المسلمين (أي الكثير من أصدقائنا وأقاربنا) بالكلاب! أسلوب مذهل ومنفر ولو كنت مكان أحد من ذكرهم بالاسم لرفعت دعوى سب وقذف عليه، إلا ان المؤسف انه ليس وحده وإنما هي حملةٌ منظمةٌ ممنهجةٌ للتيئيس وطمس الحقائق والتدليس والإحباط وإقناع الجمهور بأنه تم التغرير به والضحك عليه…حملة شريرة الأهداف والأغراض منحطة الأساليب.
يبدو ان أجهزة النظام تلعب لعبة منسقة على محورين، المحور الرسمي يكرس الثورة ويزعم لم شمل المصريين، والمحور الثاني هو تلك الحملة المدمرة عبر قنوات الإعلام وصناعة الرأي العام. وفي هذا السياق تحضرني قصيدة الراحل الكبير أحمد فؤاد نجم التي تعبر عن واقع الحال والتي أتحفنا وأمتعنا الشيخ إمام رحمه الله بغنائها: «شيد قصورك عالمزارع» حتى يصل إلى «وأطلق كلابك في الشوارع واقفل زنازينك علينا»…
حقاً، ما أشد حضور هذه الكلمات…حين يصم أحدهم ملايين شعبه بالعبط والتآمر ويصف مناضلين بـ «فئران المراحيض» فأي كلام تبقى ليقال؟ هي حرب كر و فر، فالكلاب المسعورة مطلقة لتنهش لحم الأحلام وتنتقم بشراسة من كل من حرض أو سولت له نفسه مجرد هز الأغلال التي يرسف فيها شعب…إني أشم رائحةً كريهةً في الجو وأكاد أجزم بأن الأيام القادمة ستكون أسوأ.

٭ كاتب مصري

د يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية