“أحزاب ديمقراطية إسلامية أوروبية”: بدعة أم حاجة؟

في حوار مع صديق حول مستقبل الجاليات المسلمة في أوروبا، عبّرت عن خشيتي مما ينتظر الأحفاد، وربما الأبناء، إذا ما استمر تصاعد النزعات الانعزالية الجماعاتية ضمن الجاليات الإسلامية، مقابل التنامي اللافت الذي تشهده المجتمعات الأوروبية على صعيد النزعات القومية – العنصرية والشعبوية.

ولحسن الحظ، لم يكن الصديق متشائماً مثلي، بل بدأ بمحاولة تفنيد وجهة نظري بطريقة ودّيّة، وذلك عبر الاستناد إلى التراث الإنساني الهائل الذي قدمه الفلاسفة الأوروبيون منذ بدايات عصر النهضة، مروراً بالأنوار، وصولاً إلى مرحلتنا المعاصرة. كما ذكرني بدور وقوة المؤسسات الديمقراطية، ومنظمات المجتمع المدني، التي ترى في النظام الديمقراطي الضمانة الأكيدة للحفاظ على إنجازات الأجيال السالفة، وذلك لضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة. وفي نهاية حديثه، خلص إلى القول بأن التيارات المعادية للأجانب بصورة عامة، وللمسلمين بصورة خاصة، في المجتمعات الأوروبية هي تيارات معزولة، طارئة، ربما تُحدث جعجعة هنا أو هناك، وتحصل مكاسب انتخابية آنية، ولكنها في نهاية المطاف لن تستطيع إقناع الشعوب الغربية بمزاعمها. فقد تعلمت هذه الشعوب من تجربتها المريرة مع مثل هذه التيارات، خاصة مع النازية والفاشية التي باتت جزءاً من الماضي غير المرغوب فيه، وهو الماضي الذي ما زال يثقل كاهل معظم الأوروبيين، والألمان منهم تحديداً على المستويين القيمي والوجداني.

كم تمنيت لو كنت متفائلاً كصديقي الذي أحترم عقلانيته وبعد نظره. ولكن المشكلة التي نعاني منها في عالمنا المضطرب هذا هو أن منطق العقل لم يعد له مفعول في ظل الأزمة القيمية الكبرى التي تتجلى في عدم الالتزام بالمبادئ، واعطاء الأولوية للمصالح المادية العارية. فلم تعد الشعبوية عيباً، كما لم تعد العنصرية مرضاً، ولم يعد التعصب الديني- المذهبي الأعمى مذموماً.

وخطورة كل هذه الأوبئة تكمن في قدرتها على دغدغة مشاعر الناس، لا سيما في أوقات الأزمات. فهي تستغل هواجسهم ومصاعبهم ومظلومياتهم. أما وسائلها في تحقيق ذلك فهي الوعود الرنانة الخاوية، والتهويل، وخلق الفزّاعات، والتلاعب بالوقائع والإحصائيات، وتسويق القراءات والتأويلات الأكثر تشدداً، واشكالية وجدلاً، وخلافية، للنصوص الدينية.

نقول إن النازية قد باتت جزءاً من الماضي الأوروبي غير المرغوب فيه، ولم يمض على هزيمتها العسكرية، من دون الفكرية والأخلاقية، سوى خمسة وسبعين عاماً. ونتناسى أن مشروع الولي الفقيه، والمشروع الداعشي، يرتكزان على خلافات وممارسات و”ثارات” تعود بجذورها إلى نحو 1400 سنة خلت. ومع ذلك وجدنا تعاطفاً وتناغماً مع المشروعين في أوساط شعبية واسعة، بل استقطب المشروعان شخصيات ومجموعات كنا نعتقد أنها محصنة في مواجهة الطائفية والمذهبية، وسائر أشكال التعصب الديني.

والأمر كذلك أيضاً بالنسبة إلى التعصب القومي بكل أشكاله وأسمائه. فقد كنا نعتقد أن سياسة التمييز القومي كانت أداة من أدوات الدولة الاستبدادية من أجل تمزيق النسيج المجتمعي الوطني بغية التحكم فيه والسيطرة عليه. ولكننا في ظل الأزمة الوجودية الكبرى التي تمر بها منطقتنا منذ نحو عقد من الزمن، وجدنا بأن الكثيرين ممن كنا نعتقد بأنهم طلاب الحرية والعدالة والمساواة والكرامة والتنمية للجميع من دون أي استثناء، وجدناهم ما زالوا أسرى منظومة أيديولوجية قوموية لا معقولة. تعايشوا معها واستلهموها على مدى عقود من عمر الاستبداد، حتى باتت في منظورهم من المسلمات، بل البدهيات التي يعد التنازل عنها خيانة قومية وفق الحسابات الشعبوية، فخسروا أبناء وطنهم، ولم يحصدوا سوى الريح في بازارات الشعارات القوموية.

أما في المجتمعات الأوروبية، والغربية عموماً، حيث تعاني الأنظمة الديمقراطية من أزمة، إن لم نقل أزمات، عميقة كبرى نتيجة تصاعد الشعبوية التي يستغل أصحابها الثغرات الموجودة في الأنظمة المعنية؛ كما يستغلون واقع الخلل البنيوي الذي يعاني منه عالمنا في ظل هيمنة النزعة الاستهلاكية المتوحشة التي حوّلت المجتمعات إلى جملة أفراد، ليتحوّل هؤلاء إلى مجرد أرقام في حسابات الشركات والمصارف، ويصبحوا في الوقت ذاته موضوعاً للتوجيه والتحكّم  بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية الضخمة التي تُطْبِقُ على الفرد من جميع الأنحاء. وهكذا تصبح الإعلانات والبرامج الدعائية الموجهة هي السلاح الأقوى في عملية التحكم بتوجهات الناس وميولهم، بل والتحكّم في أذواقهم وجيوبهم وأصواتهم.

وبناء على ذلك، نرى أن خطر صعود التيارات العنصرية المتشددة، وتسلّطها على الحياة السياسية في العديد من البلدان الأوروبية هو خطر حقيقي قائم، بل هو واقع ملموس في العديد من الدول، يتشخص في الكتل البرلمانية، والمشاركة الفاعلة في بناء الحكومات.

ومن الملاحظ أن هذه التيارات تبني استراتيجياتها على جملة ركائز منها التلويح بورقة خطورة الحركات والجماعات الإسلاموية المسلحة بصورة عامة، والعمليات الإرهابية التي تبنتها تلك الجماعات التي طالت دولاً أوروبية عدة. هذا إلى جانب أوراق تزايد أعداد المهاجرين، وارتفاع معدل الجريمة، وتراجع الخدمات الصحية، وانخفاض مستويات التعليم، والصعوبات التي يواجهها المتقاعدون، بالإضافة إلى البطالة والمشكلات التي تتفرع عنها.

ورغم وجود قوى سياسية ومجتمعية كثيرة، تعمل بجد وعقلانية، وشجاعة وصبر، وفاعلية من أجل مواجهة الطروحات والممارسات العنصرية؛ فإن الخشية من تزايد شعبية العنصريين والمتشددين من اليمين المتطرف هي خشية مشروعة واقعية، لا سيما في ظل تصاعد النزعة الشعبوية في حملة من الأحزاب التي لا تمانع في الانفتاح على الحركات الانعزالية العنصرية، والتعاون معها، طالما أن ذلك يضمن لهم الوصول إلى البرلمان والحكم. وما يعزز مواقع اليمين المتطرف المتشدد، والجماعات الإسلاموية المسلحة هو توجه بعض القوى الشعبوية ضمن الجاليات الإسلامية نحو تشكيل أحزاب إسلامية “ديمقراطية” على غرار الأحزاب الديمقراطية المسيحية الموجودة في معظم الدول الأوروبية. ومع أن هؤلاء يؤكدون أن مشروعهم لا يرمي إلى بناء حزب إسلامي ديني، وانما تكون الثقافة والقيم الإسلامية هي صيغة من صيغ التعبير عن هوية المنضوين تحت لواء هذا الحزب، أو هذه الأحزاب.

ولكن هذا الأمر يثير الكثير من الجدل بين الجاليات الإسلامية من جهة، وبين القوى السياسية في المجتمعات الأوروبية حيث تعيش تلك الجاليات من جهة أخرى.

فالأحزاب الديمقراطية المسيحية في المجتمعات الأوروبية تعبر عن خصوصية مجتمعاتها؛ إذ أن كل حزب منها يتناول قضايا مجتمعه، وينشغل بها. ولا خطر في الأفق المنظور من تحوّلها إلى أحزاب دينية متطرفة، طالما أنها ملتزمة بالنظام العلماني القائم، هذا النظام الذي منه تستمد شرعية وجودها، وتتحرك وفق دستوره وقوانينه.

أما الجاليات الإسلامية في كل بلد أوروبي، فهي تضم مذاهب وتيارات وتوجهات متباينة إلى حد التناقض من جميع الدول الإسلامية. كما أنها لا تشترك قطعاً في الهواجس والأولويات. وهناك عدد كبير من أعضائها قد انخرطوا أصلاً في الأحزاب الأوروبية على اختلاف أسمائها وتوجهاتها.

هذا في حين أن الغالبية المرشحة لأن تكون القاعدة والحاضنة الشعبية لمثل هذا الحزب، أو الأحزاب، لا تعترف أصلاً بالنظام العلماني، ولا تقره، بل تعتبره كفراً وإلحاداً وضلالاً، وهذا مؤداه المزيد من المشكلات لأبناء وبنات الجاليات الإسلامية.

كما أن هذا الموضوع سيكون مادة خصبة للآلة الدعائية التابعة لأحزاب اليمين المتطرف. بل إن أمراً من هذا القبيل سيدفع ببعض القوى الأخرى المحسوبة على الاتجاهات الليبرالية المعتدلة، وحتى الاشتراكية نحو التشدد والحذر، خاصة في أجواء تنامي الروحية الشعبوية التي باتت نتائج الانتخابات هي الهدف الأساس بالنسبة إليها من دون أي التزام بأية مبادئ أخلاقية، أو إنسانية عامة.

استناداً إلى ما تقدّم، نرى أن اندماج المهاجرين مع سائر المواطنين الآخرين ضمن القوى السياسية الموجودة، والمطالبة بالعدل والمساواة والحقوق للجميع من دون أي تمييز ديني أو قومي أو عرقي أو جنسي أو فكري؛ هما من أساسيات السعي الجاد لضمان مستقبل أفضل للأبناء والأحفاد، بل وأحفاد الأحفاد.

*كاتب وأكاديمي سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية