«برلين ــ ميدان الاسكندر» لالفرد دوبلن: هذيان حر لا قدرة لأحد على إيقافه

حجم الخط
2

رغم التعريب السيء الذي قام به محمد جديد لرواية برلين، ميدان الاسكندر. لالفرد دوبلن والصادرة لدى دار المدى حيث غلب عليها طابع التعريب الحرفي وكأننا أمام ما يعرف بالترجمة الفورية. أو الترجمة عبر الانترنت، ناهيك عن الاخطاء الإملائية والطباعية والصياغة الرديئة التي تضيع المعنى ومقاصد المؤلف. إضافة لغياب الهوامش الضرورية للايضاح والتعريف باسماء علم وأحداث بعينها كان لها تاثير كبير في تلك الحقبة والتي يأتي على ذكرها المؤلف. خصوصا وانها تأتي ضمن النص مباشرة وتشكل جزءا اساسيا منه لا يمكن الاستغناء عنه.
رغم هذه العيوب الفادحة، الآنفة الذكر، والتي تمنع القارئ من استيعاب طبيعة أحداث بعينها يلفها الغموض، إضافة لتعذر الاستمتاع بقراءة الرواية إلا ان ذلك لا يمنعنا من التكهن اننا أمام رواية من الطراز الرفيع عبر بذل بعض الجهد وأعمال المخيلة قليلا لتجاوز العقبات والعيوب التي وضعتها الترجمة هذه.
نحن أمام رواية توحي مقاطعها وأحداثها اننا أمام هذيان حر لا قدرة لأحد على إيقافه، واننا أمام حياة باللونين الأسود والأبيض. فكل ما فيها قاتم وكأنك تعيش كابوسا لا نهاية له. ذلك انها تتحدث عن حياة المهمشين والباعة الجوالين والمياومين، أو الذين يعملون بشكل متقطع، اضافة للصوص والمجرمين والمومسات وعلاقاتهم، اضافة لحياة مدينة برلين الاجتماعية والسياسية والعمرانية في نهايات العقد الثالث من حياة المدينة، غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى التي لا يتم ذكرها إلا بشكل عرضي كشبح يلقي بظلاله على الحياة في المدينة.
كل ذلك يجري من خلال استعراض حياة بطل الرواية الخارج من السجن للتو محاولا استعادة الإمساك بزمام حياته بعيدا عن تاريخه السابق والبدء من جديد حياة عنوانها الاستقامة بعد ان أقسم اليمين على هذا الشيء.
تمتاز شخصية البطل بالبساطة ومحاولة إصلاح الغير وسرعة الوثوق بالأشخاص رغم انهم من أوساط سيئة السمعة يعمل في مهن شريفة ويقاوم محاولات عديدة رغم ظروف العيش القاهرة لإدخاله مجددا في عالم النصب والاحتيال.
تجري هذه الأحداث بأسلوب من التقطيع المتعمد والمتداخل بين الأحداث دون تسلسل أو مقدمات حيث يتم الانتقال من موضوع البطل الخاص للحديث في الشأن العام أو عن السلع الدارجة أو عن السياسة أو عن فساد الدولة ورجال الشرطة والسياسة وسياسة الكذب والخداع التي يتعرض لها الشعب الالماني، إضافة للصراع بين الأحزاب المتصارعة في وصف لحالة من الغليان والتأريخ لحقبة تعيشها المانيا.
برلين لا تنصف البطل البسيط والغافل فتمتحنه مرات عديدة وتكاد توقعه في التهلكة، دون ان يتنبه للأمر أو يعيد رسم حياته من جديد أو الانتباه، لكنه يكتفي بالانسحاب لفترة منها والعودة إليها من جديد إنما كل مرة بخسارة أشد وأقوى إلى ان يجري الايقاع به، وهو غافل فيخسر يده اليمنى ويخسر صديقته دون ان يبدي مقاومة ما، دون ان يغير في سلوكه إلى ان تحطمه المدينة تحطيما كاملا فلا يعود يقوى على الحركة ودون ان يحاول طرح الاسئلة على نفسه فترسله إلى مصحة الأمراض النفسية والعصبية، فيرقد دون حراك رافضا الحياة والتجاوب مع مساعي إنقاذه في إشارة واضحة إلى المدن بصفتها الأم الشرعية لهكذا أمراض.
نستنتج ان المدينة لا يوافقها أشخاص مثل بطل الرواية غافلين لا حول ولا قوة لديهم ولا قدرة لديهم على المقاومة والتمييز. فمن شروط العيش في المدن المعرفة والتمتع بقليل من سوء النية والنفاق والكذب والتحايل على الأمور وشؤون الحياة.
لا تنجلي الأمور لبطل الرواية إلا وهو على سرير الموت حين يجيء إليه مخاطبا إياه معنفا في صفحات ممتدة طويلة، ممتعة تشبه الولادة وانتهاء الكابوس، وكأن الكاتب يحررنا قبل ان يحرر بطله، فتنقشع الغيمة السوداء وتذهب بالغشاوة عن عيون بطلنا ليبدأ حياته من جديد بعيدا عن الصخب والصدمات، لتسير ببطء كمن خرج من نفق مظلم، وكأنه يكتشف العالم من حوله لاول مرة، وكأنه يعيش في المدينة للمرة الأولى، بعيدا عن الماضي ومآسيه، كأنه ماض لم يكن أو انطوى إلى غير رجعة، أو كأنها تجربة تشبه المعمودية ليستحق شرف الانتماء إلى المدينة.

كاتب لبناني

عادل نصار

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية