بدأ الفلسطينيون تحركا دوليا وعربيا وداخليا لمواجهة خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتداعياتها التي توصف بأنها “الأخطر” على القضية الفلسطينية، وسط تقديرات بأن الدعم الأمريكي غير المسبوق لإسرائيل، وضعف الدول العربية وتناغم بعضها مع قادة البيت الأبيض، يوفر فرصة تاريخية لإسرائيل للقيام بضم أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وشمل التحرك الفلسطيني الدعوة لعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، أمس في مقر الجامعة العربية، والمشاركة في قمة التعاون الإسلامي والقمة الافريقية، وتقديم مشاريع قرارات ضد الخطة.
ويشمل أيضا تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يطالب الإدارة الأمريكية بالتراجع عن خطتها التي تقوم على التنازل عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لإسرائيل، وفي مقدمتها القدس وأجزاء واسعة من الضفة الغربية، واللاجئين والمياه وغيرها.
وقرر مجلس جامعة الدول العربية، في ختام اجتماعه، أمس، رفض مشروع “صفقة القرن” الأمريكية-الإسرائيلية وعدم التعاطي معها وعدم التعاون مع الإدارة الأمريكية في تنفيذها لأنها “مجحفة” و “تخالف” مرجعيات عملية السلام و “لا تلبي الحد الأدنى” من حقوق الشعب الفلسطيني.
وجاء في قرارات المجلس “أن مبادرة السلام العربية، وكما أقرت بنصوصها عام 2002 هي الحد الأدنى المقبول عربيا لتحقيق السلام من خلال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكامل الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948 والتأكيد على ان إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال لن تحظى بالتطبيع مع الدول العربية ما لم تقبل وتنفذ مبادرة السلام العربية”.
وجاء في البيان الصادر عن الاجتماع الذي عقد برئاسة جمهورية العراق، وحضور الرئيس محمود عباس، والأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط أنه قرر رفض الخطة وذلك “بعد اطلاعه على مذكرة الأمانة العامة، وبعد الاستماع لكلمة فخامة الرئيس محمود عباس، ومداخلات السادة الوزراء ورؤساء الوفود والسيد الأمين العام” ووصف القرار الخطة بأنها “لا تعد خطة مناسبة لتحقيق السلام العادل والدائم، بل انتكاسة جديدة في جهود السلام الممتدة على مدار ثلاثة عقود”.
وجاء في البيان “أن هذه الصفقة توجت القرارات الأمريكية الأحادية المجحفة والمخالفة للقانون الدولي بشأن القدس والجولان والاستيطان الاستعماري الإسرائيلي وقضية اللاجئين والأونروا، ولن يكتب لها النجاح باعتبارها مخالفة للمرجعيات الدولية لعملية السلام ولا تلبي الحد الأدنى من تطلعات وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط 4 من حزيران/يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وحق العودة على أساس قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948”.
مركزية القضية الفلسطينية
وأكد مجلس الجامعة العربية على جميع قراراته المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي على مستوى القمة والوزاري خاصة القمتين الأخيرتين قمة القدس التي عقدت في الظهران في المملكة العربية السعودية 2018 وقمة تونس 2019.
وأكد المجلس مجددا على مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للأمة العربية جمعاء وعلى الهوية العربية للقدس الشرقية المحتلة، عاصمتها دولة فلسطين وعلى حق دولة فلسطين بالسيادة على كافة أراضيها المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ومجالها الجوي والبحري ومياهها الإقليمية ومواردها الطبيعية وحدودها مع دول الجوار.
وجاء في القرار أن المجلس يؤكد على رفضه “صفقة القرن” الأمريكية– الإسرائيلية، باعتبار أنها لا تلبي الحد الأدنى من حقوق وطموحات الشعب الفلسطيني، وتخالف مرجعيات السلام المستندة إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ودعوة الإدارة الأمريكية إلى الالتزام بالمرجعيات الدولية لعمل السلام العادل والدائم والشامل”.
وجاء فيه أيضا أن المجلس يؤكد على عدم التعاطي مع هذه الصفقة المجحفة، أو التعاون مع الإدارة الأمريكية في تنفيذها، بأي شكل من الأشكال.
وأكد كذلك على التمسك بالسلام كخيار استراتيجي لحل الصراع، وعلى ضرورة أن يكون أساس عملية السلام هو حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية والمرجعيات الدولية المعتمدة، والسبيل إلى ذلك من خلال مفاوضات جادة في إطار دولي متعدد الأطراف، ليتحقق السلام الشامل الذي يجسد استقلال وسيادة دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لتعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل.
وأكد أيضا على العمل مع القوى الدولية المؤثرة والمحبة للسلام العادل لاتخاذ الإجراءات المناسبة إزاء أي خطة من شأنها أن تجحف بحقوق الشعب الفلسطيني ومرجعيات عملية السلام، بما في ذلك التوجه إلى مجلس الأمن والجمعية العام للأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات الدولية.
وحذر المجلس من قيام إسرائيل بتنفيذ بنود الصفقة بالقوة متجاهلة قرارات الشرعية الدولية، وتحميل الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه السياسة، ودعوة المجتمع الدولي إلى التصدي لأي إجراءات تقوم بها حكومة الاحتلال على أرض الواقع.
وأعاد مجلس الجامعة العربية التأكيد على “الدعم الكامل لنضال الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس رئيس دولة فلسطين، في مواجهة هذه الصفقة وأي صفقة تقوض حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف وتهدف لفرض وقائع مخالفة للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية”.
قطع العلاقات مع إسرائيل
والقى الرئيس محمود عباس كلمة في الاجتماع أعلن فيها انه قرر وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل ردا على مشروع “صفقة القرن”.
وقال إنه جرى إبلاغ الجانبين الإسرائيلي والأمريكي في رسالتين، عقب الإعلان عن “الصفقة” بقطع العلاقات مع إسرائيل بما في ذلك العلاقات الأمنية، لقيامها بنقض الاتفاقات الدولية بما في ذلك التي قامت على أساسها، وبأن خطة القرن ستكون لها تداعيات على الجانبين وعلى الإقليم كله، وان عليهم أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة كقوة احتلال.
وقال عباس أنه سيشارك في قمة التعاون الإسلامي ثم القمة الافريقية، ثم سيتوجه إلى مجلس الأمن، إلى جانب العديد من المنظمات الدولية وغيرها لإفشال “صفقة القرن” مؤكدًا أنه لن يقبل أن يسجل في تاريخه أنه تنازل عن مدينة القدس المحتلة، حتى لو اضطر لحل السلطة الفلسطينية.
وكشف أنه رفض استلام خطة “صفقة القرن” من الرئيس الأمريكي، كما رفض الحديث معه هاتفيا أو استلام أي رسائل منه.
وقال عباس: “بمجرد أن قالوا إن القدس تُضم لإسرائيل لم أقبل بهذا الحل إطلاقا، ولن أسجل على تاريخي ووطني أني بعت القدس أو تنازلت عنها، فالقدس ليست لي وحدي إنما لنا جميعا”.
وأضاف: “اعترفنا بإسرائيل منذ عام 1988 بالمقابل اعترف (رئيس الوزراء اسحق) رابين بأن منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لكن الأمريكان لم يعترفوا بوجود الشعب الفلسطيني خلال المفاوضات طيلة سنوات”.
ومضى يقول: “سبق أن قبلنا بإقامة دولة فلسطينية على 22 في المئة من فلسطين التاريخية والآن يطالبون بـ30 في المئة من هذه المساحة المتبقية”.
وقال عباس إنه التقى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، 4 مرات، وأن الوفد الأمريكي زار الأراضي الفلسطينية 37 مرة، إلا أن جميع هذه اللقاءات “لم تثمر عن شيء”.
وتابع: “لدي اعتقاد تام بأن ترامب بارك صفقة القرن بدون أن يعرف عنها شيئا”، مشيرًا إلى أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي هو الذي عمل على إعداد الصفقة، ووصفه “بجوز البنت” بالإضافة للسفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان ومبعوث ترامب السابق، جيسون غرينبلات.
ولفت عباس إلى أن السلطة الفلسطينية أبلغت إسرائيل بأن عليها أن تتحمل مسؤولياتها بصفتها سلطة احتلال، وتابع: “وجهنا رسالة لإسرائيل وأمريكا أبلغناهم فيها بقطع العلاقات معهما، بما فيها العلاقات الأمنية”.
وأشار إلى أن السلطة كانت شريكة في محاربة ما سماه “الإرهاب العالمي”. وقال إن تنظيم “الدولة الإسلامية” ليس فيه أي فلسطيني حسب التقارير الدولية، سوى 3 فلسطينيين يحملون المواطنة الإسرائيلية.
وكشف إن السلطة الفلسطينية وفرت، في سياق تعاونها الأمني مع أمريكا وإسرائيل، معلومات أمنية “لم يكن لأحد القدرة على توفيرها”.
وقال: “ما زلنا نؤمن بالسلام، ونريد أن يتم إنشاء آلية دولية متعددة الأطراف، لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية” مشددا على أنه لا مكان لهذه الصفقة على الطاولة بكل بنودها. وأضاف: “لسنا عدميين ونبحث عن حل عادل لقضيتنا على أساس الشرعية الدولية، لكن لن نقبل أبدًا أن تكون أمريكا وحدها وسيطا لعملية السلام”.
وأضاف: “لا نطلب المستحيل من أحد، ولا نريد أن يقف أحد ضد أمريكا، نريد فقط تأييد موقفنا، أي القبول بما نقبله ورفض ما نرفضه”.
وفي كلمته في الاجتماع، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط الحاجة إلى بلورة موقف عربيّ جماعي من الطرح الأمريكي للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
وقال: “ان اجتماعنا الطارئ اليوم باعثه الحاجة إلى بلورة موقف عربيّ جماعي من الطرح الأمريكي للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين كما أعلن عنه ترامب، بحضور ومشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي، في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي”.
وأضاف: “إن قضية على هذه الدرجة من الخطورة والأهمية للعالم العربي تقتضي أن يكون موقفنا الجماعي على ذات المستوى من الجدية والشعور بالمسؤولية. ففلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولم تكن كذلك في أي وقت، ولن تكون. هي قضية عربية تهم العرب جميعاً وتجمع شملهم من المحيط إلى الخليج. واجتماعنا اليوم هو، في معناه ورسالته، وقفة تضامن مع الفلسطينيين شعباً وقيادة”.
وأشار أبو الغيط إلى: “أن العرب يأخذون كل مقترح للسلام، من أي طرفٍ كان بالجدية الكاملة وبروح المسؤولية، لأن إنهاء الصراع مع إسرائيل هو مصلحة فلسطينية وعربية مؤكدة”.
وأضاف: “أن السياق الذي طُرحت فيه الخطة الأمريكية، وتوقيت طرحها يُثير علامات استفهام في أقل تقدير، لكي لا نقول الريبة والتشكك، وكنا نتوقع ونتمنى ألا تخرج تسوية تاريخية على هذا القدر من الخطورة والأهمية، على حد قول الرئيس الأمريكي، بالصورة التي خرجت بها، وكأنها محصلة تفاوض بين الوسيط وأحد طرفي النزاع، بل وكأنها منحة من الوسيط إلى هذا الطرف بالتحديد. لقد كان في طرح الخطة على هذا النحو رسالة سلبية للرأي العام أثرت على استقباله للخطة ومضمونها”.
ومضى يقول: “إنني وإن كنت لا أرغب في أن أناقش تفاصيل الخطة الأمريكية، إلا أنني أكتفي فقط بالقول إننا كعرب لسنا متشنجين أو من أنصار المواقف العنترية. نحن لا نزايد أو نتاجر بقضايانا مثل آخرين، بل ندرس بعمقٍ وتأنٍ كامل ما يُطرح علينا، واضعين نصب أعيننا مستقبل أبنائنا وحكم التاريخ علينا”.
واختتم بالقول: “هناك ما يُشير للأسف إلى أن الطرف الإسرائيلي يفهم الخطة الأمريكية بمعنى الهبة أو العطية التي يتعين اغتنامها والاستحواذ عليها، وهناك ما يؤكد أن اليمين الإسرائيلي يعتبر الطرح الأمريكي ضوءا أخضر للمُضي في خطة طالما تبناها وحلم بتنفيذها، وهي ضم المستوطنات كلها وغور الأردن بأكمله”.
ولا يخفي الفلسطينيون خشيتهم من قيام إسرائيل باستخدام الغطاء الأمريكي للقيام بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية تشمل المستوطنات ومنطقة شمال البحر الميت والأغوار، ويسعون للحصول على جبهة دولية وعربية لمعارضة أي إجراء إسرائيلي في هذا الاتجاه.
وتعد السلطة الفلسطينية للقيام بخطوات داخلية أيضا في مواجهة الخطة الأمريكية منها توجه وفد من حركة “فتح” إلى قطاع غزة مطلع هذا الأسبوع لإجراء حوار مع حركة “حماس”.
لكن الكثير من المراقبين يقللون من تأثير هذه التحركات، ولا يتوقعون حدوث اختراق في الحوار بين “فتح” و”حماس” نظرا لشدة الصراع على السلطة بين الحركتين ووجود تناقض حاد في المصالح الحزبية والشخصية.
ويذهب كثير من التقديرات إلى أن المعادلة الدولية والعربية والوضع الداخلي الفلسطيني يشكل فرصة ذهبية لإسرائيل للقيام بخطوات استراتيجية في هذه المرحلة مثل ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، مستغلة وجود دعم غير مسبوق تاريخيا من قبل الإدارة الأمريكية، إلى جانب الضعف العربي، وضعف دور قوى دولية أخرى مثل الاتحاد الأوروبي.