الناصرة-“القدس العربي”: تتواصل الاحتجاجات العربية والفلسطينية على “صفقة القرن” وسط تفاوت في قوة كل منها، فيما شرع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتحركات دبلوماسية للتصدي لها وتوضيح مخاطرها على الشعب الفلسطيني وعلى السلام، وبالتزامن تبدي أوساط في إسرائيل عن إحباطها من مبادرة الإدارة الأمريكية لـ “رش الماء البارد على حالة الحماس والابتهاج الكبيرين في إسرائيل منذ الكشف عنها قبل أيام”. وكان من المفترض أن تصادق حكومة الاحتلال اليوم الأحد على “صفقة القرن” وعلى ضم المستوطنات للسيادة الإسرائيلية لكنها عدلت عن رأيها بعدما سارعت الولايات المتحدة لفرملتها ورش الماء البارد على حالة الحماس التي شهدتها إسرائيل بعد الاحتفالية التلفزيونية في البيت الأبيض مساء الثلاثاء الماضي. وكان جارد كوشنير صهر ومستشار الرئيس الأمريكي، قد سارع غداة الكشف عن “صفقة القرن” بالقول في تصريحات لموقع إخباري أمريكي، إنه لا علم له بنية حكومة الاحتلال المصادقة على ضم المستوطنات في جلسة الحكومة المحددة لليوم الأحد، موضحا أن البيت الأبيض يعارض ذلك الآن. وسبقه بذلك موفد الرئيس للشرق الأوسط جيسون غرينبلات الذي قال إنه ينبغي انتظار نتائج الانتخابات للكنيست في مطلع الشهر المقبل وإنه حتى ذلك لن يكون تقدم في “صفقة القرن” نظرا لوجود عمل كثير بانتظار إسرائيل. وتتناقض هذه التصريحات مع ما صدر من تصريحات السفير فريدمان الذي قال إن إسرائيل تملك ضوءا أخضر للبدء في إجراءات الضم فورا.
الدافع الحقيقي
رسميا قال مقربون من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إن أسبابا تقنية حالت دون التئام الحكومة اليوم للمصادقة على إحالة القانون الإسرائيلي على المستوطنات بعدما سبق وأعلن نتنياهو أنه سيفعل ذلك في الجلسة الأولى لحكومته فور عودته من واشنطن، وبعدما قال السفير الأمريكي في القدس المحتلة ديفد فريدمان فور إطلاق “صفقة القرن” إن في مقدور إسرائيل القيام بضم المستوطنات والأغوار متى شاءت. بيد أن الدافع الحقيقي لإرجاء المصادقة بل إرجاء حتى جلسة الحكومة الأسبوعية لأجل غير مسمى يرتبط بتغيير مفاجئ في موقف البيت الأبيض الذي يعارض خطوات الضم قبل الانتخابات العامة في إسرائيل في الثاني من آذار/مارس المقبل وقبل تشكيل حكومة دائمة. ويرجح مراقبون إسرائيليون أن الولايات المتحدة تخشى أن تؤدي إحالة القانون الإسرائيلي الآن على المستوطنات لموقف أوروبي وعربي معارض بشدة لـ “صفقة القرن” وهذا ما يحاول الرئيس الفلسطيني محمود عباس الدفع له من خلال جولة زيارات جديدة استهلها الجمعة الماضية في القاهرة للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية العرب ولقاء مسؤولين مصريين. من جهته وإزاء حالة الإحباط والتذمر التي تسود أوساط مؤيدي نتنياهو عقب التصريحات الأمريكية المعارضة للضم الفوري، يسعى نتنياهو لاسترضائهم من خلال السعي مجددا لدى صديقه الحميم دونالد ترامب طالبا ضوءا أخضر للبدء في خطوات أولية أو مصادقة تمهيدية لأي نوع من الضم قبيل انتخابات الكنيست بعد شهر. وأوضح نتنياهو أن تصريحاته السابقة حول ضم فوري لم تنبع من رغبة بالتغرير بالإدارة الأمريكية بل من “سوء فهم” وأن هناك خطوات مستقبلية قريبة منسقة مع واشنطن بالكامل. وتعتقد أوساط سياسية وإعلامية واسعة في إسرائيل أن “صفقة القرن” أعدت بالأساس كصفقة انتخابية بين نتنياهو وترامب اللذين رغبا في أن تساهم هذه في تعزيز قوتيهما إزاء محنة داخلية يواجهها كل منها. يبدو أن “صفقة القرن” وبالذات بعد الانتكاسة الأولى في تطبيقها، قد تفيد ترامب انتخابيا لكنها لن تسعف نتنياهو المتهم الآن بلوائح اتهام خطيرة بالفساد وهناك من يعتقد أن مصيره قد حسم حتى لو قسمت له واشنطن بضم القمر ونجوم السماء كما قالت صحيفة “هآرتس” أمس.
مكانك عد!
وهذا ما تظهره استطلاعات رأي جديدة قالت أمس إنه لو جرت الانتخابات الثالثة للكنيست غداة إطلاق “صفقة القرن” لما نتج عنها تغيير يذكر مقارنة بنتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، ما يعني أن هدايا وعطايا البيت الأبيض لن تسعف نتنياهو انتخابيا هذه المرة أيضا مثلما لم تسعفه نقل السفارة للقدس المحتلة والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل في جولتي الانتخابات السابقة. ويوضح آخر هذه الاستطلاعات الذي نشرته صحيفة “معاريف” أنه لو جرت الانتخابات هذا الأسبوع، لحصلت كتلة أحزاب اليمين والمتدينين، بزعامة نتنياهو، على مقعد واحد إضافي فقط، مقارنة بنتائج الانتخابات السابقة، في أيلول/سبتمبر الماضي، وتراجع المعسكر الخصم-المؤلف من كتلة “أزرق-أبيض” برئاسة بيني غانتس. بيد أن أغلبية الإسرائيليين تؤيد طبقا للاستطلاع المذكور “صفقة القرن” ويقول 40 في المئة إنها جيدة لإسرائيل، واعتبر 27 في المئة أنها جيدة للإسرائيليين والفلسطينيين. وقال 16 في المئة إنها سيئة لإسرائيل، بينما أكد 14 في المئة على أنها سيئة للفلسطينيين، وادعى 3 في المئة أنها جيدة للفلسطينيين. وهذا التأييد للصفقة ربما ينبع من تأييد القطبين السياسيين المتنافسين لصفقة القرن، رغم وجود تسريبات تفيد بأن كتلة “أزرق-أبيض” تعارض الضم لاعتباره خطوة أحادية لكن قادتها يفضلون السكوت تارة أو التظاهر بالتأييد تارة أخرى لاعتبارات انتخابية. يشار أنه مقابل حالة الابتهاج التي سادت أوساطا واسعة حيال السخاء الأمريكي المطلق في دعم إسرائيل كما تجلى في احتفالية الكشف عن “صفقة القرن” يحذر مسؤولون إسرائيليون سابقون ومراقبون من خطورة “صفقة القرن” على إسرائيل أو التقليل من أهميتها وقيمتها الفعلية على الأرض. وتوافق رئيسا الحكومة الاسبقان إيهود أولمرت وإيهود براك على أن “صفقة القرن” من شأنها أن تؤدي لتحويل إسرائيل لدولة ثنائية القومية ليست يهودية وغير ديمقراطية في حال اختلط الحابل بالنابل بين البحر والنهر نتيجة لها وبفعل نسفها احتمالات تسوية الدولتين وتكريس حالة النزاع الدموي. وأكد على ذلك رئيس دائرة التخطيط في الاستخبارات العسكرية الجنرال بالاحتياط عاموس غلعاد الذي حذر أيضا من احتمال زعزعة العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل والأردن، العمق الاستراتيجي للأولى من الجهة الشرقية منبها أن “صفقة القرن” لا تغير الكثير من واقع الحال على الأرض.
عباس في القاهرة
فلسطينيا جدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفضه أي مفاوضات أو تفاهمات مع الإسرائيليين من دون التسليم بأن القدس هي عاصمة دولة فلسطين المستقبلية، فيما عبّر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن ثقته أن “الأمة العربية وشعب فلسطين سينجحون بالرد على هذه الخطة” التي وصفها بـ”طلب استسلام”. جاء ذلك خلال استقبال أبو الغيط للرئيس الفلسطيني في العاصمة المصرية، القاهرة، عشية اجتماع وزاري بالجامعة العربية لمناقشة “صفقة القرن”. وطالب عباس، العالم العربي بالوقوف إلى جانب الموقف الفلسطيني المُشدد على أنه لا سلام ولا خطة ولا تفاهم ولا تفاوض، بدون القدس، حسبما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية.
تهديدات حل السلطة
كما قال وزير هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية حسين الشيخ إن “السلطة الفلسطينية في حل من الاتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي المترتبة على اتفاق أوسلو” وأضاف في مقابلة مع فضائية “الجزيرة”: “تم إبلاغ إسرائيل أن السلطة الفلسطينية لم تعد ملتزمة بالاتفاقيات الثنائية”. وتابع “نحن نمد أيدينا لكل الفصائل الفلسطينية لتوحيد الموقف ومواجهة الخطة الأمريكية”. في المقابل يستبعد مراقبون فلسطينيون أن تبادر السلطة الفلسطينية لتطبيق تهديداتها هذه على الأرض استنادا لتجارب سابقة في هذا المضمار ونظرا لانحيازها للمساعي الدبلوماسية والخطوات السلمية في مواجهة الاحتلال.
التبادل التجاري
على الأرض، أكد وزير الزراعة الفلسطيني رياض عطاري يوم الجمعة، أنه لا معلومات رسمية حول وقف إسرائيل استيراد المنتجات الزراعية من مناطق السلطة بدءا من اليوم الأحد. جاء ذلك في تصريحات أدلى بها عطاري، عقب ساعات من إصدار وزير الأمن الإسرائيلي، نفتالي بينيت، قرارا بوقف استيراد المنتجات الزراعية من الجانب الفلسطيني. وذكرت الإذاعة العامة الإسرائيلية الرسمية، أن السلطة الفلسطينية أبلغت إسرائيل بأنها ستتوقف عن استيراد البضائع الإسرائيلية، ردا على قرار بينيت. وأضاف عطاري أن “حجم الاستيراد الزراعي من دولة الاحتلال يصل إلى مليار و200 مليون دولار، بينما التصدير الزراعي الفلسطيني لها يبلغ نحو 300 مليون دولار”. وفي وقت سابق الجمعة، قالت الإذاعة الإسرائيلية إن قرار بينيت يأتي في ظل فشل المساعي لحل أزمة البقر مع الجانب الفلسطيني، التي مست إلى حد كبير بمربي الأبقار في إسرائيل. وكانت السلطة الفلسطينية، قررت قبل عدة أشهر وقف استيراد الأبقار من إسرائيل، أو عبر تجار إسرائيليين، ضمن خططها للانفكاك الاقتصادي والتجاري عنها في العديد من القطاعات.