لندن-“القدس العربي”: من المعروف أن من المصاعب الأساسية التي تعيق قدرة العلماء على تشخيص وعلاج الفيروسات هو قدرتها الهائلة على التحول والتطور بسرعة فائقة. وتمكن علماء من جامعتي نيويورك وبنسلفانيا، حسب دراسة نشرت في دورية “بي ان أي اس” من تطوير جهاز صغير محمول باليد يدعى “الفيرون” يكشف الفيروسات خلال دقائق وبتكلفة قليلة عبر “استخدام إحدى تقنيات المطياف الذري، مع جزيئات نانوية لالتقاط الفيروسات من العينات الطبية مباشرة” حسب مجلة “للعلم” الأمريكية.
وتشير المجلة إلى أنه “تُعد الفيروسات أكثر الكيانات وجودًا على وجه الأرض، وهي المسؤولة عن العديد من الأوبئة المعروفة مثل إنفلونزا الطيور والإيبولا وزيكا”. كما يُفيد “مشروع الفيروم العالمي” أن “عدد الفيروسات غير المعروفة التي تصيب الحيوانات والطيور ومن الممكن أن تنتقل إلى الإنسان يقدر بـ1.67 مليون فيروس”. وتقول منظمة الصحة العالمية إن “الكشف المبكر عن الفيروسات يساعد على اتخاذ التدابير المضادة بشكل سريع للحد من انتشارها”.
وتُعد الآليات المعتادة للكشف عن الفيروسات غير عملية، خاصة “في الحالات الحرجة أو التي تتطلب تشخيصًا سريعًا” ما دفع العلماء إلى البحث عن آليات أسرع وأكثر فاعليةً، وفي النهاية توصلوا، حسب المجلة، إلى أن “تحليل رامان الاهتزازي الطيفي” يُعد وسيلةً مثالية، إذ يُستخدم في “تحديد التركيب الكيميائي للمواد عن طريق تسليط شعاع من الليزر عليها، وتحليل الطيف الضوئي الاهتزازي الناتج عنها”.
ويتكون الفيرون من “أنابيب نانوية كربونية متدرجة في الحجم ومتراصة بشكل رأسي لتشبه الغابات” وحولها جزيئات نانوية من عنصر الذهب. و”يساعد هذا التركيب على التقاط الفيروسات من العينات وزيادة تركيزها قبل تعريضها لأشعة الليزر” حسبما ذكرت المجلة.
وقال ماوريسيو تيرونيس، أستاذ الفيزياء والكيمياء وعلوم المواد والهندسة في جامعة بنسلفانيا، والمشارك في الدراسة، خلال حديث مع لـ”للعلم”: “إن استخدام جزيئات الذهب النانوية أدى إلى تحسين أطياف الرامان عن طريق تقنية تُعرف بـ(SER) أو مطيافية رامان ذات السطح المحسَّن، مما أدى إلى الحصول على طيف مميز يمكن أن ننسبه إلى أحد الفيروسات”.
وأضاف أن “الليزر يتفاعل مع الفيروسات وجزيئات الذهب، ما يؤدي إلى إثارة الذرات الموجودة على سطح بروتينات الفيروس، وكل ذرة ستتفاعل مع الذرات المحيطة بها، منتجةً ترددات واهتزازات مميزة لمختلِف الفيروسات مثل بصمة الإصبع، يمكن قياسها وتحليلها”.
ويتضمن جهاز الفيرون خوارزمية تعلم الآلة كيفية جمع النتائج لإنشاء قاعدة بيانات “يمكن استخدامها فيما بعد لتعريف الفيروسات المجهولة في بضعة ملليمترات من العينات المختلفة”.
وقد يعود الجهاز بفوائد اقتصادية واستخدامات كثيرة، فعلى سبيل المثال “سيساعد الجهاز المزارعين في الكشف المبكر عن وجود الفيروسات التي تصيب النباتات حتى يتمكنوا من إنقاذ المحاصيل. وكذلك الكشف المبكر عن الفيروسات في الماشية، مما يساعد في إنقاذ باقي القطيع”.
وقال يين تينغ (تيم) يه، أستاذ الفيزياء ومساعد باحث في جامعة بنسلفانيا، والباحث الرئيسي في الدراسة، في تصريحات لـ”للعلم”: “نعمل حاليًّا على بناء قاعدة بيانات تشمل جميع الأنواع والسلالات المختلفة من الفيروسات، ونسعى إلى تسويق جهاز الفيرون وجذب المستثمرين لتحويله إلى منتج تجاري. ومن الممكن أن يكون الجهاز متاحًا للعمل به في العيادات بدءًا من العام المقبل، وفق توقعاتنا”.