باريس ـ “القدس العربي”: بعد 34 سنة على صدورها في طبعة أولى ورقية، صدرت مؤخراً طبعة إلكترونية من الترجمة الإنكليزية لمختارات الشاعر التشيكي ياروسلاف سيفيرت (1901ـ 1986)، أوّل أديب من تشيكوسلوفاكيا يحصل على جائزة نوبل للأدب، في سنة 1984. وليس إصدار هذه النسخة سوى الدليل على استمرار شعبية هذا الشاعر، ليس في بلده فقط ولكن على نطاق انتشار اللغة الإنكليزية. وكانت الأكاديمية السويدية قد اعتبرت أنّ شعر سيفيرت “يتحلى بالعذوبة، والحسّية، وثراء الابتكار”، وخصّت بالذكر قدرة ذلك الشعر على “تقديم الصورة المحرِّرة للروح التي لا تُقهر، وللإنسان الطليق”. ورغم أنّ أخلاقيات الحرب الباردة كانت قد تراجعت كثيراً على جبهة جائزة نوبل منذ مطلع الثمانينيات، ولم يعد منح هذه الجائزة لأديب من المعسكر الاشتراكي حدثاً دراماتيكياً، فإنّ قرار الأكاديمية السويدية أثار نقاشاً واسعاً في الاتجاه المضادّ إذا صحّ القول، أي حول السؤال المشروع التالي: لماذا تأخرت الأكاديمية في منح الجائزة إلى شاعر تشيكي وعالمي كبير مثل سيفيرت؟ وهل كانت ملابسات الحرب الباردة وراء ذلك التأخير (بدل أن تكون وراء منحه الجائزة أخيراً)؟
وفي مقدمته للمختارات كان جورج جيبيان، محرر القصائد ومترجمها بالتعاون مع إيفالد أوسيرس، قد استفاض في تحليل الخصائص الفنية الرفيعة لقصائد “شيخ الشعراء” التشيكيين، في بلد يجلّ أهله الشعر ويقرأونه باحترام ونَهَم (بمعدّل يفوق 50 مرّة نسبة قراءة الشعر في الولايات المتحدة على سبيل المثال). وهكذا فإنّ منح سيفيرت جائزة نوبل للأدب لم يكن أقلّ من تتويج غير مباشر لتقاليد شعرية عريقة كانت تترعرع في صلب الحياة اليومية، ولكوكبة من الشعراء الكبار الذين أدركوا طبيعة موقع الشاعر في المجتمع، وطبيعة وظائفه إزاء لغة تحتفي كثيراً بالصوت والإيقاع والأغنية.
ولد سيفيرت في ضاحية جيجكوف القريبة من براغ، لأسرة تنتمي إلى الطبقة العاملة. شظف العيش في المحيط العمالي الصرف، والتناحر الخفي بين الأب الاشتراكي الملحد والأمّ الكاثوليكية، طوّرا في نفسه نبرة سخرية مريرة سوف تلازم أشعاره زمناً طويلاً، كما ستجبره على الانتساب إلى الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي منذ تأسيسه في عام 1921. ثمار هذا الطور تجلّت مباشرة في مجموعته الأولى “مدينة دامعة”، والتي يرى النقّاد أنها “الأكثر بروليتارية” بين جميع أشعاره، رغم أنها تعرّضت لانتقادات حادّة من الجهات العقائدية التي استنكرت تفضيل سيفيرت مشاعر الحبّ على واجبات الثورة. وكان سيفيرت يردّ بالقول إنّ هدف الثورة الأعلى هو إسباغ السعادة على قلوب الكادحين، وليس أكثر من الحبّ قدرة على استثارة تلك السعادة… حتى قبل انتصار الثورة!
ومن المدهش أن المجموعة الأولى تلك كشفت قدرة سيفيرت على تحقيق حالات شعورية بالغة الكثافة، عن طريق تبسيط موقف إنساني عادي، وإبرازه في شرط طبيعي مألوف للغاية. ولقد سُحر الكثير من الشعراء، ممّن يفوقون سيفيرت تجربة وسنّاً، بهذه الطاقة الفريدة على مزج التعقيد (الإيقاعي والبلاغي) بالتبسيط (في مستوى الموضوع واللغة). وفي مطلع العشرينيات أصبح سيفيرت الرائد والمحرّض في حركة أدبية وفنّية أطلقت على نفسها اسم “ديفييتسيل”. والكلمة مشتقة من اسم زهرة برّية أو عشبة طبّية، وتعني حرفياً “القُوى التسع”. وفي البيان التأسيسي قالت الحركة إن “الإبداع الإنساني يقف اليوم وجهاً لوجه أمام المهمة الكبرى في إعادة بناء العالم من جديد. والشعراء والمفكرون يسيرون كتفاً إلى كتف مع الجنود الثوريين. المهمة واحدة، والطريق إلى الغد هو ذاته. وإنّ فنون البارحة، سواء أطلقنا عليه اسم التكعيبية أو المستقبلية أو الأورفية أو التعبيرية، اعتبرت أنّ الشيء بذاته يظلّ هو الجميل، واكتفت بذلك”. وبالطبع كانت حركة “ديفييتسيل” تدعو إلى تجاوز أقنوم “الشيء بذاته”، وتطالب بفتح الإبداع على الحياة الإنسانية، بل واستيحاء حيوية الأشكال من حيوية الحياة.
وبمرور السنوات كان من الطبيعي أن تتجاوز اهتمامات سيفيرت النطاق العقائدي التأسيسي الذي قامت عليه الحركة، خصوصاً حين أخذ تأثيرها ينحسر تدريجياً لصالح حركة أخرى هي “الشعرية”. وفي غضون ذلك عكف سيفيرت على ترجمة الشعر الروسي (ألكسندر بلوك) والفرنسي (بول فيرلين وغيوم أبولينير)، وقام برحلة أوروبية طويلة زار خلالها فيينا وجنوب إيطاليا ومرسيليا وباريس. وفي عام 1929 وقّع، مع تسعة من الأعضاء البارزين في الحزب الشيوعي، عريضة تستنكر سياسات الحزب في ميدان الثقافة، فأسفرت عن فصله من الحزب ومن حركة “ديفييتسيل” أيضاً.
غير أنّ الموضوع السياسي تواصل في مجموعات سيفيرت اللاحقة، فكتب مجموعة مكرّسة لرحيل توماس غاريغو ماساريك، الفيلسوف ورجل الدولة وأوّل رئيس تشيكي، ثم أخرى تصف اعتمالات المجتمع التشيكي قبيل صعود النازية، وأصدر ثلاث مجموعات أثناء الاحتلال الألماني لتشيكوسلوفاكيا (ولعلّ هذه المجموعات بالذات هي التي أكسبت سيفيرت لقب “شاعر الأمّة”). وكانت القصائد تعرب عن عشق الوطن وعشق المكان وعشق اللغة في آن معاً، وكانت بمعنى ما تتغنّى بفكرة العشق في ذاتها، فأقبل الجمهور عليها بشغف، وكُرّس سيفيرت “شيخ الشعراء” التشيكيين بلا منازع.
بعد التحرير واستلام الحزب الشيوعي الحكم في البلاد سنة 1948، تعرّض الشاعر لهجمات منظمة من جانب الصحافة الحزبية وأنصار مذهب الواقعية الاشتراكية، فانسحب من الحياة العامة وتفرّغ للترجمة، وكانت ترجمته لـ “نشيد الانشاد” أبرز ثمار هذه المرحلة. غير أنّ مناخات الحرية النسبية، التي أعقبت انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي ونشر تقرير خروتشيف الشهير، سهّلت عودة سيفيرت إلى الأضواء وتمكّن النقّاد من إيجاد أكثر من ثغرة لإعادة الإعتبار إلى شعره.
وفي هذا الطور أخذ شعره يميل إجمالاً إلى الأغنية والقصائد القصيرة والسونيتات، وتوطدت أكثر فأكثر ميوله المبكّرة إلى الأوزان والقوافي والألعاب اللفظية، ولكنه واصل استخدام شكل الشعر الحرّ الذي كان قد اختاره منذ مطلع الأربعينيات. وكان من الطبيعي، الآن وقد ترسخت مكانته الأدبية والسياسية وسط أجواء الحرية تلك، أن يحصد سيفيرت أرفع الجوائز الوطنية، وأن يتفرّغ أكثر للتجريب الهادئ ولمقاربة الجماليات التي كانت تلحّ عليه دائماً، وظلّت ظروف بلاده تحول بينه وبين تلمّسها في النصّ الشعري.
وبعد “ربيع براغ” والاحتلال السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا، عاد سيفيرت إلى اعتكافه، من دون أن ينسحب من واجباته في الدفاع عن الكتّاب المضطهدين لأسباب حزبية أو سياسية. كان، على سبيل المثال، أحد المشاركين في صياغة “ميثاق 77” الذي وقعه عدد من كبار الكتّاب والمفكرين (كان بينهم فاكلاف هافل)، وأنذر بالمتغيّرات القادمة العميقة في الحياة السياسية التشيكية. وفي هذا الطور ظهرت ترجمات لأشعاره في بريطانيا والولايات المتحدة وكندا، فلفت الانتباه سريعاً، وأخذ اسمه يتردّد في المحافل الأدبية الدولية، وليس دائماً في سياق بلاغة الحرب الباردة، حتى نال جائزة نوبل. ولقد رحل عن أكثر من 30 عملاً، كان أولها “مدينة دامعة” في سنة 1921، وآخرها “أن تكون شاعراً” في سنة 1984.