صلاة الغائب لزينب عساف: تعدُّ ما تبقي فيها حيا بين طعنة وأخري!

حجم الخط
0

صلاة الغائب لزينب عساف: تعدُّ ما تبقي فيها حيا بين طعنة وأخري!

حسين جلعاد صلاة الغائب لزينب عساف: تعدُّ ما تبقي فيها حيا بين طعنة وأخري!نادرة تلك الدواوين الأولي للشعراء الشباب التي لا نجد فيها تصاديا مع كبار الشعراء، أو محاولة للنسج علي منوال ما شاع من التجارب الراسخة.الشاعرة اللبنانية زينب عساف تطلق ديوانها الأول صلاة الغائب بشعرية لافتة، لا تقول فيها إلا ما خبرته روحها، تقيس العالم بعينين مليئتين باللمعان، وبرؤي مفعمة بالتمرد والجموح، ترسم بورتريه آخر للحياة عبر الإفصاح عن تفاصيل الذات الخصوصية.مفتتح الديوان يطلق التماعة درامية مكثفة عما سيأتي لاحقا، يخبر بإيجاز عن هويته ومحتواه، كما لو في صورة سينمائية تبرق عمّا هو مستودع في الديوان، وتهيئ القارئ لاستقبال ذلك العالم الساكن في ظاهره، ولكن العميق والغائر بتفاصيله الموجعة:كنت بريئة كما ينبغي لقصة أن تبدأ: وحيدة أنتظر الجنّة بحجاب أسود. الثآليل ، وهي مجموعة القصائد التي تفتتح النصوص، هي بحسب منطوق المروي الشعبي، خطايا الليل، إن جاز التعبير، إنها نجوم الوحدة الليلية التي نعدّها ونحن نبحلق في سماء العزلة، فتنبت الأمنيات ميتة علي أيدينا في الصباح التالي.هذه الثآليل هي مقدمات، بل ومؤثثات، للنص المركزي الأساسي صلاة الغائب الذي يأخذ الديوان اسمه وهويته منه، بمعني أن الثآليل الأولي هي استخلاصات القلب المنهك وسخرية الزمن الحاضر، فيما تمثل الصلاة تاريخ الشخص، أو ماضي الذات الشاعرة:ها هي الحياة تمنحني أشهي الجراحوأنا بين طعنة وأخري أتحسس ما بقي فيّ حياً.ينقسم الديوان إذن حسب ذلك إلي نصين: أولهما ما يمس حاضر الرؤي، فيما يأخذ النص الثاني معانيه من الذاكرة البعيدة، القاعدية والمؤسسة لما سيأتي لاحقا زمنيا وتجربة، وذلك وفقا لإيقاعين زمنيين مختلفين، ولغة مكتوبة في شقها الأول بالتماعات يومية مباشرة، فيما ينهل التعبير عن الماضي من مخزون سردي شعري، إن جاز التعبير، لجهة أن التذكر يفرض نفسه علي شكل أقاصيص أو صور متلاحقة ترسم كل جزئية منها جانبا من البورتريه العام لتلك البنت من الكانتون الشيعي”، التي كانت تشبه آلاف البنات ولا تشبه -في الوقت ذاته- سوي نفسها.قصائد الجزء الثاني من الديوان، تأخذ القاريء إلي محيط محافظ، لا تكون فيها الذات الإنسانية عموما متحققة إلا بكونها محض هامش صغير ومهمل، في لوحة العقل الجمعي الضاغط اجتماعيا وفكريا وتاريخيا، بحيث تأتي المرأة والحالة كذلك في أدني أولويات الاهتمام، بل إنها تُدفع بعيدا عن المشهد الجمعي، ذلك أنها تشكل عنوانا لإحباط الأب وخجله من إنجاب البنات، فيما هي أيضا غمّ يشبه العار للام التي لا تفعل شيئا سوي زيارة قبور الأولياء، وتعداد الأحلام الميتة.كما أن الشاعرة تحيل استقراءها الشخصي ذاك، إلي إحالات تاريخية وقداسية متعددة المستويات والرؤي، فهي تنطلق من مفارقة اسمها الشخصي الذي تحمله تيمنا بزينب الكبري في الإرث الشيعي، لتسحب خلفها غبار الزمن، وتثير من حولها تراث الطمس الذي تراكم بفعل الأفكار الجماعية القسرية، حيث الحياة، والحالة كذلك، محض بكاء دهري لا يتوقف عند حدود الاستعادة الطقسية لذكري عاشوراء، بل هي حياة مسلوبة بالكامل، لا ملامح شخصية فيها، إلا بمقدار ما تنجح الذات في بلوغ قمة انسحاقها وصولا إلي لحظة موهومة من القداسة، فيما يتطلب ذلك الوجود المحافظ أيضا توحدا حقيقيا من الذات المأزومة مع نموذجها التاريخي، إذ أنه في ظل استلاب فردانية الإنسان، فإنه لا يبقي سوي درب السبايا القديم تسير فيه عمرها المقموع، رغم المحاولات التي لا تنتهي في الاحتيال علي تلوين الحزن بأثوابه الأبدية السوداء :ألف فتاة أخري تحملالاسم نفسهزينبفي الكانتون الشيعيّتحمل الأحلام نفسها كأن الله رسم ملامحنا علي عَجَلمسروقة كالفرح أعيننابعضنا يبالغن في التبرّجيطردن الحزن بالألوانبعضنا يجعلن أثوابهن السود أشرعة لشبّان ملتحينلكنه الاسم نفسه يولول في عاشوراء فنبكينبكي حبّاً مستحيلاًنبكي ملاحمَ شخصيةتصبح كل منّا زينباً حقيقيةتحمل رؤوسها إلي النحر مبتسمةتسير مع السبايا من يراها؟ من ينصر زينب وهي تنادي؟ (هذا الغلّ عندما علّقته جدّتي في عنقي قالت: عليك أن تستحقّيه) ما زلتُ أحاول.التحول الدرامي في الذات الشاعرة، سيبدأ من مغادرة ذلك الزمن القديم، ومن الافتراق عن صورة البنت الصغيرة التي خبّأت أمير العرب تحت فستانها، فتاة الألف معركة وأكواخ التنك، زينب الخجولة بحمرتها، الفخورة بأشواكها”، حيث تكف (زينب) عن كونها مجرد نسخة أو شكل مصمت يشبه الآلاف، لتتكشف عن وجه خاص متحقق ومتعين الخصوصية وهو أمر قد لا يحدث إلا بمفارقة الوعي القديم زمانيا ومكانيا حيث تغيب القرية القديمة لتظهر مدينة جديدة بكامل شروطها وانعكاساتها علي جوانية الشاعرة:بما تبقّي من شيعيّتيأرغب بتلك المدينةوبجنّة لا تمرّ من تحت حجاب.في التحولات اللاحقة، التي تتصدر الديوان عمليا وتغلف رؤاه العامة، الراسخة والأكيدة، ستنقلب المرارة والانسحاق إلي تمرد رافض، ولكن أيضا إلي رؤية مفارقة مضمخة بالسخرية والجروح التي ستعيش، حيث يصبح حجم المفكر فيه، أكبر من أن تخفيه تداعيات شعرية، بقدر ما تفصح التوقيعات الشعرية المكثفة عن مواقف تنحو باتجاه التسليم بصلادة الواقع وبرودته:الأحلام التي لا تتحقق وتلك التي نبلغها دون أن ننتبهجروح مضيئة. يبقي مفتاح النص، أو الديوان بأكمله، وسر الحياتين القديمة والجديدة معقودا باستراتيجية العنوان، بالغ الدلالة، فهو وإن كان يحيل إلي مرجعية فقهية، في دلالة الصلاة علي ميت غائب انتهي وجوده، وهو الحياة القديمة في هذا السياق، فإنه يحيل أيضا إلي ولادة جديدة تمخضت عن فناء الماضي، حيث تستقبل الذات حياتها الجديدة بكامل جموحها، ولكن بذكري جراحاتها السابقة أيضا.الديوان إذن يستمد شاعريته من التمرد، ورسم التاريخ العام علي نحو خصوصي مضاد ورافض، كما أن تلك اللغة الحارة والموجعة لا تدعي بلاغة معجمية، بل ترتطم بالوجع الخصوصي حد مصادقة السأم أحيانا واستئناس الوحدة، بما هي نافذة تنفتح علي غناء فردي يريد أن يتحرر من الجموع، ليكون محض رأس حاسر يعبر النهر ببساطة وبلا رهبة، أو مجرد قصيدة مدفونة بحنان بين الأوراق.سأحدثكم عنهاالتي شربوا دماءها هؤلاء الذين لا يشربون الكحول…..زينب المشنوقةبحبال سرّتكم مدفونة بحنان بين أوراقي.شاعر من الاردن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية