لندن-“القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للباحث في وقفية كارنيغي للسلام العالمي ومؤلف كتاب “الشواطئ المحترقة: في داخل الحرب على ليبيا الجديدة”، فردريك ويهري، حذر فيه من استمرار النزيف الدموي الليبي لو ظلت القوى الخارجية تدعم أمير الحرب خليفة حفتر.
وقال فيه إن الدعم الروسي والإماراتي والأمريكي له يزيد من معاناة الليبيين. وقال إن ندوب المقاتلين على جبهة القتال في أبو قرين يمكن قراءتها كقائمة من الحروب التي شهدتها البلاد منذ سقوط معمر القذافي عام 2011. وكشف أحد المقاتلين واسمه محمد عن رأسه الأصلع محفورا بآثار شظايا القنابل. وقال محمد: “هذه من داعش” في إشارة للمعركة التي خاضها المقاتلون الليبيون الموالون للحكومة في عام 2016 ضد تنظيم الدولة في سرت.
الدعم الروسي والإماراتي والأمريكي لحفتر يزيد من معاناة الليبيين
ويقول إن عدوا جديدا سيطر على سرت وهم مقاتلون تابعون لمن يطلق عليه الرجل القوي البالغ من العمر 76 عاما خليفة حفتر. وفي يوم الأحد الماضي قامت ميليشيا بالهجوم على محمد وقتلت 11 من رجاله في تحد لوقف إطلاق النار الهش في الحرب الطويلة التي بدأت في نيسان (أبريل) بهجوم مفاجئ على العاصمة، شنته قوات حفتر.
وبدلا من تحقيق انتصار سريع تحول الهجوم إلى عملية بطيئة قتل فيها حتى الآن أكثر من ألفي شخص. وحفتر هو جنرال سابق في نظام القذافي انشق عنه في الثمانينيات من القرن الماضي وأصبح رصيدا للمخابرات الأمريكية (سي آي إيه)، وبدأ هجومه العام الماضي على طرابلس بعد سنوات من الحرب في شرق ليبيا حيث بنى قاعدته.
وبهجومه على الحكومة الضعيفة المعترف بها دوليا “حكومة الوفاق الوطني” زعم أنه يريد توحيد البلاد ووضع حد للميليشيات. وحتى نكون واضحين، فلم تحظ حكومة الوفاق الوطني العقيمة واعتمادها على ميليشيات فاسدة بشعبية داخل البلاد، إلا أن عملية سلمية كانت جارية لاستبدال تلك الحكومة ومعالجة مخاطر الميليشيات قبل أن يشن حفتر هجومه.
وقال ويهري إن رغبة بالوصول إلى السلطة تقف وراء صعود حفتر و”عندما قابلته عام 2014 أخبرني في ذلك الوقت عن خططه لغزو طرابلس واعدا بمحو الإسلاميين من كل الأطياف إما بالسجن أو النفي أو الموت”. ويشير الكاتب إلى أن حفتر في محاولته لتحقيق أهدافه كشف عن أساليب وحشية، حيث اعترفت الميليشيات المتحالفة معه بأنها قامت بعمليات قتل فوري وأثارت الانقسامات القبلية. ويواجه أحد جنرالاته اتهامات بارتكاب جرائم حرب وأمر بالقبض عليه. وكان رد حفتر هو ترفيع رتبته العسكرية.
تقف وراء صعود حفتر رغبة بالوصول إلى السلطة
ويرى ويهري أن الحرب التي شنها ضد العاصمة أثارت شكوكا وسط أنصاره. وعوضا عن أن تكون انتصارا سريعا تحولت إلى حرب استنزاف قتل فيها الآلاف منهم مدنيون وشرد عشرات الآلاف. وأكثر من هذا أدى الهجوم إلى تدخل القوى الخارجية إلى جانبي النزاع. وأدى دعمها المتواصل لاستمرار العنف، كل هذا في خرق واضح لقرار الأمم المتحدة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا.
ويقف إلى جانب حفتر كتلة من الدول الديكتاتورية المعادية للإسلاميين وتضم الإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن والسعودية. وكان دور الإمارات تحديدا مدمرا، فقد قامت المقاتلات والطائرات بدون طيار بشن مئات من الغارات، مما أدى حسب الأمم المتحدة لمقتل أعداد من المدنيين. ويعد الدور الفرنسي مفتاحيا، حيث اندفعت بحس متحمس غير صحيح للجنرال حفتر كرجل يمكن الاعتماد عليه في مكافحة الإرهاب وكعامل استقرار. وترسل باريس إليه مساعدات عسكرية سرية منذ سنوات.
ويضاف إلى هذا مئات من المرتزقة الروس الذي وصلوا إلى جبهة طرابلس في أيلول (سبتمبر) ما ساعد حفتر على كسر الجمود. وفي الوقت الذي لا تلتزم روسيا بالجنرال، إلا أنها تندفع نحوه لتشكيل التسوية بحسب رغبتها. ولم تسر خطتها حسبما رسمت، ففي الشهر الماضي غادر اجتماعا في روسيا دعت إليه موسكو وأنقرة لتسوية الوضع والاتفاق على وقف إطلاق النار بينه ومنافسه فائز السراج.
وأرسلت تركيا التي تعارض الكتلة الإماراتية مساعدات لحكومة الوفاق. وشملت المساعدات طائرات مسيرة تركية وأسلحة وأنظمة صاروخية وبطاريات. وفي الأسابيع الماضية أرسلت مقاتلين سوريين وضباط استخبارات أتراكا. وجاء هذا بثمن بعد توقيع أردوغان اتفاقية تعاون بحري مع طرابلس سمحت له بتوسيع المحور الاقتصادي في شرق المتوسط.
الشعب الليبي هو الذي يعاني من القصف والغارات الجوية و16 ساعة انقطاع كهرباء
وفشل مؤتمر دولي عقد الشهر الماضي في برلين في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، وتجاهل حفتر المحادثات. بل وزاد من الهجمات العسكرية في الأيام الأخيرة بعد وصول الدعم العسكري إليه من الإمارات وقام بقصف المطار والمناطق المدنية وأغلق موانئ النفط بشكل أدى لقطع نسبة كبيرة من إنتاج النفط وزاد من معاناة السكان. وهذا جزء من زحف بطيء نحو العاصمة التي قد يدخلها في مزيد من العنف ونزيف الدم.
ولن يوقف الكارثة إلا تدخل قوة عظمى تستطيع الأخذ على يد حفتر. وقال أحد قادة حكومة الوفاق الوطني: “لن يقبل حفتر وقف إطلاق النار إلا حالة قرصت أمريكا أذنه”، وربما كان هذا صحيحا ويجب على واشنطن التخلص من دعمها التكتيكي لحفتر والذي ظهر في المكالمة الهاتفية من الرئيس دونالد ترامب إلى أمير الحرب الليبي في نيسان (أبريل) 2019، التي ألمح فيها لدعمه لهجوم طرابلس.
وفي الوقت الذي برد فيه التحالف بسبب علاقة أمير الحرب الليبي مع روسيا إلا أن أمريكا لديها أوراق ضغط مثل تعويق محاولاته لبيع النفط الليبي في الأسواق العالمية، وكذا الضغط على الإمارات لكي توقف تسليحه، ودعم جهود مجلس الأمن لوقف إطلاق النار يشمل بندا قويا ضد من يخرقون قرار حظر السلاح. وفي الوقت الحالي فالشعب الليبي هو الذي يعاني من القصف والغارات الجوية و16 ساعة انقطاع كهرباء والإحساس بأن مصيرهم بات في يد القوى الخارجية. وقال عمدة يفيرين في جبال ليبيا الغربية: “ليبيا مثل الكعكة” و”كل واحد يريد قطعة منها”.