“لا، شكراً”، كان هذا رد الرئيس الأمريكي ترامب على أقوال وزير الخارجية الإيراني في مقابلة أجراها مع صحيفة “دير شبيغل” الألمانية. “إيران لم تستبعد إمكانية أن يغير الناس مواقفهم ويعترفوا بالواقع… إدارة ترامب يمكنها أن تصلح ماضيها وترفع العقوبات وتعود إلى طاولة المفاوضات. ما زلنا نجلس على طاولة المفاوضات. الأمريكيون هم الذين غادروها”، قال محمد جواد ظريف. شروط إيران لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة لم تتغير منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في أيار 2018. وترامب هو الذي ضغط ودفع وشجع وأرسل مبعوثيه من أجل استئناف المفاوضات، لكن دون أي مقابل حقيقي أو أي قطعة جزر ستغري إيران للعودة إلى الدبلوماسية.
وعلى تغريدة ترامب، رد ظريف بتغريدة على حسابه في “تويتر”: “من الأفضل أن يؤسس الرئيس ترامب سياسته الخارجية على الوقائع، وليس على عناوين “فوكس نيوز” أو على مترجميه من الفارسية”.
“نتحلى بالصبر”، أوضح ظريف، وهو في الوقت الحالي يقف أمام برلمان إيراني متشدد، وقع 38 عضواً من أعضائه على عريضة تطالب بمساءلته قبل عزله. واستعداد إجراء مفاوضات مع واشنطن هو خط أحمر للزعيم الأعلى علي خامنئي، الذي أوضح بعد تصفية سليماني بأنه لن يكون هناك أي اتصال مع قتلته. “مع من تريد إجراء المفاوضات، وعلى ماذا؟”، هذا ما طلب حسين شريعة مداري معرفته، محرر الصحيفة المحافظة “جيهان نيوز”، وقد هاجم ظريف في مقال له، “..مع الذي اعتبر سليمان زعيماً للإرهاب؟”. قال مداري: لو أن الولايات المتحدة جلست على طاولة المفاوضات فإنها ستناقش خطة الصواريخ البالستية، “التي بدونها ستحول الولايات المتحدة إيران إلى رماد”.
رئيس جهاز القضاء، إبراهيم رئيسي، وعد بأنه “عاجلاً أم عاجلاً، سنتقابل مع قتلة سليماني، لكن ليس من إيران إجراء المفاوضات، بل من أجل المحاكمة والعقاب”. إيران تضغط على العراق لتقديم طلب لمحكمة الجنايات الدولية، لأن الولايات المتحدة قامت بتصفية سليماني على أراضيه، وبذلك خرقت سيادته. ليست هذه المرة الأولى التي يقف فيها ظريف، مهندس الاتفاق النووي، أمام انتقاد شديد من قبل المحافظين في النظام الإيراني. في فترة معينة، وصل الأمر إلى الاستقالة (بعد ذلك تراجع)، على خلفية تدخل حرس الثورة في إدارة العلاقات الخارجية لإيران. ولكن يبدو أنه كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية التي ستجري في 21 شباط، يزداد الانتقاد. ويمكن أن يتسبب هذا في نهاية المطاف بعزل ظريف. وهذا العزل سيكون تعبيراً عن معارضة حكومة حسن روحاني. ظريف نفسه ذكر هذا النضال السياسي في أقوال سابقة، بأن إيران منقسمة إلى معسكرين، معسكر المؤيدين للمفاوضات مع الولايات المتحدة، ومعسكر المعارضين. ولكنه أشار إلى أن “هذا الخلاف هو سياسي وليس موضوعياً، ويمكن أن يضر بمصالح إيران الوطنية”.
الانتخابات البرلمانية جاءت في ظل مظاهرات الاحتجاج الكبيرة التي قتل فيها -حسب التقديرات- 1500 شخص، ومعهم آلاف المصابين والمعتقلين. إن حرف الخطاب العام نحو محاربة الولايات المتحدة هو هدف حيوي لحكومة إيران التي تخشى تأثير الاحتجاجات على تشكيل البرلمان الجديد. إيران تنوي إسكات أصوات الانتقاد على التعامل الفظ لقوات أمنها مع المظاهرات، وتحاول أيضاً طمس قضية إسقاط الطائرة الأوكرانية والتركيز على المشروع النووي. ولكن الاحتجاج ما زال قائماً، وإن لم يكن في مظاهرات الشوارع، فإنه يظهر في المناسبات الثقافية مثل احتفال منح جوائز للنقاد السينمائيين الذي جرى، الجمعة، في طهران.
“محظور على الفنانين في إيران الصمت على أعمال القتل التي حدثت في 2019 – 2020″، قال رجل السينما هومايون كازينزادا. “إن الصمت على كارثة، مثل التي حدثت في تشرين الثاني، أمر قبيح. لا يجب على الفنانين ترك الجمهور وحده”. والجائزة التي حصل عليها خصصها للمهندس بويا بختياري، الذي قتل في المظاهرات. أما الممثل والمطرب الإيراني الشعبي حامد بهداد فقد ساهم في الاحتجاج عندما قرأ أمام المشاركين إعلاناً في “واتساب” أرسلته له والدته، طلبت فيه ألا يحتفل بعيد ميلاده في الوقت الذي خرج فيه الشباب والشابات إلى الشوارع، وخاطروا بحياتهم احتجاجاً على رفع الأسعار. وحسب الموقع الإيراني المعارض “راديو فاردا”، ثمة فنانون كثر في إيران تلقوا دعوات لمقاطعة مهرجان “فجر”، الذي في إطاره يجري مهرجان الأفلام الدولي في إيران.
احتجاج الفنانين لا يهدد النظام، لكنه يعبر عن الحالة النفسية التي لم تتبدد حتى بعد قمع المظاهرات. روحاني الذي فقد جزءاً كبيراً من الشرعية، حتى في أوساط الإصلاحيين، بسبب فشله في تنفيذ وعوده الانتخابية، لن يتنافس في الانتخابات المقبلة للرئاسة بعد سنة. ولكنه يواصل مهاجمة القيادة وحرس الثورة الإيراني في النقطة الضعيفة والحساسة التي تسمى “الفساد”. في تشرين الثاني ألقى خطاباً شديد اللهجة موجهاً لرجال القضاء وتطبيق القانون بسبب إهمالهم في جهود التحقيق وتقديم المتهمين بمخالفات مالية تبلغ ملايين الدولارات للمحاكمة. شبكة التلفاز الرسمية رفضت بث الخطاب، لكنه نشر بشكل واسع في الشبكات الاجتماعية. كان يمكن لترامب أن يشجع بدء المفاوضات، وبذلك كان سيساعد القوى المعتدلة على زيادة قوتها في الانتخابات. ولكن الحديث في نهاية المطاف يدور عن ترامب.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 3/2/2020