الشحاذُ والسكينُ

لست لا نباتيا ولا لاحما أنا «عياش» كما يقال عندنا في تونس. العياش هو الوجه الشعبي جدا من صورة امرئ القيس الأميرية، التي نحتها عبر العصور حين قال: «اليوم خمر وغدا أمر». العياش يتفق مع امرئ القيس في النصف الثاني و«غدا أمر» ولكنه يختلف معه في الأول ليقول بدلا من ذلك «اليوم خبز.. أو عيش» وعن أي خمر يتحدث الحالم بالخبز؟
حين تكون عياشا تعيش يومك وأنت تبحث عن العيش، وإن قال لك واحد من ابنائك أو حتى زوجتك اشتر لنا شيئا ستقول لها: « يا من عاش». « يَا مَنْ عَاشْ» تعني حرفيا: يا ليت يكون فينا غدا من يعيش! أو حين سنعود إلى الحياة غدا.. سوف نفعل». ليس من يقول هذا من العامة يائس من الحياة لا قدر الله، مثلما قد يُفهم، بل هو مرتب للأشياء: نعيش أولا غدا ثم نفكر أن نفعل ما نقدر عليه، وأن تشتري ليس شيئا مقدورا عليه، ولا هو غير مقدور عليه، هو في أكثر الحالات من أمر الدعاء: حين تمد يدك إلى الله وتُفتح أبواب الرزق لك، تقدر عليه، وحين تمد يدك إلى السماء ولا تفتح لا قدر الله لك هذه الأبواب لن تقدر عليه: شراء اللحم هو من هذا النوع. هناك من يجد حلا وسطا بينهما: يشتري غدا ما لا يقدر عليه غدا، ولكن بتأجيل دفع الثمن إلى يوم لاحقٍ.. هذا يسمى في المعجم الكريدي وقديما يســـمى الطلوق: تشتري وتسجل في الكراس ثم تدفع لاحقا.
الكريدي كلمة شعبية جدا هي معروفة، ومن لا ينطقها منا لغرض في نفسه، هي كلمة مأخوذة من اللفظ الفرنسي Crédit وتعني في هذه اللغة التي تعيش بيننا من قرن يزيد وترادف لفظ «قرض» العربي لكن هذا اللفظ يبدو غير قادر على محاصرة تعقيد الاستعمالات، التي للفظ الفرنسي ولذلك قلما يعوضه. الكريدي في أحد معانيه أن تتفق مع تاجر للمواد الغذائية وحتى لغيرها، أن يبيعك متى أردت بثمن مؤجل الدفع. يضطر التاجر الصغير إلى هذه العمولة لأنها تصبح أصل التعامل، في ظل غياب عملة حية يومية، فإما أن ينظر صرف الأجر «رأس الشهر» وإلا كسدت التجارة. في السنوات الأخيرة دخلت قطاعات إلى هذا المنوال التعاملي والتجاري، ومن بيها الجزار والخضار، ولكن أيضا الصيدلاني: يشتري الناس الدواء بأجرة آجلة: يشترون الشفاء بالكريدي.
كلمة الكريدي أيضا صارت أكثر استعمالا في مجالها الأصلي، وهو التعامل البنكي. ههنا صارت رديفا معقولا لعبارة «قرض». الموظفون في الأرض ههنا يكسبون أجرا لا يكفي لمصاريف الحياة الضرورية، وحتى غير الضرورية، لذلك توفر لهم البنوك قروضا بفوائض.. مقولة «اليوم خمر وغدا أمر» ترجع بجزئيها هذه المرة : في العصر الذي تصبح فيه الخمرة رمزا للضروري وغير الضروري من المقتنيات، يصبح امرؤ القيس مفهوما أكثر. الخمر يعني العيش من خبز ولحم ودواء، ويعني الخمر نفسه لمن يعتبر أن الخمرة جعلت دواء لحياة نكد وهم، أو سيارة فخمة في عصر صارت فيه السيارة ضرورية، أو دارا ذات طابقين لمن يريد العيش في طابقين.. الكريدي صار ابن عصره وابن أحلام عصره.

الافتراض هو أن تتوقع شيئا محتملا ولا يعنيك إن كان سيأتي أو لا يأتي، الافتراض نصف الانتظار الأبيض، والانتظار نصف الافتراض الحالك.

أقف في دكان الجزار، وأنا أقلب الاشتقاقات وأنظر إلى الجزار وهو يشحذ السكين بآلة الشحذ الطويلة، هي آلة لها مقبض بلاستيك وعصا فولاذية طويلة يحملها الجزار بيد، وباليد الأخرى يحمل السكين، ويجعلهما في وضع تقاطع يراد به إحْدادَ السكين، ولكن ما يصلنا من أصوات هو تصارع نصلين، أو لنقل، كما قال أبو الطيب المتنبي في سياق آخر «وقع النصَالِ على النصال».
أقف وأنتظر لحما يأتي من المَسْلخِ البلدي، وأحمد الله أن سياسية الاقتراض قد جعلتنا نعيش ونقف في صف من ينتظر دوره ليشتري لحما. أنا لست لا لاحما ولا نباتيا أنا «كالش»، أي جامع بين اللاحم والنباتي.. هكذا يقولون عني باعتباري من البشر.. ولدت كالشا مثلي مثل غيري، رغم أنني لا آكل لحما كثيرا في الشهر ولا في العام ولكن البركة في الأرقام والمعدلات التي تنسب إليّ عددا من الكيلوغرامات من استهلاك اللحم، ليست لي هي تأخذها من المستكرشين وتلحقها بي على سبيل صناعة الأرقام بالمعدلات.
البشر يتقاسمون اللحم يسمون مواضع الخروف بأسمائها، وأنا أنسى دائما اسم اللحمة المحبذة، فإما أن أستعمل الإشارة فيضحك الناس من حولي: أستاذ جامعي لا يعرف الأسماء وإما أن أقول له «مثل العادة» فينسى عادتي، لأنني لست مدمنا على الشراء.. أنا أنسى الأسماء المتداولة.. مشكلتي أنني معمورة لأسماء لا أحتاجها يوم أحتاجها: أنا دائما تسكنني أسماء لا أحتاجها في حياتي، أسماء لا تعني الناس أو تعنيهم في مواضع أخرى. حين أنسى الاسم الذي أحتاج أن أذكره أستعمل اسم الإشارة، أو أتذكر أقرب المشتقات إليه.. لماذا تهجر ذهني الأسماء وقت حاجتى إليها؟ حيلة الإشارة هي حيلة الصبيان وحيلة الاشتقاق هي حيلة النحاة أنا بين أبسط الحيل وأكثرها تعقيدا أضيع التسميات.
يواصل الجزار إحداد السكين على الشحاذ وكأنه يعزف نشيدا مهما قبل بدء العمل. ينظر الناس من حولي إلى الحركة بلا مبالاة، وهم يحكون عن شيء تافه آخر أو غير مهم…. يجلس الناس ينتظرون اللحم أن يأتي.. في هذا البلد عليك أن تجلس وتنتظر شيئا يأتي من بعيد أو قريب.. عليك أن تنتظر وأنت تنتظر على أذنك أن تسمع إحدادا للسكين على الشحاذ، ولا تركز عليه.. يحد الجزار السكين على الشحاذ ولا يكل ولا يمل.. بدأ الصوت يزعجني، ثم تأكدت أن ما أزعجني ليس الصوت بل الوعي بأنه عليّ أن أنتظر دائما شيئا متأخرا قد يأتي أو لا يأتي… أن تنتظر شيئا وأن تكون واعيا بأنك تنتظر فذلك شيء آخر معقد.. الذي يزعج ليس الانتظار، ما يزعج هو شعورك الواعي بأنك تمارس الانتظار في أدق تفاصيل الحياة. أشغل نفسي عن نفسي، وأنظر من جديد في الشحاذ الطويل المبري كيف يروض سكينا لقصاب.. سأجرب لعبة تروع الانتظار وتفتته هي لعبة الافتراض.
الافتراض هو أن تتوقع شيئا محتملا ولا يعنيك إن كان سيأتي أو لا يأتي، الافتراض نصف الانتظار الأبيض، والانتظار نصف الافتراض الحالك. سأفترض أن الجزار الذي يحد السكين في انتظار اللحم قد ملّ من الإحداد، واللحم لا يأتي وأن اللعبة التي يمارسها للإحداد هي تسلية أو تلهية في انتظار أن يأتي اللحم الذي تأخر كثيرا.. سأفترض أن زبونا هو نفسه قد طال انتظاره وفرغ صبره سيستفز الجزار ويقول له: كف عن إحداد السكين فلن يكون هناك لحم. سيلعن الجزار الشيطان الذي يكون قد انتقل بإقامته من بين السكين والشحاذ، إلى ما بين السكين والزبون ولكن الشيطان لن يلعن في هذا الوقت الذي لن يمر.. فيواصل الجزار إحداد السكين والزبونُ إحداد اللسان حتى يتذكر الجزار أن للسكين وظيفة أخرى وأن هناك لحما آخر، يمكن أن تعمل فيه السكين.. يخرج الجزار إلى الزبون يريد أن يؤدبه.. أسرع إلى يد الجزار أفتك منه الشحاذ.. وأترك السكين.. تقف سيارة المسلخ.. ووراها سيارة الشرطة.. أجلس بعيدا عن المشهد.. وفي يدي شحاذ الجزار.. أرميه بعيدا عني وأنتظر شيئا آخر غير اللحم الذي يأتي من المسلخ.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية