بينهم جنود.. الفارون يتحدثون عن سياسة الارض المحروقة وممارسات الشبيحةلندن ـ ‘القدس العربي’ ذكر تقرير في ‘نيويورك تايمز’ ان الطريقة التي تعاملت فيها الحكومة السورية مع جسر الشغور ادت الى حدة في التوتر في موضوع يعتبر خطيرا، وقابلا للانفجار وهي: العلاقات بين الغالبية السنية والطائفة العلوية التي تحكم البلاد منذ اربعين عاما.
وقالت الصحيفة ان كلا من الطرفين يقدم جردة من الشكاوى، حتى في الموضوعات الصغيرة بدأت النعرة الطائفية تبرز على السطح. ويقول مسؤول امريكي ان هناك تقارير تشير الى وجود عناصر مسلحة في الانتفاضة ووجود الكثيرين منهم في شمال – غرب البلاد، وحذر المسؤول من تعمق البعد الطائفي بعد عملية جسر الشغور.
وقال المسؤول ان البعد لن يختف سريعا، وتحدث عن جسر الشغور التي قال انها ستزيد من عناد العلويين وعدائهم للسنة والعكس، وقال ان العملية في المدينة عززت الانقسام.
واشار المسؤول الى ان الولايات المتحدة لا تعرف هوية المسلحين، مؤكدا انهم قد يكونون يعملون بناء على قاعدة دينية. وتحدث المسؤول انه بعد عملية جسر الثغور فهناك اشارات عن تحولات في مواقف النخبة من رجال الاعمال الذين بدأوا يتحولون ضد النظام على حد قوله. ويشير التقرير الى ان سورية في تشكيلتها الطائفية والعرقية ـ عرب واكراد، سنة وعلويين واسماعيليين ودروز، مسلمين ومسيحيين تتوزع السلطة بطريقة غير متوازنة. وكمثال على هذا التعقيد السكاني يشير الكاتب انتوني شديد الى ان جسر الشغور هي مدينة سنية والقرى العلوية لا تبعد عنها كثيرا وتقع في الجنوب وبينهما تقع قرى مسيحية ومناطق سنية اخرى. ويقول التقرير ان احد سكان جسر الشغور قال انه تلقى رسالة هاتفية من صديق علوي له يسأله ان كانت عائلته بخير، فرد قائلا ان شقيقتيه قد قتلتا، فيما يتهم آخرون العلويين بالمشاركة في العملية التي قام بها الجيش في جسر الشغور من اجل قمع من اسمتها الحكومة بالعصابات الارهابية.
وتضيف الصحيفة ان البعض قاموا بوضع حواجز على الطريق لاعتقال معارضي الحكومة. وفي المقابل عبر بعض العلويين عن مخاوفهم مما حدث في جسر الشغور التي خرجت لفترة قصيرة عن سيطرة الحكومة. ونقل في هذا الاتجاه عبر محام علوي عن خشيته من ان تنجر البلاد الى حرب طائفية، مشيرا الى جسر الشغور التي قال انه يأمل ان تكون الحادث الاول والاخير. وترى الصحيفة ان منظور الحرب الطائفية يقلق الجيران العرب والولايات المتحدة التي ترددت في الضغط على الاسد، ونقل في هذا السياق عن مسؤول في ادارة الرئيس الامريكي باراك اوباما قوله ان الانقسام والبعد الطائفي يزدادن سوءا. ومع ذلك فان حجم الانقسام ومدى البعد الطائفي لا يمكن تقديره حيث حدثت بعض الحوادث في عدد من المدن الساحلية، وانتقد السكان ممارسات ‘الشبيحة’ التي تعد ميليشيا من الموالين العلويين للنظام. وفي الوقت الذي تحذر فيه الحكومة السورية من خطر المتظاهرين الذين تقول انهم جماعات اسلامية متطرفة تحركهم اصابع خارجية، وتحذر من خطرهم على بقية الاقليات خاصة المسيحيين فان المعارضة تقلل من شأن الانقسام الديني وترى فيه محاولة حكومية لزرع الفتنة.
وكانت تقارير صحافية بريطانية قد نقلت عن سكان في جسر الشغور مخاوفهم من البعد الطائفي ومحاولتهم الابتعاد عن الحديث عن السياسة التي قالوا انها تقتل، وتناسوا ذكر مجزرة حماة التي ارتكبتها قوات الاسد الاب في عام 1982، وقتل فيها اكثر من 20 الف مواطن من ابناء المدينة. وتظل مسألة المعارضة السورية غامضة، فالمظاهرات وان بدأت سلمية الا ان تقارير تحدثت عن لجوء بعض السكان خاصة في درعا التي بدأت فيها الانتفاضة وحمص الى السلاح لحماية عائلاتهم من خطر الشبيحة وقوات الامن. وفي جسر الشغور التي كانت معقلا للاخوان المسلمين في الثمانينات من القرن الماضي يلقي السكان اللوم على جيرانهم العلويين. ولا يعرف حتى الان بالضبط ما حدث في المدينة، حيث تبنت الحكومة سياسة الارض المحروقة، مما ادى بأكثر من 10 الاف شخص للتوجه نحو الحدود التركية في محاولة للهروب من القمع في بلادهم. وقال تقرير في ‘اندبندنت’ البريطانية ان الهاربين يعانون من اوضاع سيئة بدون ماء او طعام، ولكنهم حسب الصحيفة مستعدون للمعاناة طالما كانوا قادرين على الوصول الى ملجأ آمن، بعيدا عن الدبابات والمروحيات، والخوف مبرر لان الحكومة اعلنت بعد نهاية العمليات في جسر الشغور انها ستواصل عملياتها في مناطق ادلب حتى يتم القضاء على العصابات المسلحة.
وقالت الصحيفة انها قابلت عددا من الهاربين، داخل الاراضي السورية، حيث التقى مراسلها بأعداد منهم يحملون قناني الماء بأيديهم وارغفة من الخبز قليلة. وقالت ان الحكايات التي حملوها معهم مرعبة، اطلاق رصاص عشوائي، وقتل بدون سبب، وعمليات دفن سريعة. وتشير الى ان الهاربين يعيشون حالة من الذهول مما حدث. ورأى مراسل الصحيفة قبورا لمن ماتوا متأثرين بجراحهم. ومن بين اللاجئين جنود انشقوا على الجيش، حيث اعترفوا انهم كانون جزءا من النظام القمعي لكنهم غيروا مواقعهم بسبب فظاعة العملية الحالية. وتشير الى ان بعضهم كان يشعر بالقلق ومن بينهم رقيب في وحدة المدرعات، هرب قبل ان تبدأ الفرقة الرابعة التي يقودها شقيق الرئيس بشار الاسد، ماهر الهجوم على جسر الشغور، وقال ‘سيقتلونني لو امسكوني، قد يكونون من المخابرات او بعض من خدمت معهم، اشياء رهيبة حدثت، لقد رأيت ناسا يقتلون بدون سبب، سيقتلونني لانني اعتبر خائنا في نظرهم ولانني شاهدت ما فعلوه’. وشاهد مراسل الصحيفة جراح فتاة تعرضت لاصابات في رأسها عندما انفجرت قنبلة قرب بيتهم، وقالت ام الفتاة، حليمة ام قيس ‘نحن فلاحون فقراء، لا اعرف لماذا يريدون تفجيرنا’. وقالت انهم سيحاولون نقل الفتاة للمستشفى لانها مصابة في رأسها. ويقول المسؤولون الاتراك ان عدد الذين تسللوا هربا من القمع تجاوز 6 الاف ويتم نقل الجرحى للعلاج، فيما ينقل الاخرون الى معسكرات خاصة. وتقول الصحيفة ان اللاجئين العالقين على الحدود يخشون من وجود عملاء سريين بينهم ارسلتهم المخابرات لجمع معلومات. ونقلت الصحيفة عن احد سكان الخيام قوله ‘علينا الحذر من الجواسيس’. وعن التقارير التي قالت ان هناك بعض اللاجئين هربوا وهم يحملون كلاشينكوف وقنابل يدوية قال الهاربين ان هذا غير صحيح. ويقول التقرير ان الكثيرين منهم ينامون تحت الاشجار، وبدون اغطية، وبعضهم اقام خياما من البلاستيك والفرش الممزقة لتقيهم المطر، فيما ينام المحظوظون منهم في ‘بيك ـ اب’ سافروا فيها، ومع ذلك يقول احدهم ان الحياة في الوادي وان كانت صعبة الا انهم ما زالوا احياء.
واضاف انه لم يبق لديهم شيء في جسر الشغور، وقال ان الجيش يملك السلاح والمروحيات، ويطلق النار وانه شاهد اثنين اصيبا وهما يحاولان الهرب. وقالت الصحيفة ان مزاعم كثيرة ترددت في شهادات الهاربين عن مشاركة ‘الشبيحة’ في المذابح. وقال نجار اسمه محمد حافظ من المناطق المحيطة بالمدينة ‘لم يكن الجيش وحده، ولكنهم جاءوا فيما بعد، وهؤلاء عدوانيون ويتمتعون باطلاق النار على الناس’. واضاف ‘صعدوا على سطوح المنازل وبدأوا يطلقون النار على المتظاهرين، لا احد يعرف من ارسلهم، وعرفنا فيما بعد انهم الميليشيا التي يخاف منها كل واحد، وكانوا هم من بدأوا المشاكل عندما اطلقوا النار على جنازة’. ونقلت ‘ديلي تلغراف’ عن احد سكان المدينة قوله ‘الجسر انتهت لقد سويت بالتراب’، واضاف ان ‘رجال الاسد يقتلون كل شخص داخل الجيش والشرطة والامن ممن يرفضون تنفيذ الاوامر’. ونقلت ‘تايمز’ عن احد الجنود الهاربين واسمه درويش محمد فيدو قوله ان القوات تطلق النار على اي جندي يرفض اطلاق النار على المتظاهرين العزل. وقال انه هرب من الجيش بعد امره باطلاق النار على المتظاهرين في حمص. وفي تعليق على مذبحة جسر الشغور قالت ‘اندبندنت’ ان الحقيقة لم تعرف بعد عما حدث هناك، خاصة في ظل التعتيم الاعلامي، والروايات التي تتوزع بين رواية الحكومة التي بررت عمليتها التي شاركت فيها 200 دبابة بالانتقام من العصابات الاجرامية ورواية الهاربين من اهل المدينة الذين قالوا ان القتل بين الجنود جاء عندما رفعوا السلاح على بعضهم بعد رفض الجنود المقتولين تنفيذ الاوامر.