«صيف مع العدو» لشهلا العجيلي .. سيرة ذاتية تحاول القبض على روح المدينة

«إن الأماكن هي الناس». تحضر مقولة عبد الرحمن منيف هذه عند قراءة رواية «صيف مع العدو» الصادرة سنة 2018 للسورية شهلا العجيلي، فالمكان الرئيس في روايتها هو مدينة الرّقة السورية، التي اتخذها تنظيم «الدولة» عاصمة له بين عامي 2014 و2017.

لميس/شهلا

الرواية رواية سيرة ذاتية لشهلا العجيلي، سردتها على لسان شخصيتها الرئيسية (لميس) ابنة العائلة الرقاوية الإقطاعية، التي كان معظم أفراد عائلتها متعلمين، ويحملون الكثير من السمات الثقافية، ومتخففين من الكثير من أعباء القيود الاجتماعية التي سادت في ثمانينيات القرن العشرين في بيئة الرقة، فالسمات الذاتية لـ (لميس) تنطبق معظمها على سيرة حياة شهلا، فسردها لطفولتها وأحداثها، وعلاقتها بابن جيرانها عبود صديقها في الطفولة، والمراهقة ورفيق دربها أخيرا في المهجر، وما يتفرع من أحداث، بدءا من اللعب أمام البيت في الحارة، والتلصص على العروسين الجارين، اللذين زفا أمام عيونهما، وشقاوة عبود في لعبة الحرامي الذي تسلق شباك منزل (كرمة) جدة لميس، وهو يلبس في رأسه جوربا نسائيا لتخويفها، ووفاتها بعد سويعات من الحادثة، ما جعل لميس تعتقد أن السبب وراء موتها هو عبود، الذي أرعبها فماتت من خوفها. وكذلك نراها تسرد على لسان الراوية لميس حكايتها مع الفروسية، وكيف تعرفت على مدربها مؤسس مضمار نادي الفروسية في الرقة (أبو ليلى) وعن خطوات تدريبها في هذا النادي، الذي كانت العجيلي كما يبدو إحدى فارساته في الثمانينيات وبداية التسعينيات حتى أنها ــ كما قيل ــ حازت الجائزة الأولى في مسابقات تخطي الحواجز، ولعلّ القارئ الذي عرف شهلا في تلك الفترة، أو بعضا من تفاصيل سيرتها الذاتية، سيكتشف أن الحديث عن الخيل وصفاتها وطبائعها وطرائق تنظيفها وكيفيه التعامل معها، الذي جاء على لسان لميس، لم يكن سوى صوت شهلا، الفارسة المتألقة في تلك الفترة.
وأيضا مرافقتها عالم الفلك الألماني (نيكولاس) في تل البيعة في الرقة، انتهاء بلقائهما الأخير في مدينه كولونيا الألمانية، وحديثها عن الحارة، وماذا يحدها؟ وكم تبعد بعض الأمكنة عن بيت عائلتها كحي الثكنة، والكنيسة، والسينما والجامع الكبير، وباب بغداد، ونادي الفروسية، والمقبرة، والدرعية، والجسر وتل البيعة، ونهر الفرات، وجميعها أمكنه انطلقت في ذكرها من الحارة.

الحارة/العائلة

هذه الحارة التي تتصف علاقات جيرانها بالود والألفة والطيبة، وهي سمات جميع أهل الرقة (يسهر الرجال والنساء أمام بيوتهمَ حتى مطلع الفجر)، (لا أحد يحرص على إقفال الأبواب أو الشبابيك في الحارة، فالحارة أمان والناس تسهر أمام البيوت)، وفي الواقع هي تتحدث عن حارة (عائلة العجيلي) الواقعة وسط المدينة على بعد مئتي متر من دوّار الساعة ومبنى البريد، وعلى بعد حارتين من شارع القوتلي، والجامع الكبير، والسينما (سينما الشرق)، واللافت في الرواية أن الروائية أسهبت في الحديث عن تل البيعة والبتاني الفلكي الرّقي الشهير، الذي نصب تلسكوباته فوق ذلك التل، في القرن التاسع عشر، ليرصد الأفلاك والنجوم ويصحح نظريات أوروبية، كانت حقائق متداولة في عصره كنظرية (بطليموس) حول ثبات حركه الاعتدالين الربيعي والخريفي، حيث أثبت البتاني أن الميل متغير مع الزمن، وكذلك صحح له نظريته التي يرى فيها أن الكواكب تدور حول الشمس بشكل ملتوٍ، بينما يرى البتاني أنها تدور بشكل بيضاوي.

ومن عناصر السيرة الذاتية في الرواية ثقافتها الآثارية عن باب بغداد، وتل البيعة، وهي ثقافه اكتسبتها من والدها المهندس المعماري الخبير في ترميم المدن القديمة (كما تذكر هي) في حوار سابق.

إبراهيم أغا/عبد السلام العجيلي

ومن عناصر السيرة الذاتية في الرواية ثقافتها الآثارية عن باب بغداد، وتل البيعة، وهي ثقافه اكتسبتها من والدها المهندس المعماري الخبير في ترميم المدن القديمة (كما تذكر هي) في حوار سابق. كما تذكر في أكثر من موضع من الرواية جامعتي حلب ودمشق، لاسيما عن دراسة وتدريس اللغة العربية، وهي الحاصلة على شهادات اختصاصها في اللغة العربية من كلية الآداب في جامعه حلب، ولكن أين حضر الأديب عبد السلام العجيلي في الرواية وعم الدكتوره شهلا؟ أرى أن شخصية الجد (إبراهيم آغا) زوج (كرمة) التي عرفها في بيروت ثم تزوجها، فإبراهيم كان يسافر كثيرا إلى بيروت بسيارته البونتياك الزرقاء للسياحه صيفا، وينزل في أفخم الفنادق. كما سافر إلى مصر وبعض دول أوروبا، وهذا ما كان يفعله الدكتور عبد السلام العجيلي في الواقع كل صيف تقريبا إذ كان يملك السيارة ذاتها. وهو متزوج من سيده دمشقية وقضى لهما ولد في حادث سيارة في الثمانينيات. هذه سمات وعناصر السيرة الذاتية في رواية «صيف مع العدو».

سيرة حياة

وما سبق ذكره يعد دليلا قاطعا على أن سرد لميس لتجربتها ما هو سوى سرد لجوانب من السيره الذاتية لشهلا العجيلي، وهذا لا يعني أنها لم تضفِ على بعض الشخصيات خيالا أقرب إلى الواقع، كشخصيات نيكولاس وكارمن وكرمة، ومن الخيال أيضا حدث لقاء عبود مع لميس في كولونيا، ومشهد انفجار اللغم الذي مزق جسد أم لميس في طريق هروبهما من الرقة، ما عدا ذلك لم يكن سوى شخصيات حقيقية تتصل بالكاتبة بصلة قرابة وثيقة (أب أم أعمام وعمات وأخوال وخالات أو جيران وأصدقاء ومعارف)، ومن الأحداث الحقيقية التي عاصرها الجميع ولا نزال نتذكرها صعود الضابط الطيار محمد فارس إلى الفضاء على متن مركبة روسية، وحديثه مع الرئيس آنذاك. هذا الحديث الذي ذكرته الكاتبه بالتفصيل في روايتها، كما تحدثت عن قصة انشقاقه عن الجيش ولجوئه إلى إسطنبول حتى بدا حواره التلفزيوني الذي ذكرته الكاتبة، مع محطة فرنسية، وكأنه إشاره إلى عدم استفادة المعارضة من انشقاقه وشعوره بالإحباط. فحين سألته المذيعة (ماذا تفعل الآن؟ أجابها بابتسامة باهتة، ليس الكثير أدخن الأرجيلة وأجلس في المقاهي والمضافات) ولا ننسى إشارتها إلى قصف طيران التحالف الدولي مدينة الرقة، الذي استمر حوالي الشهر لطرد «داعش» منها، ما جعل معظم بيوتها وأبنيتها تسوى مع الأرض. ومن هنا يمكننا أن نعدّ هذه الرواية رواية سيرة ذاتية لها ولشخصيات التقتها الكاتبة بعد خروج أهالي الرقة منها، مع بداية قصف التحالف لها، كأخت الروائية مثلا، التي خرجت من المدينة عام 2017 كما ذكرت هي في حوارها المذكور سلفا مع خليل صويلح.

العدو

وعند استعراض ما كُتب عن الرواية نجد أن جلّ الكتابات احتفت بها من زاوية اعتبارها روايه تتحدث عن (العدو) «داعش» وعاصمته المندحرة، لكن بالقراءة المتأنية للرواية نجدها لا تتحدث عن «داعش» إلا في بضع صفحات (الجزء الذي تتحدث فيه عن قصه خروج لميس وأمها من الرقة)، حتى إن الجميع وقع في فخ عنوان الرواية الذي نصبته الكاتبه، فقد كان مشوقا ومثيرا لجميع قرائه لاسيما للذين لديهم معرفة مسبقة بانتماء الكاتبة إلى الرقة، المكان الذي غدا أهم مكان، بل محط أنظار سكان الكرة الأرضية، في تلك السنوات (حين أعلنها تنظيم الدولة عاصمة له) إذ سيتبادر إلى الذهن أن (العدو) هو «داعش» وأن أحداثا دموية ستدور في أحياء المدينة، التي دمرتها طائرات التحالف الدولي قبل خروج «داعش» منها، ولكن القارئ حين ينتهي من قراءة الرواية سيكتشف أن (العدو) هو نيكولاس الألماني، الذي تلجأ إليه لميس في ألمانيا و(الصيف) كان معه في تل البيعة مركز تلسكوبات العالم الفلكي الرقي البتاني.

رواية “صيف مع العدو” هي سيرة حياة مدينة تغفو على كتف الفرات، لم تستطع أن تقتل روحها جميع طائرات العالم، لأن الكاتبة شهلا العجيلي لا تزال تقبض على روحها كما يرى أحد النقاد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية