كانت يوتي (تم تغيير الاسم) في الثانية عشر من عمرها عندما ظهرت في وجهها وفي يدها بقع صغيرة فاتحة اللون.
لم تكن تشعر بشيء عندما كان أحد يلمس هذه المواضع، ثم شخص الطبيب فيفيك لال، من المؤسسة الألمانية لأمراض الجذام والسل، هذه البقع على أنها الجذام، حيث تبين للطبيب موت الأعصاب الموجودة في المواضع فاتحة اللون.
وفقا لبيانات منظمة الصحة العالمية فإن نحو 210 ألف إنسان على مستوى العالم أصيبوا عام 2018 بنفس ما أصيبت به الفتاة يوتي، منهم 120 ألف شخص في الهند وحدها.
ولا تزال حالات جديدة من الإصابة بهذا المرض المعدي، تظهر في الدول النامية على وجه الخصوص، سواء في الهند أو البرازيل أو كولومبيا أو أفغانستان.
ولم يعد المرض، غالبا، هو المشكلة الرئيسية عند الإصابة به، بل الوصم والإقصاء الذي يتعرض له مرضى الجذام.
ويعتزم خبراء من جمع أنحاء العالم مواصلة التوعية بشأن الجذام، في اليوم العالمي له، والذي يوافق السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير من كل عام.
وعثر على الجذام في مومياوات مصرية قديمة.
ولكن الطبيب النرويجي جيرهارد أرماور هانزن لم يكتشف البكتريا المسببة للمرض سوى عام 1873 وهي بكتريا المتفطرة الجذامية، والتي تتسبب في موت أعصاب وتجعل المصابين لا يشعرون بشيء في المواضع المصابة.
وفي حالة إصابة هؤلاء بجروح، فمن الممكن أن يصابوا بتلوث، قد يؤدي للوفاة في الحالات القصوى وفي حالة عدم تلقيهم الرعاية الصحية اللازمة.
على مدى آلاف السنين كان مصابو الجذام يعالجون على أنهم “منبوذون” وكانوا يعزلون في مستعمرات خاصة في جزر، أو في مناطق ريفية نائية.
بل إن اليابان اعتمدت عام 1996 قانونا ينص على إلقاء القبض على مرضى الجذام وتعقيمهم بشكل إجباري.
ولا يزال هناك في الهند نحو 700 مستعمرة لمرضى الجذام، حسب الطبيب لال.
وهناك بعض الدوائر الثقافية لا تزال تعتبر الجذام عقوبة من الرب على ذنوب ارتكبت على الأرض.
وفي عام 2018 فقط عدل البرلمان الهندي قانونا يعتبر إصابة أحد شريكي الحياة بالجذام سببا مقبولا للطلاق.
يقول الطبيب لال إن والدي الفتاة يوتي أصيبا بالصدمة عندما علما بإصابتها، حيث كانا يخافان أن يصاب جسمها وأعضاؤها بتشوهات، وألا تستطيع أن تتزوج أبدا.
وعندما تعاطت الفتاة أدوية أدرك زملاؤها في المدرسة المرض الذي تعاني منه، حيث أصبحت بشرتها داكنة بشكل أكثر بقليل من لونها المعتاد، وهو أحد الأعراض الجانبية للعقاقير المضادة للجذام، وهي أعراض تختفي فيما بعد، عند التوقف عن تعاطيها، حسب الطبيب لال.
وأشار الطبيب إلى أن زملاء يوتي كانوا يخشون الإصابة بالعدوى إذا لمسوا زميلتهم، مما جعلها تطلب من مدير المدرسة أن يسمح لها بترك المدرسة.
يرى الأطباء أن مثل هذه الإجراءات مبالغ فيها، حيث يؤكدون أن الجذام ليس شديد العدوى، وأن تشخيصه أمر سهل، وأصبحت مداواته ممكنة منذ ثمانينات القرن الماضي، حسبما تؤكد المؤسسة الألمانية لمرضى الجذام والسل.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد صنفت الجذام قبل 20 عاما على أنه مرض تم القضاء عليه، وقالت آنذاك إن المرض لم يعد يمثل مشكلة عالمية على الصحة العامة.
وتم إلغاء آليات الرقابة على المرض، وارتفعت بعدها نسبة وصم المرضى وإقصائهم.
عن ذلك يقول بوركارد كوم، المدير التنفيذي للمؤسسة الألمانية لمرضى الجذام والسل: “ساد الاعتقاد آنذاك بأن نسبة أقل من حالة إصابة بين كل 10 آلاف نسمة هي نسبة منخفضة بشكل يوقف العدوى، ولكن تبين فيما بعد، خطأ هذا الاعتقاد”.
لقد أصبح مرض الجذام اليوم يحتل المركز الـ 20 في قائمة منظمة الصحة العالمية للأمراض المدارية المهملة.
ولا يزال الخوف يتملك البشر عند تفشي المرض، خوفا من الإصابة بعدواه، وغالبا ما يتفشى المرض بعد فترة حضانة سنوات كثيرة، بل ربما عقودا.
تعرفت زابينه لودفيغ، المتحدثة باسم المؤسسة الألمانية لمرضى الجذام والسل، خلال السنوات الماضية على الكثير من مرضى السل، حيث تزور منذ سبعة أعوام مشاريع ومؤسسات لدعم المرضى في المناطق المعنية.
وقالت إنه ظل رجل عجوز في جنوب السودان، في ذاكرتها بشكل خاص “حيث يعيش في قرية معزولة عن كل الطرق، مما يضطر العاملين في أحد الأقسام المتحركة لمساعدة المرضى، للسير إليه على الأقدام لمدة ساعتين، لتقديم الرعاية اللازمة له.
وعندما كان يحالفهم الحظ كانوا يصلون إليه بدراجة نارية مخصصة للمناطق الوعرة”.
وتابعت: “كان وصول مقدمي المساعدة للرجل يمثل نقطة مضيئة في حياته. حيث لم يكتفوا بتضميد جراحه وإحضار الدواء اللازم له، بل كانوا بالنسبة له أيضا وسيلة الاتصال بينه وبين العالم الخارجي. حيث كان لدى المصابين رغبة في الحديث عن حياتهم، يريدون أن يحكوا ما حل بهم جراء الجذام”.
ليست قضية الوصم والإقصاء خاصة بالدول النامية وحدها، فرغم القضاء على الجذام في أوروبا منذ فترة طويلة، إلا أن هناك مؤسسة في اسبانيا لا تزال تنذر نفسها في مكافحة المرض، وهي مؤسسة فونتيلس.
ولا يزال هناك نحو عشرين شخصا يعيشون في مصحة سان فرانسيسكو دي بوريا بقرية فونتيلس في منطقة جبلية بالقرب من مدينة كوستا بلانكا، القريبة من مدينة أليكانتي، جميعهم من كبار السن.
لماذا يظلون في مصحة خاصة إذا كانوا أصحاء؟
وقال المدير الطبي للمصحة، جوزيه رامو جوميز في مقابلات مختلفة مع وسائل إعلام إسبانية أن بعضهم لا يزال مصابا، على سبيل المثال، بجروح تتطلب العلاج اليومي، والبعض الآخر يفضل له البقاء في هذه المصحة بسبب تشخيص مرضه متأخرا.
وأضاف لكن السبب الأكثر فظاعة هو السبب الحقيقي بالنسبة للعديد من هؤلاء المرضى “إنهم لا يزالون يعانون من الإقصاء ومن قبل المجتمع، بل ومن قبل عائلاتهم نفسها”.
وفي مقابلة مع صحيفة “البايس” الاسبانية تقول يولاندا سانشيز، مديرة المصحة المسؤولة عن الخدمات التطوعية والتوعية: “انتصرنا على المرض، ولكننا لم نهزم الوصم الذي يعاني منه المرضى بعد”.
ولكن عمل المصحة التي تأسست منذ عام 1909 لم يذهب سدى، حيث كانت مؤسسة فونتيلس تمول عام 2019 وفقا لبياناتها 27 مشروعا، في 12 بلدا في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، وهي المشاريع التي تخدم نحو 400 ألف إنسان. (د ب أ)