أين بعض الأفراد والمؤسسات من الثورات؟

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

إبان أيامنا الحالية، والأرض العربية تموج بالأحداث الثورية المبهرة، يطرح الإنسان على نفسه مراراً وتكراراً هذا الاستفهام: لقد قام شباب هذه الأمة بتفجير ثورات وحركات احتجاجات جماهيرية في طول وعرض الوطن العربي، ودفعوا ثمناً باهظاً من دمهم ودموعهم وأرزاقهم، وأبدعوا في النُّهج والوسائل والشٍّعارات، فأين الباقون من كل ذلك؟ أين المؤسسات والأفراد والجماعات من هذا المسرح المذهل الذي يتقاطر العالم ليشاهد ويتفهم دروسه؟ دعنا نذكر بعضاً من الأمثلة.1 ـ أين الجامعة العربية؟ لا يستطيع الإنسان أن يتفهًم الغياب المريب المحزن لهذه المؤسسة القومية، المفروض أن تكون معنيًة بالهموم العربية، سواء الحكومية أم الشعبية. يومياً يسمع الإنسان عن تصريحات أو مواقف لهيئة الأمم المتحدة، لمؤسسات حقوق الإنسان الدولية، لمؤسسات العون الإنسانية، للإتحاد الأوروبي، لقوًات حلف النًاتو، للناطقين باسم عشرات الحكومات، ويومياً يحُج مندوبو تلك الجهات إلى ساحات الفعل العربي أو يعقدون الاجتماعات والمؤتمرات بشأن الأحداث العربية الكبرى، لكنًه بالكاد يسمع عن أو يرى تواجداً للجامعة العربية. لقد أصبحت مؤسسة في الظلٍ وصوتاً يأتي من خارج المكان والزمان.

أليس المفروض أن تكون للجامعة العربية مبادراتها، إتصالاتها بالحكومات وبالثوار، حضورها في كل مناقشة دولية أو إقليمية للأحداث العربية، رفضها المعلن لممارسات البطش والظلم والقتل المتعمًد؟ هل مهمة الجامعة، كمؤسّسة، أن تكون مكاناً لانعقاد الاجتماعات العربية الرسمية، وأن تقتصر مهمة أمينها العام على أن يكون الناطق الرسمي، المتردد والخائف لتلك الاجتماعات؟ هل الجامعة العربية هي سكرتارية للحكومات العربية أم أن لها دوراً أهًم وأكبر من ذلك؟ ثم أين تفعيل البرلمان العربي المنضوي تحت جناح الجامعة العربية؟ أهو برلمان فاعلية متناغم مع الأحداث الكبرى أم حلقة دراويش لسياح السياسة العربية الرسمية؟

والأمر ينطبق، شكلاً ومضموناً، على منظًمة الدول الإسلامية. فأيً إسلام تمارسه هذه المنظًمة عندما تقف متفرٍجة على ألوف المسلمين العرب وهم يذبحون، وعلى ألوف النساء المسلمات وهنُ يغتصبن من قبل أوغاد الأمن، وعلى مندوبي العالم وهم يجيئون ويروحون ويتوسطون بينما هم يقفون دون حركة تقدم أو تؤخر؟

هذان مثلان، وغيرهما كثير، يطرحان تساؤلاً مفصلياً: إذا كانت الأحداث الكبرى لا تقحم مثل هذه المؤسسات الإقليمية القومية أو الإسلامية في قلب الأحداث، تحدثاً وفعلاً ونشاطات متواصلة ليل نهار، وذلك من أجل مساعدة الشعوب على الخروج من الجحيم الذي تعيشه، خصوصاً عندما يصُر بعض رؤساء الدول على الموازنة بين مصيرهم الشخصي ومصير أوطانهم وشعوبهم… إذا لم تقحم مثل هذه المؤسسات نفسها في قلب الأحداث وتصبح طرفاً فاعلاً في حلً إشكالاتها، فما هي إذن الفائدة من وجودها؟ الا يعني ذلك ان وجودها بهذا الشكل المفجع هو عبارة عن ألاعيب سياسية تمارسها الحكومات، من خلال هذه المؤسسات المشتركـــة، تجاه مصائر وأحلام وحقوق شعوبها؟ 2 ـ أين الكثيرون من الكتاب والإعلاميين والدعاة الدينيين ومدًعي الإيديولوجيات الليبرالية واليسارية من التفرغ التام للانغماس في الأحداث التي تموج بها الأرض العربية، والتي إن فشلت أو انحرفت أو تآمر عليها الانتهازيون من التقدميين الكاذبين الخادمين للفساد والاستبداد، فإنها ستؤدي إلى ضياع فرصة تاريخية متواجدة الآن لخروج العرب من تخلُفهم السياسي التاريخي؟ أين هؤلاء. من المحاولات اليائسة لإلصاق تهم الطائفية والمذهبية والعمالة للخارج والولاء لنهج القاعدة بالحراك. الشبابي الشعبي المعبًّر عن التوق الفطري عند هذه الأمة للسمو بحياتها خارج تاريخ طويل من الاستبداد والاستباحة لكل ثروات الأمة المادية والمعنوية؟ أينهم من حملات الإعلام الرسمي المحاول خلط الأوراق واللُعب على عواطف الشباب من أجل إبعادهم عن فهم ومساندة ما تصنعه. طلائعهم الشبابية الثائرة؟

ليس الهدف من وراء تلك التساؤلات تحقير الجهود المتواضعة التي يبذلها هذا أو ذاك. أو تلك الجهة، الهدف هو التذكير بأن من حق الشباب المضحٍي بسخاء عزُ نظيره أن يحصل على دعم أكبر بكثير مما حصل عليه. يجب أن نذكًر أنفسنا، أفراداً ومؤسسات، بأن أي فشل أو ضعف للحراك العربي التاريخي الحالي سينقلب إلى كوابيس في حياتنا نحن عبر ليالي المستقبل. لن نستطيع أن ننام وكوابيس خذلاننا لشباب الأمة تلاحقنا وتذكرًنا بأن الحياة هي موقف من أنبل ما فيها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية