كان الأديبان جميل صدقي الزهاوي (1863 ـ 1936) ومعروف الرصافي (1875 ـ 1945) من أشهر شعراء العراق والعرب في النصف الأول من القرن العشرين، اشتركا في الكثير من الجوانب، فقد ولد كلاهما في بغداد، ونشآ فيها ودرسا اللغة العربية في مدارسها، حسب الطريقة التقليدية آنذاك، وكانا مدرسين للغة العربية في أرقى المؤسسات التعليمية العثمانية، وأصبحا عضوين في مجلس النواب العثماني (المبعوثان) قبل الحرب العالمية الأولى، وبدعم من حزب الاتحاد والترقي، حيث شجع النواب العرب على الترشيح للمجلس في تلك الفترة. وكان الاثنان من الملتزمين بقوميتهم العربية والمدافعين عن العرب وحقوقهم القومية، كما كانا من المطالبين المتحمسين للتطور العلمي وحقوق المرأة.
ولكن نقاط التشابه تنتهي هنا، حيث كان الاثنان يختلفان في جوانب أخرى كثيرة. وللزهاوي قصص شهيرة تناولت أمورا أثارت غضب الكثيرين في مجلس النواب العثماني، واتهمه أعداؤه بمختلف التهم حول معتقداته الدينية غير التقليدية. وقد يعتقد القارئ أن الزهاوي كان جريئا في إبدائه لآرائه، ولكن هذا لم يكن صحيحا، حيث كان الزهاوي يتمتع بحماية حزب الاتحاد والترقي، الذي كان يحكم الدولة العثمانية حينها. ولم يكن ذلك غريبا إذا درسنا شخصية الزهاوي، الذي كان يحاول دائما التقرب من الطبقة الحاكمة مهما كانت، ولذلك ما أن خسرت الدولة العثمانية للحرب العالمية الأولى واحتلال البريطانيين للعراق، حتى انضم إلى الحزب المؤيد للبريطانيين، وأعلن دعمه لتعيين الملك فيصل الأول، بدون أن ينسى مدح العثمانيين، ولذلك أصبح الزهاوي عضوا في مجلس النواب، وبعد ذلك في مجلس الأعيان في العراق.
أما الرصافي فقد كان شخصا مختلفا، وهناك نقاش مطول حول معتقداته الدينية، ولنقل إنه كان مسلما على طريقته الخاصة. وبعد فترة قصيرة من الزواج في تركيا عاش حياة صاخبة، بينما قضى الزهاوي حياته مع زوجة واحدة، ولا نعلم إن كان الزهاوي مخيرا أم مجبرا على هذا؟ ولم يعتمد الرصافي على حماية أو تأييد طبقة حاكمة عندما كان يصرح برأيه، فهاجم البريطانيين واعترض على تعيين فيصل الأول ملكا على العراق، ولكنه توقف واستسلم للأمر الواقع، بعد تأكده أن فيصل باقٍ لا محالة، على الرغم من أن ذلك لم ينقذه من غضب فيصل الأول. ولكنه استمر في انتقاد الحكومة العراقية بلا هوادة، بدون أن يسلم من نقده أي من سياسيي عصره حتى السياسي الشهير نوري السعيد. وإذا كان الزهاوي ربما البادئ في مجال الدعوة لحقوق المرأة، فإنه ما أن لاحظ تصاعد أصوات بعض المحافظين الاحتجاجية في المجتمع البغدادي، حتى صمت وعاد أدراجه. أما الرصافي، فلم يأبه بالمعترضين، ضاربا احتجاجاتهم عرض الحائط، وأصر على موقفه بقصائد رنانة تدعو إلى حرية وتعليم المرأة ومهاجما المحافظين.
ارتفع نجم الرصافي سريعا في العراق والعالم العربي، كشاعر مبدع، واستمتع الكثيرون بشعره الرائع، ما أثار حفيظة الزهاوي، الذي شعر بأن مركزه (في اعتقاده) يتعرض للخطر، فأخذ يهاجم الرصافي رويدا رويدا. وكان في نقده للرصافي في البداية رقيقا وغير مباشر، بل إنه اشترك في حفل تكريم الرصافي بمناسبة عودته من بيروت بقصيدة كانت بدايتها
لقد عاد معروف أخي بعد غيبة
فأهلا برب الفضل والأدب الوفر
وعندما عاد «الزهاوي» من القاهرة ألقى الرصافي قصيدة في حفل احتفاء به بدأها كالتالي:
أرى بغداد من بعد اغبرار
زهت بقدوم شاعرها الزهاوي
ولكن نقد الزهاوي أخذ يزداد حدة تدريجيا، وفي إحدى المرات كان الشاعران في أحد المقاهي مع بعض المثقفين فأخذ الرصافي يلقي إحدى قصائده، ولكن الزهاوي أراد أن يغضب الرصافي، فرأى صبيا يبيع الحلويات كان قد دخل لتوه في المقهى، وصاح به «هل لديك قميص بحجمي؟» فضحك الحضور مما اضطر الرصافي على التوقف، وخرج غاضبا.
وفي إحدى المرات سأل الملك فيصل الأول، الزهاوي عن رأيه في الشاعر المصري أحمد شوقي، فقال الزهاوي: «مولاي، إن تلميذي الرصافي أشعر منه». وحاول الملك أن ينهي الخلاف بين الاثنين، فدعاهما إلى مأدبة كبيرة شملت صينية كبيرة من الرز واللوز وفوقهما ديك رومي، فانكب الزهاوي على الرز يأكله بنهم واضح، حتى سقط الديك الرومي باتجاهه فقال «عرف الفضل أهله فتقدما». وهنا بادره الرصافي بقوله، «كثر النبش تحته فتهدما». وضحك الملك وبقية الحضور، فقد كان الرصافي، الأسرع بديهة والأفضل شعرا والأكثر مرحا وتواضعا. وفي الوقت الذي كان فيه الزهاوي يعتبر نفسه ملكا يجلس على عرش الشعر والثقافة، كان الرصافي يبتعد عن مثل هذه الاعتقادات، فعندما قام الإعلامي يونس بحري بوصف الرصافي بأمير الشعراء في جريدة «العقاب» التي كان يصدرها في تلك الفترة، قام الرصافي بكتابة رسالة إليه محتجا على هذه التسمية. ولم يتوقف الزهاوي، وكان واضحا أنه كان يتجاهل تجنب الرصافي لتصعيد الموقف، وقام بإلقاء قصيدة غير لطيفة في حفل للثانوية المركزية أثارت غضب الرصافي، فغادر الأخير الحفل محتجا. ووصل الأمر بالزهاوي إلى درجة أنه أرسل رسالة مليئة بالشتائم السوقية إلى الرصافي. ولعب الكثيرون دورا مهما في زيادة حدة العداء عن طريق نقل الأخبار والأقاويل. وقام عبدالقادر المميز صاحب جريدة «أبو أحمد» الفكاهية بالادعاء أن مجموعة من أدباء العراق بايعوا الرصافي لإمارة الشعر، وعلى الرغم من معرفة الزهاوي بعدم صحة الخبر، فإنه انفجر غضبا طلب من أصدقائه بنشر بيعتهم له بإمارة الشعر في الصحف. واستمر الخلاف بين الرجلين، حتى وجد البعض أن الأمر يكاد أن يخرج عن المعايير المعقولة. ولذلك قرر البعض التدخل لإنهاء هذا الخلاف، وأقام الوزير السابق والشخصية العراقية المعروفة محمود صبحي الدفتري، دعوة كبيرة حضرها الشاعران الكبيران وشخصيات سياسية وأدبية كبيرة، وتم التصالح بين الرجلين وألقى الزهاوي فيها قصيدة قال فيها:
جمع الأديب الحرّ صبحي شملنا
في داره أكرم بها من دار
وعندما توفي الزهاوي في الثالث والعشرين من فبراير/شباط عام 1936، كان «الرصافي» في طليعة المشيعين وبكى بشدة وألقى قصيدة ارتجلها قال فيها:
أيها الفيلسوف قد عشت مضنى
مثل ميت وصرت بالموت حيا
وتوفي الرصافي عام 1945 فقيرا معدما ووحيدا، ولكنه ترك أثرا أزليا في الثقافة العراقية والعربية.
كانت بغداد هي المدينة التي أنجبت بعض أشهر الشعراء في العالم العربي والشرق الاوسط، مثل الشاعر احمد هاشم الآلوسي (1884 ـ 1933) الذي كان احد أشهر الشعراء في تاريخ تركيا الحديث، وعرفه الاتراك باسم «أهمت هاشم، وكان من عائلة بغدادية عربية معروفة.
٭ باحث ومؤرخ من العراق