نسمع الكثير عن حرية الرأي عبر عصور التاريخ، وقد يكون لها في عصرنا الحاضر مغازي عديدة في بلاد عديدة. ولكن في اللبّ من القول بحرية الرأي ثمة سؤال قد لا يجرؤ كثيرون بالإفصاح عنه: ما هي حدود حرية الرأي؟ متى يمكن القبول بالتعبير عن تلك الحرية، ومتى يغدو ذلك التعبير خروجاً على الحاكم، سياسياً، أو تجديفاً وكفراً بخروجه عن مبادئ الدين المتعارف عليها؟
ربما كان سقراط الفيلسوف الإغريقي أول ضحايا حرية الرأي، إذ اتُّهِم بإفساد الناشئة بتعاليمه الفلسفية. وليس بين الباحثين من لديه صورة واضحة عن تلك التعاليم المفسِدة، وهل أن من حكم عليه يخلو من الفساد، أم أنها السياسة وراء كل الأحكام؟
وفي تراثنا العربي الإسلامي ثمة قضية المتصوّف الكبير، الحلاّج، (858 – 922) الذي حُكم عليه بالكفر والخروج عن مبادئ الإسلام، في أواخر العصر العباسي في عهد الخليفة المقتدر. كان ذلك المتصوف السنّي “يذوب ذواباً كاملاً في الله”. وقد يُفسّر هذا بأنه القول بوحدة الوجود التي قال بها المتصوّف الأندلسي الشهير محي الدين بن العربي، القائل “وتحسَبُ أنك جُرمٌ صغير/وفيك احتوى العالم الأكبرُ”. ولكن الحلاّج الذي يقول “سُبحاني ما أعظم شأني” والذي يردّد: “ليس في الجُبّة إلا الله” لم تكن الأوضاع الفكرية في أواخر العصر العباسي لتقبلها على أنها “حرية فكر” ولو أن الحلاّج كان يكرّر: “ديني لنفسي ودين الناس للناس” على أنها مثل الآية الكريمة “لكُم دينكُم وليَ ديني”. والردّ على هذا التفسير جاهز: هذه الآية تخاطب: “قُل يا أيها الكافرون” وبذلك حكَم المتصوّف على نفسه بالكفر، والخروج على مبادئ الدين الإسلامي، الذي حمل قاضي بغداد على تجريم القائل “ما رأيت شيئاً إلا رأيتُ الله فيه”. ولم يُعجب الخليفة المقتدر قول الحلاّج في مخاطبة الذات الإلهية: “أدنَيتَني منكَ حتى/ظننتُ أنّك أنّي”.
وأنا أستعمل كلمة “الأديب” هنا بمعنى “من يأخذ من كل علمٍ بطرف” بما يعادل كلمة “العالم” في الكتابات التراثية العربية، وهي كلمة لم تعد اليوم تعني العالم بعلوم اللغة والدين والتاريخ، بل أصبحت أكثر تحديداً، فنقول عالم الكيمياء والفيزياء والفلك ألخ. لكن العلماء في تراثنا العربي الإسلامي كثيراً ما كانوا شعراء أو مؤرخين إلى جانب مجال اهتمامهم العلمي الأول، والأمثلة على ذلك كثيرة. وفي التراث الأوروبي نجد عدداً كبيراً من العلماء الذين أخذوا من كل علم بطرف، بما في ذلك الشعر والموسيقى مثلاً.
وفي التراث الأوروبي من عصر النهضة (1400 ـ 1600) نجد العالم البولندي نيكولاي كوبرنيكوس (1473 ـ 1543) قد جمع من كل علم بطرف. فقد درس علوم الفلك والرياضيات والاقتصاد والطب والقانون الكنسي. وقد أشتُهر بانجازاته في علم الفلك. وبناء على دراساته العلمية توصّل إلى القول إن الشمس هي مركز الكون وليست الأرض، كما كان متداولاً منذ عهود الإغريق، وآمنت به الكنيسة، وأقامت عليه جميع تواريخها الكنسية. لكن قناعة كوبرنيكوس بمركزية الشمس دون الأرض منَعَته من التصريح بها علناً خشية إثارة غضب الكنيسة واتهامه بالهرطقة والخروج على الدين. ولكن بعد وفاته جاء العديد من علماء أوروبا من فلكيين ورياضيين مثل غاليليو غاليلي ونيوتن وآخرين أثبتوا بالعلم والتجريب صحّة ما ذهب اليه كوبرنيكوس الذي لم يُصِبه أذى من الكنيسة، لكن غاليليو حكمت عليه الكنيسة بالهرطقة عام 1632 بتأثير من السياسة، التي لم تكن تحفل بالعلم قدر حرصها على إرضاء الكنيسة، ولو أن الكنيسة في عقود لاحقة أعادت الاعتبار للعالم الفلكي وآرائه. القناعة الخطِرة لم تكن سليمة العواقب دائماً.
وفي تراثنا العربي الإسلامي لدينا مثال الشاعر الفيلسوف المعرّي (973 ـ 1057) الذي لم تكن قناعاته لتُعجب السلطة الدينية في زمانه، لو أنه نادى بها بوجه السلطة مباشرة. لكنه كان حذراً، بارعاً في التعبير عنها بحيث يتقبّلها المثقفون وأهل العلم دون أن يجدوا فيها سوى آراء شاعر فيلسوف لا يستعدي بها السلطة الدينية أو السياسية. كان المعريّ يريد تحكيم العقل دون الظن والتخمين واتباع “ما وجدنا عليه آباءنا” فهو يتساءل ليثير في الآخرين العودة إلى العقل ليحكم في صحة ما شاع، لقبوله أو رفضه:
عجبتُ لكسرى وأشياعِهِ وغَسل الوجوه ببَول البقَر
وقول النصارى إله يُضام ويُصلبُ حيّاً ولا ينتَصِر
وقول اليهود إله محبٌّ رشاشَ الدماء وريح القَتَر
وقومٍ أتوا من أقاصي البلاد لرَميِ الجمار ولَثم الحَجَر
فواعجباً من مقالاتهم أيَعمى عن الحق كلُّ البشر؟!
هذه إدانة للبشر جميعاً لأنهم في نظر المعرّي لا يستندون إلى العقل في ما يقبلون من عقائد دينية. لكنه لم يقُلها صراحةً خشية سلطة الدين والحاكم.
ومثل ذلك قوله:
في اللاذقية ضَجّةٌ ما بين أحمدَ والمسيح
هذا بناقوس يدقّ وذا بمئذنةٍ يصيح
كلٌّ يعزّز دينَه يا ليتَ شِعري ما الصحيح؟!
وقناعة الشاعر هنا خطِرة، لكنه لم يصرح بإدانة الناس جميعاً لعدم الرجوع إلى العقل.
لكن المعرّي يقترب من الإدانة الواضحة لكل البشر: الكتيبة الخرساء:
يرتجي الناس أن يقوم إمامٌ ناطقٌ في الكتيبة الخرساء
إلى أن يقول صراحةً.
كذِبَ الظنّ، لا إمامَ سوى العقلِ مُشيراً في صُبحهِ والمساء
إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ لجلبِ الدنيا إلى الرؤساء
والمذاهب في عهده هي المذاهب الدينية وهي بمستوى خطورة المذاهب السياسية في عصرنا الحاضر، يكون التصريح بها مجلبة للمخاطر. وهذا ما عناه شاعر العراق الأكبر، الجواهري، في قصيدته في ذكرى المعرّي حيث قال:
لثورةِ الفِكر تاريخٌ يخبِّرنا بأن ألف مسيحٍ دونها صُلِبا
فنهض طه حسين هاتفاً: صَدقَ الرسول الكريم: إنّ من البيان لسِحرا.
وفي أواسط القرن الماضي كان الشاعر الأمريكي إزرا باوند قد بلغ من الشهرةِ مبلغاً في أمريكا وأوروبا، التي نزح إليها كما نزح من قبله كثير من الأدباء والشعراء الأمريكان. كان من بين القناعات الخطرة التي يحملها باوند كراهية شديدة لليهود، وقناعة ضئيلة بالمسيحية إذ كان يصرّح أن المسيحية التي جاءت إلى روما جعلت الرومي عبداً للامبراطور؛ وهي شديدة الاختلاف عن الديانة المسيحية في فلسطين. حتى أنه كان يصرّح بأن كونفوشيوس هو المسيح. مثل هذه العقائد الخطرة إعجابه الشديد بموسوليني وهتلر في عزّ الأربعينات من القرن الماضي. وكان التزامه بالفاشية وخدمته في إذاعة موسوليني قد أغضب الكنيسة والسلطة في أمريكا، مما أدى إلى سجنه ثلاث عشرة سنة، لم ينقطع خلالها عن كتابة الشعر. لكنه بعد مساعي الأدباء الأمريكان وإطلاق سراحه عاد إلى إيطاليا والفاشية، غير نادم على ما فعل.
وفي الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية انتشرت في عدد من البلاد العربية بعض المذاهب السياسية التي تحمل مخاطر لمعتنقيها، وخاصة من الشباب الذي وجد فيها ما يعارض السلطة السياسية في بلادهم، سلطة يحسبونها عميلة للأجنبي، لا تخدم مصالح البلد. كانت تلك القناعات السياسية في غالبها استجابة للشعارات البرّاقة التي نادت بها تلك المذاهب السياسية. وجميع الشعارات السياسية جميلة برّاقة، حتى يثبت العكس في التطبيق. لا ريب أن بعض من انقاد إلى تلك المذاهب كان عن قناعة، وتحكيم العقل. لكن عندما بدأت الاعتقالات والسجون وجد بعض أولئك الشباب أنهم ربما قد اندفعوا وتعجّلوا، فعاد كثير منهم إلى نبذ تلك القناعات، وبقي آخرون على قناعاتهم، على الرغم من فقدان وسيلة معاشهم، أو تشرّدهم في بلاد غير أوطانهم، ولسنوات طويلة. وبعضهم أعلن انقلابه عن قناعاته السياسية. ولا أحسب أولئك المنقلبين قد عاد لهم صفاؤهم الذهني، على الرغم من شعورهم بنوع من الرضا أنهم ما يزالون أحياء.